قام رسول الله صلى الله عليه وسلم بدعوته وجهاده، وكان مؤيدا بالوحي، مؤيدا بنصر الله وبالمؤمنين الذين ألف الله بين قلوبهم. لم تكن سيرته صلى الله عليه وسلم وجهاده ملتويين، بل عمد إلى رأس الكفر كما فعل رسل الله من قبله فتحداه. ثم صبر هو وأصحابه، وصانعوا ظروفهم، حتى أذن الله لهم بالهجرة، وبعد الهجرة كانت المواجهة والمصابرة حتى نصر الله.

المنهاج النبوي في التحرك الجهادي بين أيدينا نقرأه في السيرة العطرة. وعلينا اتباعه في الخط الرئيسي، والاجتهاد في جزئيات الحركة، لإنزالها على أحكام الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.

كائن عضوي حي تألف في مكة رباه المعصوم المؤيد المنصور، هو جماعة سميت فيما بعد المهاجرين. وتحركت الجماعة، وصدقت، وتحاب أعضاءها في الله، وتوالوا فيه، وسمعوا ، وأطاعوا، وتشاوروا في الأمر، ثم جاء أنصار الله من يثرب فبايعوا، وآووا ونصروا. وجاهد المؤمنون المخاطبون بالقرآن، من مهاجرين وأنصار، تحت قيادة، وبتعبئة، وعلى مراحل، حتى سقطت طواغيت الكفر.

كان للمؤمنين وهم يتلقون الوحي طريا تفوق على المشركين في الثقة بالله والعلم به. فكان العشرون منهم يغلبون المائتين من سواهم. كانوا رجالا صنعتهم التربية النبوية ومحصهم الله بالأذى والشدائد. فلما أيقنوا أن ما عند الله خير، غلب سباقهم إلى مغفرة الله ورضوانه وجنته عوامل الجبن البشري.

عندما يكون مع المؤمنين كتائب مما يشبه هذه التربية وذلك التآلف والتنظيم، يمكن أن يعتمد جند الله على موعود الله ورسوله، وينشبوا الزحف. بدون كائن عضوي حي منظم لا يتصور عمل. فعلى المؤمنين أن يقول بعضهم لبعض: “بأيدينا نسأل الله أن ينزل قدره. فهات يدك نتحاب ونتعاهد على نصر الله”. وللزحف محجة لاحبة وهدف معلن، ومرونة ضرورية، وثمن معلوم.

المحجة اللاحبة

لا نكذب على حكام الجبر ولا على أنفسنا عندما ندعوهم للتوبة والسلوك مسلك عمر بن عبد العزيز: إنما نتحداهم ونتخذ مظلة سياسية يعلم الكل، نحن وهم، ماذا تعني الكلمات. بعد هذا نقول: إن على المؤمنين أن يعمقوا ثقتهم بالله عز وجل، ويربوا جيلا وأجيالا، وينظموا صفا قطريا متينا منتشرا في الشعب، يعلمه، ويستنهضه، ويحرضه على الإيمان استعدادا ليوم نبلغ فيه أشدنا ويبلغ فشلهم غايته، فيزلزل حزب الله، من ورائه الشعب المسلم، أنظمة الجبر. لا تعوقنا صعوبة عقبات هذه المحجة عن ولوجها، ولا تستخفنا العجلة على الصبر على طولها. ولا يمنعنا هذا التهييء على المدى الطويل من التحرك الميداني النشيط.

لم تنجح حتى الآن حركة إسلامية في الوصول إلى الحكم بغير هذا المسلك الوعر الطويل. إيران أمامنا. ولهذا الطريق ثمن سنذكره فيما يلي. أما إيثار العافية، والسكوت الأخرس عن الحق، وهامشية السرية، فليس من سنة رسل الله عليهم الصلاة والسلام. نوح عليه السلام قال لقومه: “فأجمعوا أمركم وشركاءكم. ثم لا يكن أمركم عليكم غمة. ثم اقضوا إلي ولا تنظرون”. وقال هود عليه السلام لقومه: “فكيدوني جميعا ثم لا تنظرون”. وقال شعيب لقومه: “ويا قوم اعملوا على مكانتكم إني عامل. سوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه ومن هو كاذب. وارتقبوا إني معكم رقيب”. وقال أنبياء الله مثل ذلك. وقيل لمحمد صلى الله عليه وسلم: (قل يا قوم اعملوا على مكانتكم إني عامل فسوف تعلمون من تكون له عاقبة الدار). (سورة الأنعام، الآية: 135) فنـزل صلى الله عليه وسلم إلى بطحاء مكة وأعلن أن لا إله إلا الله، وسفه الطاغوت، وأوذي، وعزاه الله عز وجل بقوله: (ولقد كذبت رسل من قبلك فصبروا على ما كذبوا وأوذوا حتى أتاهم نصرنا). (سورة الأنعام، الآية: 34)

اعملوا على مكانتكم. اعملوا ما في وسعكم ووسائلكم. هذه كلمة من وطد نفسه على اقتحام العقبة، ووثق بالله وباع نفسه وماله لله.

قد يكون تحدي الطاغوت تهورا في ظروف لا يقدرها إلا من يعانيها. لكن ليتق الله المؤمنون أن يمنعهم من الجهر بالحق فهم يبرر القعود، أو زعم أن هذا النبات الإسلامي الشاب من يربيه وينظمه إن ذهبت أنا وذهبنا نحن. المهم أن نجنب الصف تبعات مواقفنا السلبية وأخطاءنا. المهم جدا ألا نذهب هدرا، وأن يدفع الأعداء ثمنا باهظا لحياتنا، وأن يترك استشهادنا دويا ومثلا لمن بعدنا. المهم ألا يلعب الأعداء بحياتنا وموتنا. فإن الله هو الذي أنبت، وهو الذي يرعى، ويبعث من أوليائه من يشاء لخدمة الإسلام.

لا نقول كلمة الأفغاني رحمه الله: “قل كلمتك وامش” فلم يعد الوقت مناسبا لها، ولا هي تقوم بمهمة وقد استيقظ المسلمون بصيحات من سبقونا بإيمان. نقول إن واجب الدعاة أن يربوا وينظموا ويزحفوا. ولكن لا بد من دفع الثمن والتربية بالمواقف الناصعة. فلعل مجاهدا مثل سيد قطب رحمه الله كانت شهادته في سبيل الله أكبر مساهمة في دفع قضية المسلمين إلى النصر بفضل نعمة الله عليه بذلك الموقف الاستشهادي. كان يقول رحمه الله ما معناه : “أعمالنا دمى لا تسري فيها الحياة إلا بدمائنا”.