ثلاث تنبيهات للقارئ الكريم أن تتكاثر السطور فيصعب إبراز ما نحب أن يكون عنوانا لعملنا إن شاء الله تعالى:

عملنا دعوة إلى الله، والدعوة إلى الله عامة لا تستثني: الحاكم والمحكوم، والظالم والمظلوم، والطبقات المحتكرة الآثرة كالطبقات المحرومة، والمتعلمة والجاهلة، والكهول والشبان، والنساء والرجال، من كان من هؤلاء على نصيب من الوعي بموقعه في المجتمع ومن هو عن ذاك مشدوه، من كان منهم على نصيب من اليقظة بأنه إنسان له حقوق وعليه واجبات ومسلم صائر إلى ربه بعد الموت ومن هو عن كل ذلك لاه، إننا معشر الإسلاميين متفائلون مستبشرون انطلاقا، كان من حكام المسلمين عمر بن العزيز فنرجو أن يجد لنا منهم اليوم رجل من أمثاله على شرطه، فذاك انفتاحنا وتحديدنا لرجال الدولة، نصر الله الإسلام بعمر بن الخطاب وكان في جاهليته عدوا شديدا، فنرجو أن يبعث الله من صفوف أبناء المسلمين المعرضين عن دين الله اليوم رجالا من أمثاله، وهذا انفتاحنا وتحدينا لرجال الثقافة والكفافة.

إن أمتنا المسكينة تعصف بها رياح الفتنة فتجعلنا مزعا أشتاتا، ونحن نميز بين الناس وبيننا بميزتين ونصنفهم على ضربين:

أ) من كان منهم ينتمي للإسلام ويجهر بانتمائه فنحن وإياه سواء غاطسون، في فتنة، ما بين أن يصبح منا ونصبح منه إلا أن ينضم إلى الصف الإسلامي الملتزم بالجهاد.

ب) المتنكر للإسلام الملحد الكافر فذاك الجاهلي الذي ما بيننا وبينه إلا العداوة في الله والبغضاء حتى يومن بالله، وفي انتظار أن يومن تتكرر عليه دعوتنا فذاك ما نملك، لا سلطان لنا فنستتيب الناس ويغزو الملحدون حرمنا ويستفزوننا بجرأتهم على الله ونستعدي عليهم من بيده القانون يزن به على الناس فلا نرى أن ملحدا أو أحدا أصابه ما يكره من جراء إلحاده.

إنها مواجهة لاشك وحرب لا هوادة فيها بين الحق والباطل، فالدعوة بم هي انفتاح على الناس كافة تستدعي أن تكون الاستجابة لها ودرجات الإعراض عنها حتى محاربتها معيار التمايز المومنين عن الكافرين، بيد أن ما درج عليه بعض مفكري الإسلام من وضع خط واحد حاد كالسيف يفصل بين المومنين الأطهار والجاهليين الكفار تعتبره خطأ في التقدير يعقبه خطأ في العمل، نعتبر أن على المساحة الإسلامية مراتب عديدة من المسلمين، يسمون مسلمين بلغة القرآن وهم منافقون وأعراب لما يدخل الإيمان في قلوبهم، وفي كلمة لما فسحة للرجاء والرفق، يشغل المراتب الإسلامية المتدرجة من المحسنين فالمومنين إلى دركات الأعرابية والنفاق ألوان من الناس يألون من الفكر والعواطف والصدق والأخلاق والكذب والفساد والرجولة والفسولة، أضف إلى ذلك ما لكل منهم من مصالح مادية ونفسية وما يفرضه عليه نمط عيشه وطبقته الاجتماعية من ولاء وكراهية وكيد أو إنسانية.

إننا إن صنفنا الناس تصنيفا مقتطبا مستقطبا نكون قد عاملنا المادة الإنسانية التي يتألف منها المجتمع الإسلامي معاملة من يمهد للكراهية والعنف مثلما يفعل الشيوعيون في تصنيفهم المستقطب أنه إسلام فتنة ونحن الإسلاميين داخله لا خارجه كما كان الصحابة المجاهدون داخل الأمة التي يشغل حواشيها أعراب منهم المسلم الضعيف حتى المنافق الكائد، وأنها أمامنا جاهلية تغزونا ونحتل منا ديار الفكر وديار الأخلاق وديار مقوماتنا المادية.

إن تصنيفنا الواسع المنفتح الذي لا يهمل الجوانب المتنوعة جدا لا يهدف إلى تحليل الصفوف والحكم باستحالة التعبئة وخطا التمايز، بل هو هادف رأسا لجمع الصف الإسلامي وتعبئة الجهاد الإسلامي لكن على الرفق المتطلب عملا دائما طويلا محبا متفائلا، لا نقصد أن نعاكس عمل الشيوعيين الذين يدفعون في عجلة الكراهية الاجتماعية التي تمهد لجدلية العنف التي تخرج بالمجتمع من الاستغلال الطبقي، وإنما نضع بين أعيننا الإنسان كل الإنسان والمجتمع بكل مقوماته وألوانه لنبدأ عملا قاصدا متحررا، فعلا لا رد فعل، للقضاء على الظلم كل الظلم: الظلم الأعظم، وهو الكفر، والظلم الأعقم ومنه الاستغلال الطبقي واحتقار صنف من الناس لأصناف مسترذلين.

إن الدعوة الإسلامية عانت وتعاني من حرب إبادة شنها ويشنها الجاهليون وصنائعهم من الأعراب، عانت وتعاني من سوء تفاهم بين جماعات الدعوة بعضها مع بعض وبين رجال الدعوة وسائر الناس، وأهم ما يتخذه الأعداء بإبادتنا من ذرائع يرجع إلى اتهام الذئاب للحملان بأنها رفعت رأسها من أرض القضم المستكين، مع من يستعلف، وحدثت نفسها بجهاد وعمل، وأهم ما يمنع الناس أن يفهموا عن رجال الدعوة هو ما يمنعهم أن يسمعوا الصوت الصادق الواضح، ألا وإن رجال الدعوة الإسلامية متهمون، عن كيد أو عن جهل أو عن التباس، بأنهم سفاكون عنيفون وأنهم لا يستبينون لأنفسهم موقفا صريحا أمام المشكلة الأساسية في الفكر الإنساني المعاصر وهي مشكلة الظلم الاجتماعي.

ففي هذا التنبيه الأول نخلص من وجوب عموم الدعوة وانفتاحها وفهمها للإنسان كل الإنسان إلى وجوب وضع النقط على الحروف فيما يرجع للعنف والظلم الاجتماعي:

أ. العقيدة بمعنى الانتماء الصريح للإسلام وكف الأذى عن المسلمين ثم المساهمة في بناء الإسلام مهما كانت المساهمة، ثم الإيجابية من أجل الإسلام، ثم الاستماتة في الجهاد لتكون كلمة الله هي العليا هي الركن الأول من أركان المجتمع الإسلامي، فمن كان معنا بقسط من هذا الانتماء نزولا من المهاجر المجاهد إلى الساكت الذي لا يؤذينا ويعلم الله ما في قلبه فهو مثلنا مسلم ومثلنا مفتون ما دمنا لا نحكم بما أنزل الله، ومن كان علينا تنفح منه روائح الزندقة والكفر أو تنطلق منه قطرات الأذى أو يصب علينا مكره وبلاءه أو يعلن علينا حرب الإبادة فهو لنا عدو وجهاده واجب على الأمة كلها، لكن ما دامت الأمة مفتونة وما دامت يد الدعوة التي ينبغي أن تمتد بالرحمة لا تؤيدها يد الدولة التي ينبغي أن تقيم حدود الله بل تتنكر لها فما لنا أن نسفك دما أحله الله للدولة الإسلامية وحرمه على أفراد الأمة ولو كانوا جماعة ما دام غيرها يتكلم ويحمل السيف.

نقول بلسان بسيط أن أسلوب التنظيم السري والحركية العنيفة أسلوب صبياني اضطرنا إليه فيما مضى من سابق عمل المومنين غربتنا واستئساد الناس علينا، وقد آن أن نطلق ذلك الأسلوب وننكره أشد الإنكار، نأثم إن ادخرنا على إخواننا جماعات الدعوة النصح في هذه المشكلة وفي غيرها، وعلى كل فأنا لا أنطق باسم جماعة غلطت أو لم تغلط اعترفت بغلطها أم لم تعترف، افتروا عليها أو لم يفتروا حسبي أن أقول ما أعتقد وأعتقد أن من بين المومنين في عصرنا من استعجل ودخل في السرية فتعرض لما يصحب العمل السري من غموض وعنف، وأنا لا أقر غموضا ولا عنفا ولا أسلوبا يؤدي إلى واحد منهما، جاءني شاب وأرسلني غيره في أمر التنظيم وما ينبغي أن يكون عليه من السرية واحتجوا بما في بعض الكتب الإسلامية من دعوة الرسول صلى الله عليه وسلم سرا أول أمره واستنتاج أن كل عمل إسلامي ينبغي أن يبدأ سرا، وما من علاج للعجلة والحماس اللذين يحملهما الشباب الإسلامي المبارك، ككل الشباب، إلا تعلم التؤدة والسكينة ليصبح الحماس الجياش عزما صامدا وتصبح العجلة صبرا ودؤوبا على العمل، فكل ما ترجو أن تحصده من الاندفاع الحماسي فتنة زائدة تنضاف إلى فتنتنا المزمنة وتزيدها تعقيدا وقتامة وإبهاما، وإنما ينبغي أن ننطلق من أننا أمة مسلمة، ومن أن هذا الإسلام الذي يكتب في دساتيرنا ويفسره كل من شاء تفسيرا يبرر موقفه، له معنى يتعلق تطبيقه بذمة كل مسلم، فمن ثم لنا معشر الإسلاميين حقوق سياسية مثلما لغيرنا، فلم نتستر؟ ما دامت الديمقراطية، حيث يسود هذا النوع من أنظمة الفتنة، تسمح لنا أن نتكلم ونجتمع ونتنظم فسنعمل على وضح النهار وسنطلب بأن يكون لنا مواطئ أقدام تحت الشمس وسنزاحم بالأكتاف الصادقة أكتاف رجال المصالح والمراوغات على جادة الحق حتى يستقيم لنا عليها سير، فإن منعنا من الكلام والتجمع والتنظم فإنما ستجني الأنظمة المفتونة شوكا، ولن تبلغ من الغباوة أن تظن أنها عندما تغلق المتنفسات ستحول دون انفجار هذه الإرادة العارمة، إرادة الأمة كلها للحق والعدل.

ب. وها نحن خلصنا للنقطة الثانية: للركن الثاني من أركان المجتمع الإسلامي وهو العدل، نعم إن الطبقية والطبقات بالمعنى الذي تستعمل له الاشتراكية الكلمتين لا يضم شتات مقومات الإنسان في مجتمعه، لكنهما كلمتان تبلغان المعنى الغضبى الذي يملأ قلب المنكرين للظلم الاجتماعي إلى أسماع هذه الإنسانية المحرومة التي يحطون بها إلى مستوى البهائم، للاشتراكيين والشيوعيين علينا معشر الإسلاميين تفوق واضح ومهم جدا في الدعاية لدورهم كناصرين للطبقة المحرومة، وإننا إذ نلح على سخطنا وعزمنا أن نحارب الظلم الاجتماعي لا ننسى منافسينا على هذا الدور السياسي الخطير، لكنا ننطلق من محاربتنا الكلية للظلم بشطريه: الظلم الأعظم وهو الخروج عما فرضه الله على الأمة من إيمان به وتطبيق لشريعته، والظلم الأعتم المظلم وهو استغلال الإنسان لأخيه الإنسان واحتقاره واسترذاله.

في تنبيهنا الأول هذا قلنا أن دعوتنا دعوة إلى الله فهي بطبيعتها عامة اتباعا لسنة الأنبياء والمرسلين كل منهم حسب شريعته التي استعبده الله بها ونطاق دعوتها، واتباعا لسنة محمد صلى الله عليه وسلم الذي بعثه الله رحمة للعالمين، وهي بطبيعتها دعوة لا دولة، وأمر بالمعروف ونهي عن المنكر لا تنفيذ للمعروف وردع عملي للمنكر ما دامت مقاليد الأمور بيد غير يدنا، والرحمة والمعروف يتنافيان مع الظلم، والفتنة الجاثمة على صدر الأمة السارية في مجاري حياتها المادية والمعنوية المحرومة إلا وجهه المادي المتعلق بتقسيم الأرزاق.

لكي ننتقل من مجتمع إسلامي مفتون لابد من جدلية كما يعبر صحاب الإديولوجيات، لابد من صراع وتمايز: إما على مذهب الماديين الذي يصنف لمجتمع تصنيفا ماديا وإما بمنهاج الإسلام الذي يصنف الناس أيضا لكن بنية رفق لا يتنافى مع القوة بل يفترضها، وبنية محبة لا تمحو البعض في الله بل تسبقه، لذا فنحن ندعو الناس جميعا بحسن ظن فيهم مسبق حتى يظهر أننا أخطأنا في تقديرنا، من شاء وكان بحيث يتحول رجلا مثاليا كعمر بن عبد العزيز فستجدنا أول من يجاهد تحت لوائه، ومن شاء وكان بحيث يستقيم لله كما استقام عمر بن الخطاب فسنكون له إخوة محبين لا نسأل عن ماضيه بل نترقب ما يصدر منه وندعو له وننصره، خطوة واحدة تتم فيها هجرة الناس إلى الصف الإسلامي، خطوة من أرض الظلم إلى أٍرض العدل، من أرض الأعرابية أو الجاهلية رأسا إلى أرض الطهارة والإيمان، وتوجد هذه الأرض داخل بلاد الفتنة لا خارجها، مع الشعب ومن أجل الشعب مع المستضعفين في وجه المستكبرين.

التنبيه الثاني نحدد فيه موقفنا العالمي بعد أن بينا موقعنا من الفتنة، في السطور السابقة، نفنا الناس وصنفنا أنفسنا بينهم ومعهم في معمعان الصراع بين ظالم ومظلوم، مومن وكافر، ولا يكفي حتى في افتتاحية ماضيه تلك الإشارات حتى نعلن عن مذهبنا بأوضح من الانتماء المعلن للصف الإسلامي إن هذا الصف المبارك كله تتداول فيه أفكار وأساليب ونظرت إلى الواقع وإلى الأمر الإلهي وإلى سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم متفاوتة ومتدابرة أحيانا، فهناك المذهبية واللامذهبية، هناك من ينتسب للسنة وينسب غيره للبدعة، هناك من يفهم الإسلام على نطاق العبادة الفردية لا يعدوها ولو كان في جماعة وهناك من يتهم مثل هؤلاء المتبتلين بالقعود عن الجهاد، وهناك، بعد الإسلاميين الحركيين، طوائف وأفراد تقرب أو تبعد من فهم للإسلام على أنه دين بالمعنى الذي يستعمل فيه الفكر الغربي هذه الكلمة، أي بمعنى أنه علاقة بين الله والإنسان الفردي، ثم إن في الصف المواجه أفكارا مستوردة في جملتها أو تفاصيلها ومذاهب لبرالية واشتراكية، وأخرى انتهازية وانتخابية.

هنالك هذا الواقع العالمي من حولنا المتأجج بنيران الجاهلية المتآمرة الظالمة، هنالك الامبريالية بمعنى الظلم الأصغر الأعتم وهنالك الإلحاد بمعنى الظلم الأعظم، هنالك الدول المحرومة الضعيفة تأكلها الدول المستبدة باقتصاديات العالم وخيراته ونحن دويلات الإسلام المتفرقة من ضمنها، هناك مشاكل الاقتصاد الملحة الحادة، ومسالك السياسة الدولية الوعرة تضاف إلى مهالك الفتنة الداخلية التي نبحر بين متاهاتها.

هنالك من وراء الأفكار التي تعمر رءوس الإسلاميين وغيرهم، ومن وراء العالم وصخبه ومشاكله آدميون نسوا آدميتهم أو ذكروها، آمنوا بالله أو كفروا، تردوا في بهيميتهم أو ردوا فيها، هنالك من وراء الأفكار والواقع الصلب إنسانية أمر الله المومنين أن يبثوا فيها كلمة الحق والخير والعدل، وإنما يوشك أن يبلغ الدعوة من يخاطب الناس بما يفهمون، ومتى أخطأنا في تقدير ما تعانيه الإنسانية من آلام وما يملأ حياتها من هم وما يستبد بها من أفكار نوشك أن نخاطبها من الفضاء البعيد حيث تتوالد النوايا الحالمة بعيدا عن الناس وواقعهم ومشاكلهم وعلاقاتهم بماضيهم وحاضرهم ونظرتهم إلى مستقبل تتراكم في آفاقه أمارات تفوق جاهلي يضيفه الكفار إلى تفوقهم وعنف تطحن رحاه بين من تطحن شعوبنا الإسلامية المسكينة.

إن من يدعو الناس لسلوك وتغيير اجتماعي لابد أن تكون له نظرية عن الإنسان ودوافعه، وعن الواقع وضغوطه، وعن الحركة الإنسانية وقانون التدافع بين الأمم والأفراد عبر الزمان والمكان، يصفوننا معشر الإسلاميين بأننا جمود لا نتحرك لأن فكرنا فوضى قاصر ولأن إرادتنا التي يعرفون مضاءها ويعترفون به يعوزها نور الفكر لتتماسك وتسير إلى غاية. ويتهموننا بالانغلاق عن الفكر الإنساني والرفض المغمض للنظر في فلسفات الإنسان وعلومه المتناولة للسياسة والاقتصاد والاجتماع، ومتى خاطبناهم بمعنى الإنسان وغاية وجوده على الأرض سخروا مما يسمونه غيبية وخرافية. وكأننا نتكلم لغتين مختلفتين إحداهما لا تعض على الواقع المادي والأخرى لا تفقه لما وراء المادة معنى، ولعلنا قد قصر بعضنا فيما مضى عن التفكير لغد الإسلام وعن اقتباس الحكمة في صغير الأمر وجزئياته الاقتصادية والسياسية والاجتماعية مفضلين أن يصرفوا الجهد كله لبناء رجال قادرين غدا على اختراع مذهب اقتصادي وتنظيم سياسي واجتماعي في يوم الحاجة. هذا نظر. ورأينا أن نوضح نظرتنا للناس والعالم والماضي والحاضر والمستقبل حتى يتأتى لنا أن نعمل على ضوء ما نعلم. وحتى يتأتى لنا أن نتعلم ونحن نعمل على أساس منهاج سابق يربط الأهداف والمقاصد والغاية بمبادئ الشريعة الطاهرة عبر متغيرات الزمان والمكان.

ولمكان هذه المتغيرات. ونظرا إلى أن التحجر المذهبي الناتج عن التحجر الفكري إنما يأتي على الناس لغفلتهم من الحركة الدائبة التي تحول الظروف وذهنيات الناس وقابلياتهم للعمل فإن اجتهاد من سبقونا بإيمان. من عاصرناهم ومن كانوا من قبل قد هيأ لنا مرقاة لنفكر مستقلين غير مقلدين. وإن منهاجنا في الفكر والعمل يستند مباشرة لكتاب الله وسنة رسوله لا نتخذ بيننا وبينها وسيطا، فرغ السلف الصالح من إثبات ما صح من أمر العبادات فلسنا نرجع إلى الخلافات المذهبية واللامذهبية ونأخذ الأمر على أنه يسر لا عسر، وحدود الله في الحلال والحرام والعقوبات حدود ثابتة لكل زمان ومكان، وضوابط المعاملات بين الناس وحقوقهم العامة سنها الله ورسوله للمجتمع الإسلامي فعلينا غدا أن نتكيف حتى نحكم الله ورسوله في القانون الذي به نتعامل، كل هذا نفرغ منه لتستأنف النظر بالمنهاج النبوي المستند على الكتاب والسنة، نستفيد بعدئذ من اجتهاد المسلمين ومن تجارب الإنسانية كلها، في كليات الدعوة والدولة، في تنظيمهما وغايتهما، في الاقتصاد الإسلامي وكيف ينبغي اختراعه، في التربية الإيمانية الإحسانية وما الطريق إلى الله، في المجتمع الإسلامي ووسائل بنائه وتركيبه، في سياسته توحد المسلمين داخل هذه الحدود الموروثة، حدود الجغرافيا والأنانيات والعادات والذهنيات، استعدادا للوحدة الإسلامية الشاملة عبر كل هذه الحدود، في نوع الحضارة التي يجب أن ننشئها لتكون وسطا في خدمة الإنسان السائر إلى غايته بعد الموت لتكون بديلا للحضارة الجاهلية لحضارة الأشياء السائرة إلى انهيار.

الأفق واسع والمشروع الإسلامي الذي تعمر نيته وإرادته الرغبة في المساهمة فيه قلوب مئات الملايين من المسلمين الرازحين في أغلال الجهل والمرض والفقر، في بلايا مباشرة وغير مباشرة وجهها المادي يسمى بلغة العصر تخلفا اقتصاديا وفوضى اجتماعية وتبعية سياسية، ووجهها المعنوي يسمى بلغة الكتاب والسنة فتنة تغذوها روافد الجاهلية من مجاري الثقافة الكافرة الغازية، والتسلط الأمبريالي والنهب الطبقي.

الأفق واسع والمشروع الإسلامي الذي تتوق إليه وتحمل صوره لماعة أفئدة المومنين وسائر المسلمين يحتاج إلى كل جهود الإسلاميين ليخاطب عقول أمتنا بوضوح الرؤية مواكبا هذا الخط الفصيح العملي المتمثل في الإقبال على الله في صفوف الشباب المسلم الذي عاف حضارة الجاهليين ولفظها فهو نائب إلى ربه.

المشروع الإسلامي يجب أن يعرض على العالمين وعلى المسلمين بمنهاج يحلل الواقع المعاصر في سمت مستقبل الإنسانية الذي يظهر اليوم للمتوسمين قاتما ليكون بديلا عن الهوة التي تهدد النظام الرأسمالي وبديل عن المجتمعات الالشتراكية الشيوعية حيث يهان الإنسان في أعز ما لديه في كرامته الإنسانية، مقابل نمو اقتصادي سريع يهيء العلف للجماهير المسوقة بالسيف والسوط.

الاشتراكية هي حلم المثقفين من بلاد العالم المتخلف اقتصاديا، لكن هذه الاشتراكية متى أصبحت على باب التنفيذ تحولت شعارا فارغا من ورائه نفس البوائق ونفس الاستغلال الطبقي ونفس الترنح في السياسة ونفس التبعية، تتغير أشكال كل ذلك لا محتوياته، ولا يستقيم لهذه الدويلات الإسلامية أمر قبل الثورة الاشتراكية ولا بعدها لأن فكر القادة وإرادتهم، وأعني بالقيادة هنا المتصدرين للتحدث باسم الشعب العاملين من أجل الشعب الواضعينه تحت الوصاية، لا تتلاءم مع فكر الشعب وإرادته الشعب الإسلامي يفكر بذهنيات تمت للإسلام بصلات وثيقة، وأولئك يفكرون بذهنيات تمت للجاهلية لصلات أوثق، الشعب الإسلامي يريد إسلاما عمريا وأخوة إسلامية وتضامنا إسلاميا يحن إلى ذلك، أما أولئك فيريدون نموا اقتصاديا من أجل الشعب لكن ينوون ضمنيا أن يضحوا بقيم الإسلام بل بجوهره، لذلك لا ينجح لهم مشروع في بناء الاقتصاد لفقدان الانضمام الشعبي والمشاركة، ولا يتم لهم استقرار سياسي لانفصام ما بينهم وبين القاعدة الشعبية.

في هذه الفترة التي دب الانهيار إلى الإديولوجية الشيوعية لا يزال من شبابنا من تلك الذرية الخاسرة الكئيبة المتخلفة فكريا من يومن بدين ماركس وأتباعه، في هذه الفترة التي برهن فيها كل من نادى باشتراكية من حكام المسلمين أن اشتراكيته تعبير إيديولوجي عن نظام رأسمالية دولة لا تختلف عن الرأسمالية الأخرى السافرة إلا بإضافة الفساد البيروقراطي إلى الفساد الجوهري في هذه الفترة لا يزال المذهب الاشتراكي قبله الفكر والقلب لكثير من مثقفينا يعتقدون أن الاشتراكية هي مستقبلنا المحتوم، وأن لهم في ذلك لعقيدة وأن لهم لإرادة وتنظيما، وأن لهما لعزما، نعم لو كان بوسعهم أن يكفروا الشعب بالعنف الثوري ويفرضوا بالنار والحديد مسيرة مثل مسيرة كوبا على الأقل أو مجازر ستالين ومقلديه الصغار لأمكنهم أن يهيئوا مجتمعا على صورة مجتمعات “الكولاك” مجتمعات فيها علف وفيها أشياء لكن لا وجود فيها للإنسان ولا لكرامة الإنسان، أما والشعب مسلم فلن يكون في وسع الحالمين باشتراكية إلا أن يفعلوا مثلما فعل القائمون على اشتراكيات هزيلة متخلفة في ديارنا تسمي نفسها تارة إسلاما اشتراكيا وأخرى اشتراكية إسلامية، تلون في التعبير يغطي ثبوتا في الحقائق، حقائق الفشل والتبعية وعدم الاستقرار.

إن هذه الاشتراكية  الحلم وصف ممنهج لعالم إنساني بديع جميل بمعايير الجاهلية المادية، ما دام فكرا فهو في عين المفتونين كذلك، تزينه وتكمله التحليلات “العلمية” الثابتة من قبل في عقول الماركسيين، حتى إذا آن أن يتجسم الحلم واقعا استعصى الواقع المشتبك على وصفات الأحلام العلمية العتيدة: فإما اشتراكية ديمقراطية مناخها الطبيعي أرض أوربا المرتكزة أنظمتها على دعائم الحضارة الهاوية غدا ومنذ اليوم، وعلى تقاليد شعوب استقرت سياستها على تعاقد هو الديمقراطية بما لها وما عليها، أما في بلادنا القديمة البالية فإن الحلم الجميل في عين غيرن يصطدم بصلابة الواقع الداخلي والخارجي ويضطرب الأمر بالحاكمين البعيدين عن آمال الشعب الحقيقية فيضطرون إلى المسلك التقليدي مسلك التصاف إلى جانب العالم الاشتراكي فما يتبع ذلك من استسلام لإرادة الحلفاء الخارجين واستسلام للحلول السهلة حلول التأميم في صورة إغناء طبقة الموظفين الذين لن يلبثوا أن يخلفوا البرجوازية السابقة ويتبخر الحلم على بساط الواقع السطحي، أما الشعب ومن ينهشه من أقوام وما يأكل جوهره من ذهنيات وعادات وأنانيات فيزداد جهلا وفقرا ومرضا.

الحل الإسلامي الذي يجب أن يواكب سير الحركة الإسلامية المباركة يجد أمامه هذا الحلم الاشتراكي المسيطر على أذهان النخبة الواعية من أمتنا كما يجد أمامه واقعا عصيا مشتبكا عويصا، ولا بد من تبشير بهذا الحل الإسلامي على شكل نظرية متكاملة واضحة منظمة منهاجية تدحض ما افتراه المترفون على الإسلام وتبطل ما يفترضه أعداء الإسلام والجاهلون به من ذرارينا وغيرهم من علاقة بين انحطاط المسلمين وبين الإسلام، يزعمون أن الإسلام هو سبب انحطاط المسلمين المباشر لأن الإسلام عندهم غيبية تعطل العقل، وتقليد يحول دون الابتكار، ونظام اقتصادي قام على الاستعباد ويقوم على الطبقية والتحالف مع الرأسمالية الغربية.

ينتقد الاشتراكيون الرأسمالية والأنظمة المفتونة التي يسمونها رجعية ويربطون في نقدهم وصفا دقيقا للواقع نتفق معهم فيه بين الحليفين لكنهم يربطون كل ذلك بالإسلام، نعم الإسلام  الواجهة، الإسلام الإديولوجي التبريري فرية يستعملها الرجعيون باصطلاحهم كما يستعملها الثوريون التقدميون، نعم الإسلام بما هو دعوة إلى الله ونظام عام للحياة الكريمة ومثالية ترقى بالإنسان إلى آدميته وخلافته عن الله في الأرض هو غير واقع المسلمين منذ بدأ الفساد في المجتمع الإسلامي من قمته، أي من فساد المترفين الحاكمين بأمرهم لا بشرع الله، لكن أعداء الإسلام والجاهلين به لا يودون أن يحكموا على الإسلام كمشروع يجب أن يحقق بالجهد البشري والجهاد المتكرر المتجدد، بل هم يحكمون أن الإسلام هو مجموع كل هذه الانحرافات عن الحق وكل هذا الظلم وهذا التعفن السائدة في العالم الإسلامي لا غير، يستشهدون لذلك بأن علماء المسلمين هم حاملوا المظلة الإديولوجية التي يتفيأها المنحرفون والظالمون والمتعفنون، يريد أعداء الإسلام والجاهلون به أن يتجاهلوا أن التفسير التبريري للقرآن والسنة من عمل من نسميهم بلغة النبي صلى الله عليه وسلم “ديدان القراء” وأن هؤلاء الديدان قلة قليلة بين الأغلبية الصامتة المحوقلة من علماء المسلمين وأن هؤلاء الديدان لا يمثلون الإسلام ولا يفهمونه إلا مثلما يفهمه ويمثله أحد المثقفين المشغوفين بأهوائهم وضلالاتهم.

كفانا الاشتراكيون عنتا في نقدهم للرأسمالية والرجعية التي ندخلها نحن في مفهومنا الإسلامي الرفيق الدقيق مفهوم “الفتنة” نتفق وإياهم على أن الرجعية فساد وتعفن وظلم اجتماعي وتحالف مع ما يسمونه امبريالية وندخله نحن في مفهومنا الإسلامي الواسع الدقيق مفهوم “الجاهلية”، لكنا ننبه من كان جاهلا ونتحدى من كان متحاملا أن الإسلام الحق كما عاشه المسلمون في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم وعهد الخلافات الراشدة جماعة قوامها الدعوة الإيمانية الربانية والدولة على أساس الشورى وشريعة الله برئ من المسخ الذي آل إليه الإسلام في يد المفسرين المبررين، ونتحدى أن الإسلام علاقة بين الله والإنسان المؤمن الفرد وعلاقة بين أفراد المجتمع الإسلامي معا، لله على الناس أن يفردوه بالعبادة، وللمسلم على كل المسلمين أن تصان كرامته ويعامل بالعدل والإحسان، على طول التاريخ الإسلامي وتطوراته وانقساماته وتدهوره السياسي والخلقي والحضاري العام مارس كل مسلم إسلامه على نطاق يميل إلى الفردية والاستسلام للواقع المفتون حتى أصبح الإسلام دينا بالمفهوم الذي ينقله من يعادي الإسلام أو يجهله ليحطه على الإسلام المتدهور ثم يعممه على الإسلام الذي هو دعوة ودولة ومصحف وسيف كما يقول الشيخ حسن البنا رحمه الله ورضى عنه.

والذي لا يدخل في حساب الاشتراكيين، أصحاب الفكر والحلم الجميل، عندما ينتقدون الرجعية وحليفتها الرأسمالية هو أن الإسلام ليس بديلا اقتصاديا للنظام الذي نتفق على إدانته بل هو في نفس الوقت رفع الإنسان من قيمه المادية إلى أفقه الخلقي والروحي السامي. إن الاشتراكية كمذهب اجتماعي  اقتصادي لا يمتاز عن أي نظام إنساني حتى ولو تحقق في أكمل إمكانياته، اختلافا جوهريا ما دام التفاضل بين الأنظمة الإنسانية لا يعدو القيم الإنسية والرخاء المادي، الذي ننتقد فيه الرأسمالية والرجعية وكل نظام أنسي هو أنها لا تقول كلمة للإنسان عن ماهيته الروحية ومستقره بعد الموت في الجنة أو النار في رضى الله الأبدي أو في عذاب جهنم الخالد، لنا معكم ومع الناس كافة قاسم مشترك هو إنسانيتنا وقابلياتنا للقيم الإنسية التي نسميها في الإسلام مروآت لا ننكر عليكم الذكاء وإن كنتم تدعون الذكاء مزية احتكرتموها دون الناس، لا ننكر محبتكم المعلنة للإنصاف والعدل مروءة عظيمة وإن كنتم تستغلون العدل لتختلسوا ثقة الشعب الذي يسمعكم تربطون العدل بالاشتراكية لا يعرف ما وراء الشعارات التي تغطي الكفر تحت اسم المروءة والإسلام، لا ننكر عليكم شيئا من ذلك وإن كنتم تتهمون رجال الدعوة الإسلامية بالغباوة والميل إلى الطبقة الآثرة والأمية الفكرية. لكن لنا حاسة حية هي عند بعضكم ضامرة وهي عند بعضكم لا وجود لها، إلا وهي حاسة قلبنا المومن بالله واليوم الآخر المومن بوجوب الحكم بما أنزل الله ومنه العدل بين الناس، فنحن إذ تصنفوننا مع العراقيل التي في طريقكم تودون أن تزول ليصفو لكم الجو، نصنفكم في مقدمة إمكانيات هذه الأمة وطاقاتها المبعثرة، نقدر ذكاءكم وخدمتكم لكننا نود لو تسمعون دعوة الله إليكم التي جاء بها إليكم رسل الله.

إننا يا معشر الاشتراكيين نود أن نقرأ معكم كتاب العالم ونتعاون معكم على فهم مشكلات أمتنا، ونود ألا تذهب الطاقات التي تمثلونها وعيا وتقنية هدرا فتفوت على الأمة فرصة استعمال أبنائها القادرين، شرط واحد لذلك هو أن تقرأوا معنا كتاب الله بقلوب أيقظوها إن كان الإيمان خمد فيها أو ضمر، ثم اطردوا من بينكم الملحدين المارقين، نعلم أن منكم من يغشى المساجد وأن منكم من يضمر إيمانه، ما انضم إلى لواء الاشتراكية إلا عندما افتقد العدل والمروآت في صف الأغلبية الصامتة التي كان ينسب إليها الرضى بالإسلام  الواجهة.

ها نحن أولاء ندعو كل الرجال والنساء من وراء التنظيمات الحزبية، لا تحجب عنا اختلافاتكم وماضيكم وحاضركم الإمكانات المستقبلية لوحدتكم، وما يوحدكم، ويحكم ! لا الإسلام، ها أنتم هؤلاء تخطبون ود الشعب فيتأبى عليكم الشعب لا يتبعكم، ما ذاك إلا أنكم عاديتم دين الشعب وجهلتموه، وما بينكم وبين أن تصبحوا رجالا حقا إلا أن تتوبوا من كل قلبكم وترقوا من مستوى كرامتكم الإنسانية إلى مستوى كرامتكم الإيمانية المفتوح في وجهكم بابها.

إن المنهاج الإسلامي النبوي الذي يتعين علينا معشر الإسلاميين شرحه واضحا لغد الإسلام لا يقوم به إلا جماعة من المؤمنين لها كفاآت مختلفة ونفس طويل: نظام الدعوة ونظام الدولة، أسس اقتصاد إسلامي يستمد من فاعلية الرأسمالية ومضاء التخطيط الاشتراكي ويتحرر من كل منهما، المجتمع الإسلامي كيف يركب وكيف تتاح له مرافق التعايش العادل، والتراحم والتكافل، والتفاهم السياسي ليتم اندماج طبقات الأمة على مستوى العدل والإحسان مع أقل ما يمكن من تفاوت من الأرزاق والفرص، كل هذا يلزمه كفاآت أرضه الطبيعية هي الكفاآت الفكرية والإنسانية الموجودة التي ينبت في بعضها عوسج الكفر وفي بعضها شرك الإباحة وترتع في بعضها الآخر عناكب الجمود الفكري والتقليد والاستكانة.

طبقة المثقفين التقليديين الذي نسمي بلغة القرآن من كان منهم يخشى “علماء” يظهر أنها استقالت وآثرت الرفاهية البورجوازية الصغيرة على القيام برسالة الدعوة إلى الله وهي أمانة في عنقها، إنها إن استقالت فإنما تستقيل بلسان ديدان القراء وهم لا يمثلونها، وجمهرة العلماء، وندخل في صفهم كل من له حظ من إيمان وحظ من الثقافة الإسلامية، تتربص وتتحفز، إن العلماء لا يقرأون لغة الجدلية الاجتماعية ولغة الاقتصاد، لكنهم يعون الواقع وعيا مجملا جيدا، فلهم أيضا وبهم أيضا، ومعهم قبل كل شيء، نحب أن نشرح الإسلام لأنفسنا وللناس ونخرج المشروع الإسلامي الكامن في قلوبنا إلى حيز الإرادة السياسية المجاهدة.

المنهاج النبوي دعوة ودولة  معنى الدعوة صياح بالغافلين والمعرضين وعرض دقيق للرحمة الإيمانية على الناس أجمعين- ومعنى الدولة تنظيم للحكم وعلاقات الشعب ضحية الغفلة والعنف والظلم بقيادة لن تستقر أبدا ما دامت لا تشارك الشعب في أبعاده العميقة، حياة الروح والقلب، مثلما تتظاهر بأنها تشاركه في آلامه وآماله.

إنكم يا أيها الاشتراكيون، يا خصومنا الأعزاء، ويا أعدائنا إن تماديتم في الحرب الضروس التي يشنها بعضكم على عقول بنينا في المدرس وأخلاقهم، تشعرون إزاء العدل شعورا قويا  وإننا معشر الإسلاميين السابحين في دائرة الثقافة التقليدية القريبة من الشعب، الأقرب منكم إلى الشعب على كل حال، نشعر بالإيمان شعورا قويا، علينا أن نعلن ولاءنا لشرعية الله الآمر بالعدل وعليكم أن تعلنوا ولاءكم لله وحده تخلصون له الدين، يمكن أن نلتقي فقط في المسجد مع الشعب على الحصير والصدق.

وهنا أخلص إلى دور هذه المجلة التي نريدها أداة عمل، أداة تعارف بين الإسلاميين أولا، وأداة توعية عامة تتبعها يقظة: توعية للعقل ويقظة للقلب. قراءة لكتاب العالم وقراءة لكتاب الله وقراءة متزامنة ينير فيها الإيمان القلبي الجهد الفكري، نريد لهذه المجلة أن تكون الصوت المسموع للإسلاميين، فإننا لا ننسبها إلى أنفسنا إلا عنوانا للخدمة الواجبة علينا نحو قضية ليست قضية فرد أو أفراد أو جماعة معينين محصورين تحت العناوين التي تفرقنا، بل هي قضية كل من ينبض قلبه بالإيمان، لكن دور المجلة مهما كان أساسيا ومهما كان صوتها مسموعا لا يبلغ الشعب الأمي المسكين، لذا نطالب بحقنا في غشيان المساجد التي ضربنا فيها موعدا لكل من يرجو لله وقادرا ولنفسه دور في مستقبل الإسلام الزاهر بإذن الله، إنهم طردونا من المساجد، وكأن الذي فعل لا يجب أن ينفذ أمر الله الذي أذن أن يذكر اسمه في بيوته: “ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه وسعى في خرابها، أولئك ما كان لهم أن يدخلوها إلا خائفين، لهم في الدنيا خزي، ولهم في الآخرة عذاب عظيم” صدق الله العظيم.

نطالب الحكومة بحقنا في الكلام والتجمع الذي خوله لنا الدستور والمساجد أماكن عامة كما هو الشارع والمقهى، للحكومة أن تطردنا من المسجد إن خرقنا فيه النظام أو خالفنا القانون كما لها الحق في التدخل في الأمكنة العامة، لكن لم نطرد من مجالس نعلم فيها الناس الإسلام والرفق والمحبة بينما يترك غيرنا حرا ممن يبث الكفر والعنف والكراهية؟

لا تتسع افتتاحية في عدد افتتاحي لعرض المنهاج وطرح الأسئلة كما ينبغي أن تطرح، فلنا لذلك منهاج يستعمل مفاهيم محددة وتصورات مضبوطة تشع منها النظرة الإيمانية المغذاة بالكتاب والسنة على سطح الواقع المادي وعمق الإنسان على السواء ليس هذا محل بسطها، يكفي أن نطل بالقارئ على الجو العام لانفتاحنا رحمة وشدتنا حكمة في حق الله على العباد وحق العباد بعضهم على بضع، يغالبنا الفكر الاشتراكي على المقادة، بل نحن جئنا نغالبه على ضعفنا واستبداد حرب الإبادة بنا، يزعم الاشتراكيون أن الإسلام تخلف وإبهام وعنف وأن مذهبهم تقدمية وعلم وديمقراطية، فلرد تلك المزاعم وتغليطهم في دعواهم أنهم نصراء الشعب وزعماء العدل لابد لنا من الانصراف عن الكتابة العاطفية التي لا يفهمونها فيسمونها تعصبا، ولا بد لنا من الإعراض عن الهراء اللامسؤول الذي يفهم الاشتراكيون حقيقيته فيهزؤون به وبديدان القراء الكاتبين له.

لابد من عرض واضح منسق متكامل للإسلام على أهل الإسلام الذين لعبت بهم رياح الفتنة والردة، وهذه المجلة منبر حر لكل من يريد جهدا على شرط واحد هو أن يأتينا بكله لا بقلمه أو ماله فقط، نريد أن يصبح الفكر خطوة نحو العمل، ونكره كل الكراهية الثقافة من أجل الثقافة وتدبيج المقالات الباردة المحلقة في أوهام الخيال.

هنا يأتي مكان التنبيه الثالث وهو انفلات النظر إلى انعدام الثقة في مجتمعاتنا الإسلامية وفي مغربنا خاصة، لكي نعمل معا لا بد أن يثق بعضنا ببعض، سلطنا الضوء على أنفسنا في التنبيه الأول لنؤكد أن الإسلام كما نفهمه دعوة مفتوحة ودعوة محبة ورفق، وفي التنبيه الثاني أكدنا أن نظرتنا للعالم والمسلمين وما يجب أن يفعله المسلمون ليجددوا دينهم تستند مباشرة إلى الكتاب والسنة لا نجعل وسيطا دونهما، وفي التنبيهين أكدنا أن الإسلام والمجتمع الإسلامي لا قيام لهما إلا بركيزتي العقيدة والعدل، وعندما نلح على الجانب الروحي والجانب المادي لحياة الأمة يتساءل الذهن: ممن هؤلاء؟ أهي دعوة إلى صوفية متنكرة بلباس اشتراكي؟ أهي اشتراكية كادت تكون سافرة في عرضها يد المحبة للاشتراكيين؟ أم هي دسيسة في الصف الإسلامي لتفرقه؟ أم هي صنيعة يدمن أعالي الجاهلية أو أسفالها؟

أسئلة وردت فعلا قبل أن تصدر المجلة وترد وأمثالها من بعد، هذا طبيعي، سيما في جو موبوء بالاحتراف السياسي والتحزب الإديولوجي والقبلي، سيما في جور الفساد والرشوة والتعفن الخلقي الاجتماعي ورخص الضمائر، إن الثقة ماتت، قتلها الأفاكون، فيوشك أن تذهب رياح الريبة بكلام الصادقين فتشبه كلماتهم بالوعود الكاذبة والتزوير الفكري.

فهذا التنبيه الثالث تؤكد فيه نيتنا في العمل لا في مجرد الكلام، ونؤكد فيه مرة أخرى ومرات أننا نلبس مرقعات الحزب السياسي الذي نود أن نؤسسه لأن الأحزاب هو قانون الديمقراطية ولأن الديمقراطية من مقتضياتها الحرية، فنحن نحب الحرية لأنها تمكننا من التكلم والتحرك والتنظيم، كما نفضل أن نتكلم باسم الله وعلى شريعة الله، لكن الشريعة اليوم عندنا ديمقراطية ولن يفهمك أحد إن لم تحدد مكانك في الساحة الديمقراطية على هذا المستوى المعاشي وحده، مستوى المطالبة برعاية المصالح المكتسبة أو المرجوة تحت شعار الحرية الليبرالية التي بمقتضاها يأكل الناس بعضهم بعضا وتستغل طبقة طبقة، أو تحت شعار الاشتراكية التي بمقتضاها ترتفع طبقة لسدة الحكم باسم الشعب وعلى حسابه.

نعم نحن مع المحرومين بقلبنا وقالبنا، نريد العدل كما يريده كل من له مروءة لكنا لا يمكن أن نصنف مع اليسار لأن التصنيف على مستوى المصالح لا يخبر عن انتمائنا لله وحده لا شريك له، ولا يخبر عن الحق الأعظم الذي ندافع عنه للإنسان وهو حقه الوجودي في أن يعرف خالقه ويستعد للقائه بعد الموت، عدل ننشده ونصمم عليه كأساس لا قيام لنا بدونه، عدل يقول بعض الإسلاميين أن الزكاة وحدها تكفي لإقامته، ونقول نحن أن العدل هدف وأن الأموال التي بأيدي المسلمين وسيلة لتحقيقه، فنقول بقول عمر بن الخطاب حين عزم أن يأخذ من أموال الأغنياء فيرد على الفقراء، أخذا من بعد الزكاة وبلا حد حتى تتكفل الأرزاق، لكن موقفنا هذا لا يمكن أن يوصف باليسارية لأن اليسار واليمين في لغة السياسة مقولتان جاهليتان لا تنبئان عن ماهية الإنسان الروحية، نعم إن الشعور القوي نحو العدل مروءة مشتركة بيننا وبين اليساريين، لكننا بعد ذلك نعطي الكفاية المعاشية وظيفة إيمانية لا يفهمون لها معنى، ذلك أن الفقر يكاد يكون كفرا كما قال الإمام علي كرم الله وجهه إذ أن الشغل بالتظالم الاجتماعي فعلا للظلم أو تحملا لرزئه، أقوى العوائق عن الإيمان.

نحن نحب الحرية ونقول بالملكية الخاصة في حدود المصلحة العامة، ما لم تكن الملكية الخاصة قاعدة عن أداء وظيفتها الاجتماعية أو منافية لها في ظرف من الظروف، لكن لا يمكن أن نوصف بأننا يمينيون، ذلك لأن أعظم حريات الإنسان يجهلها التصنيف الجاهلي والفكر الجاهلي: الليبرالية تعطي الإنسان الحرية في أن يموت جوعا والاشتراكية تعطيه حرية الاختيار بين أن يكون قفا للدولة أو يموت لسيف الاستبداد الطبقي الثوري، والإسلام كما نفهمه ونريده يعطي لكل الناس حرية اختيار مصيرهم بعد الموت دون قسر ولا إكراه، لكن يفرض عليهم واجبات اجتماعية الوفاء بها هو الشرط في الحصول على العيش الكريم.

بعض مفكري المسلمين شعروا بتورط الدعوة الإسلامية المعاصرة في موقف الإبهام تجاه قضية العدل الاجتماعي، فقال سامحه الله بضرورة وجود حركة إسلامية يسارية، وهذا الخلط في المفاهيم وحده كاف ليعطينا فكرة عن حاجتنا الماسة إلى توضيح الدعوة الإسلامية بمنهاج فكري منضبط دقيق، وما هذا “الإسلام اليساري” إلا توأم للاشتراكية الإسلامية”. المروآت شيء يتشارك الناس فيه جميعا، لكن الإيمان بالله واليوم الآخر الذي لا يتم إلا بالعدل في الأرض مرتبة فوق المروآت، خارج عنها ملتحم بها، وكل مروءة بلا إيمان فهي إنسية مبتورة، إنسية تعدو الأفق الأرضي المادي، أفق التعاطف مع الأمثال مع الجنس المحرورين.

ما نحن يمين ولا يسار مع التأكيد على تمسكنا بالحرية منا نفهم الحرية، وأتم صورها عندما ننتهي في نسبة أنفسنا للعالم فننتسب إلى خالق العالم، تلك الحرية، ومعها وبها لا نكون ذئابا على الإنسان ولا نرضى بالنظام الرأسمالي الذئبي الذي يفرز الظلم الاجتماعي، ما نحن يمين ولا يسار مع التأكيد على تمسكنا بالعدل تضامنا رحيما بين الناس لا يرضى بالنظام الاشتراكي الذي إحدى مقدماته الإلحاد أو اللايكية على الأقل، ومآله استعباد وبربرية.

تتألف كلمتا الديمقراطية والاشتراكية ببريق الحرية والعدل، وما أمة من الأمم بأشد حاجة إلى حرية وعدل من أمتنا الإسلامية المشتتة المستعبدة المهضومة الحق، فنريد الإسلام كفيلا للحرية والعدل بمعناها الموصول بالله غير المقطوع عن الشعب المسلم المسوق بأيد محترفة تعرض علينا في أسواق السياسة بضاعتي الفكر الجاهلي والممارسة الجاهلية ذات اليمين وذات اليسار.

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “لا يكون المومن مومنا حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه” وقال: “والذي نفسي بيده ! لا تدخلوا الجنة حتى تومنوا، ولا تومنوا حتى تحابوا، ألا أدلكم على شيء إن فعلتموه تحاببتم؟ أفشو السلام بينكم !” حديثان صحيحان، إن نفوس المسلمين الرازحين تحت ذل الهزائم في وجه دويلة اليهود وتحت وطأة التسلط الجاهلي، بشقي الجاهلية الغربي الرأسمالي والآخر الشيوعي، المحمومين مع ذلك بنار التظالم الاجتماعي، تنخر فيها أوبئة الفساد، تلغي فيها عواصف الكراهية والبغضاء، فهم بعيدون عن التحاب والإسلام، تنفذ إلى أسماعهم بسهولة دعوات الكراهية التي تؤذن بها الإديولوجية الماركسية المفلسة، أو تكاد، في مربضها الأول حيث أخذ الناس يحكمون عليها من نتائجها الجهنمية، وهي لا تزال في عنفوانها داخل عقيلات هذا السوس الثقافي المنتشر في مدارسنا وكلياتنا يكفر بنينا ويؤلف منهم طوابير لخدمة الجاهلية، مضى الاستعمار وخلف له صنائع متخصصين، بعضهم لرعاية مصالحه المادية وإفساد الأخلاق: وهؤلاء هم اليساريون الملحدون المتحركون بكل قواهم في سكة الكراهية المضرمين لنيرانها، ونحن نريد إيمانا وعدلا معا، ولا إيمان بلا عدل، هذا منطق يتنافى تماما مع منطق الجدلية الاجتماعية المستند إلى فكرة تعبئة المظلومين ضد الظالمين، والتحدي بالذي يواجهنا، معشر الإسلاميين، هو أن نعبئ الأمة تعبئة القوة لا تعبئة العنف، وأن نطرد البغي ونحل محله العدل دون أن نؤسسه على دعائم البغضاء، وهو منطق يتنافى أيضا مع الأخلاقية الحالمة، فإن قانون الله في التاريخ هو تدافع الناس بعضهم مع بعض والاصطدام بالعدو والجهاد.

فنود أن نؤكد أن قلوبنا لا يملأها بحمد الله إلا الصفاء والمحبة لأهل الإيمان إخواننا، مهما كانت الفوارق بيننا في الفكر والأسلوب، لا يملأها إلا البغض في الله الخالص لأهل الشقاق والإلحاد، والبغض في الله هو غير الكراهية الجاهلية، فإننا نحب لكل من نبغضهم في الله أن يهديهم الله فيتوبوا.

وإذ لا بد من تدافع وصدام مع العدو فلا بد أولا تسوية صفوف الإسلاميين، صفوف مجاهدة للتدافع المصمم غير العنيف مع خصومنا المسلمين داخل مجتمعنا المفتون، صفوف للاصطدام والجهاد لدفع تيار الكفر الجالب علينا بخيله ورجله.

بعد سؤال الناس إيانا هل نحن من يمين أو يسار يتساءلون: هل أسلوبكم أسلوب إصلاحي أو ثوري؟

فنجيب بأن الإسلام هو الاسم الذي يصلح وحده لوصف ما نحب من تغير، ووسائل هذا التجديد لن تكون إلا إسلامية، فمتى اتخذنا وسائل غير إسلامية، انزلقنا عن غايتنا انزلاقا حتميا، فلا الإًصلاحية الجزئية تحقق غايتنا ولا العنف الثوري، إن دويلاتنا تتخبط في دوامات التخلف الاقتصادي والفساد والرشوة وعدم الجدوى وعدم الاستقرار، ومتى قوي صفنا أمكن أن ندعوها لشاطئ المحبة الإيمانية والعدل بدون كراهية حين تفشل كل محاولاتها “الاشتراكية”، إن خصومنا في أشد الحاجة إلى حلول لمشاكلهم الضخمة، فنحن نستعد ليوم الحاجة حين تدلهم لهم كل الآفاق ويبقى فقط حل الصدق والإيمان والعدل مع الشعب ومن أجله لا وصاية عليه غطينا غطاء صفيقا الديماغوجيات.

نحن أمام النظام الديمقراطي نقبل التدافع ولتنافس على ثقة الشعب المتلاعب بها، ونحن في صف الإسلاميين الذين نود أن يجتمعوا على التحاب الذي لا إيمان بدونه فلا جنة.

لكن بيننا وبين الديمقراطية سوء تفاهم جذري، وبيننا وبين رجال الدعوة الإسلاميين أوهاما، فنزيل الأوهام ونوضح سوء التفاهم.

قانون النشر في هذا البلد ينص على الأوراق التي يتكون منها الملف عند إعلان صدور مجلة، ونفس القانون يحرم ويحرم أن تتلقى المنشورات الوطنية مساعدة من الخارج، هذا نص القانون، أما تطبيقه فيوزن للناس وزنا حسب انتمائهم السياسي والديني، يعلم المغاربة الواعون أن من الهيآت الناشرة من يتلقى مطابع بأكلمها وحمولات البواخر من الكتب ومن الورق من شرق الجاهلية وغربها، وليخسأ القانون، أما هذه المجلة المسكينة فقد قدمت ملفها كاملا فشاء موظف أن يشترط عليها من عقده واجتهاده أوراقا أخرى فتعطلت ستة أشهر.

إذا كانت الديمقراطية حريصة أن يجري قانونها وتحترم لعبتها فلا أقل من أن ترفع عنا الحيف إن كانت لا تود أن تطبق قوانينها الرادعة على المتعاونين مع الخارج.

إن من خصومنا السياسيين من يستورد أفكاره وأمواله فهو صنيعة مدسوسة بيننا وسوس مخرب لجوهر أمتنا، وإن حربا ضروسا يشنها الشيوعيون، المتسترون منهم تحت شعار الاشتراكية والذين لا يتسترون على أبنائنا يكفرونهم في المدارس والكليات، طوابير من هؤلاء الأعداء، وهم ملحدون يجهرون بإلحادهم، والحكومة لا تملك أن تلجمهم فهم نسل متوالد، فكيف ندافعهم أو كيف نحاربهم؟

إن شبابنا الإسلامي في الكليات والمدارس تستفزه أعمال هؤلاء الملاحدة، والشاب المسلم يضطهد ويؤخر عن مرتبته ويرسب في الامتحانات، البرامج يضعها الملاحدة لتكفير العقول، وتاريخ الإسلام يدرسه أستاذ الفلسفة الماركسي فيمسخه ليكره للشباب دينهم وتاريخهم، إنها حرب علينا وعلى ديننا داخل بلدنا، فهل نعد هؤلاء من الأعداء الذين يقاتلون بالسلاح أم نحني رؤوسنا ونحوقل ونحن نرى أبناءنا يهوون في مهاوي الكفر؟ ليس هذا مكانا لتحليل الظروف التي تساعد الشيوعي على بث أفكاره حيث يجد وسائل الإيضاح جاهزة في مجتمعنا الفاسد، هن مكان لوضع المشكلة التي تنشأ من سوء التفاهم الذي بيننا وبين الديمقراطية ومن الأوهام التي تسود بن الإسلاميين.

إننا نبغض الشيوعيين بغضا شديدا لكنا لن نقتل منهم واحدا لأننا نعلم أن قتلهم شر وسيلة للقضاء على جرثومتهم الخبيثة، وقد اضطر الإسلاميون في تركيا وهذا البلد أن الدولة ثمة دولة لاييكية ترى من واجبها محاربة الإسلام، وهي هنا مسلمة تعلن أنها تحمي الدين.

هنا في هذا البلد قتلوا عمر بن جلون، من قتله؟ ولم قتله؟ كانت هذه الواقعة فاصلا بين عهد كان الإسلاميون فيه مغمورين، فلما اتهموا بقتل الاشتراكي الزعيم، وضعت على الحكومة والأحزاب السياسية مشكلة الحركة الإسلامية ومستقبلها وكان رصيد مهم تراكم في أذهان الرأي العام من خلال الدعايات التي تربط بين الإرهاب والإسلاميين: إخوان مسلمون = إرهابيون، واستغلت الأحزاب هذه الدعاية ضدنا، واعتقل أخونا الحبيب إبراهيم كمال، وهنا يلتقي سوء تفاهمنا مع الديمقراطية بالأوهام التي بين الإسلاميين.

لا نعرف من أخينا المعتقل منذ سنين إلا أنه رجل مومن وعاقل، فإن أثبتت الحكومة أنه استحال سفاكا فنحن أول من يتبرأ منه، فإن حرص على قتل خصم سياسي فهو لا يصلح لقيادة حركة إسلامية، وإن كان الرجل ضحية حملة الإبادة التي ذهب ضحيتها الإخوان المسلمون من قبله، فأقل ما نطلب من الحكومة الديمقراطية هو أن تبرئه وتفضح القاتل الحقيقي والأسباب الحقيقية للجريمة، إن ثلاث سنوات كافية فيما أظن لكشف أكثر الجرائم تعقدا، وللحكومة وسائلها الهائلة للتحقيق، أيها الإسلاميون لم تسكتون ومثل هذه الاعتقالات تهدد مصير قضيتكم؟ إن الأخوة لا تكون إلا بمحبة، فأين أخوة الإيمان؟

إننا ننكر أشد الإنكار قتل عمر بن جلون ونطالب بكشف الحقيقة، ونطالب بسراح إخواننا الإسلاميين.

نطالب بإنهاء ظروف التشرد التي يعيشها أخونا عبد الكريم مطيع والسماح له بالرجوع إلى أسرته المحرومة وبلده المحروم من كفاءته وصدقه وإخلاصه.

كفوا عنا أذاكم يا من تكيدون للإسلام رجاله.

إن الكفر ملة واحدة وإن قضية الإسلام قضية واحدة، إن أعداء الإسلام يستغلون الغموض والسرية اللذين يفرضهما على الإسلاميين سوء التفاهم مع الديمقراطية، ويستغلون الأوهام التي تفرق صفوفنا ليرمونا بدائهم ويتهمونا بنقائصهم، وإننا لا نكيد ولا نضمر حقدا، وإننا نقدر ضرورات الصراع مع عدونا وضرورات التدافع مع خصومنا السياسيين ومنافستهم، لكن هذه الضرورات جميعا لن تلفتنا عن غايتنا في مناوشات جانبية مثل الاغتيال السياسي، نعتبر أن العنف، والتنظيم السري المؤدي حتما إلى عنف، انتحار سياسي ونزق وسوء تدبير  لكن شبابنا تستفزه المنكرات ويستفزه الملحدون بانتهاكهم للدين، ويثيره سكوت الحكومة عن هذه الاستفزازات، فهو قمين أن يتحاور مع المستهزئين حوار عضلات، وفي هذا الجو المبهم، جو الفتنة العائمة الذي تتصارع فيه قوى الحق والباطل، يسهل على الذئب أن يتهم الحملان وينشب فيها الأظفار والأنياب.

ولكي يزول كثير من إبهام الفتنة، يجب على الإسلاميين أن يخرجوا للوضوح وهذا ما نحن بصدده.

إن الصف الإسلامي، الواحد بجوهره وغايته، تفرق بين رجاله أوهام وخلافات نقول رأينا فيها ليتأتى للناس تصنيفنا من حيث أسلوب العمل كما أتحنا لهم في التنبيه الأول والثاني أن يعرفوا نظرتنا إلى المجتمع الإسلامي المفتون ونظريتنا لتجديد الإسلام في خطوطها العريضة، بل في جوهرها العام، ريثما نعرض عليهم تباعا خطوطها فيما نكتب إن شاء الله تعالى.

حركة الإخوان المسلمين أهم حركة إسلامية في هذا العصر وأوسعها أفقا وأوسعها نظرة، ولها ماض جهادي كريم وحاضر ومستقبل لا شك في ذلك.

حركة باركها الله عز وجل وكتب لرجالها الفضل الكبير بأن يكونوا الموقظين للأمة والنور الذي أضاء ويضيء لنا الطريق، والجاهلية تعرف أهمية هذه الحركة وتركز على قواها للقضاء عليها وإبادة الركن الأعظم من الحركة الإسلامية في بلاد العرب بإبادتها.

حركة رجال التبليغ، رجال الصبر والمصابرة والصفاء، تسير في خطها بادئة بالتربية الأساسية، تربية الإيمان، وإن في أسلوبها لحكمة عميقة يعرفها من جرب جر الناس من عاداتهم وإخراجهم من ديار الأنانية والقعود.

حركات أخرى في هذا البلد وبلاد المسلمين بلغت في جهادها شأوا وهي بداية تجربها…

هناك طرقيون وصوفية، بعضهم يتقفى آثار الغابرين وبعضهم يحث على الصلاح الفردي ويقبل على شأنه.

هناك حركات إسلامية تخطو نحو النضج الفكري والعملي في إطار الديمقراطية، وأخرى تواجه الجاهلية بالسلاح كما هو الحال في تركيا.

وما من حركة إلا وفي تجربتها ما يغني الحركة الإسلامية الكلية لو كان الإسلاميون بحيث ينتقدون أنفسهم بهدوء تعقبه الاستفادة لا بانفعال يزيد فرقة الصف عمقا.

من أخطاء الحركات الإسلامية:

1. الفكر المقتضب المستقطب للعالم والناس، ومن ثم الانغلاق على الذات، وادعاء الهداية من دون العالمين.

2. ما ينتج عن هذا الفكر من تعصب لطائفة ضد طائفة، ومن عنف واستعاضة بالانفعال عن العمل الرزين البعيد المدى.

3. ما ينتج عنه اضطراب في التنظيم يعوق جميع القوى الداخلية في الصف الإسلامي ويلجئ للاستناد إلى أحلاف تكتيكية فيها القضاء على روح الانبعاث والذوبان في تيار الإسلامي  الواجهة الذي تنصبه الإرادات السياسية الحائدة عن جادة الحق.

ما من حركة إسلامية رفضت منهاج العلم الواسع المسبق بالعالم ثم المواكب للعمل، أو رفضت الاستناد على قوى الشعب مع تربيته في تعاون كامل مع كل رجال الدعوة، أو آثرت الأساليب المستعجلة والعنيفة، وانتهت في شبكة الفتنة وذابت فيها حركة أسست على نية الجهاد الإسلامي، لكن اصطدامها بالواقع العربي الممزق مع انعدام فكر إسلامي في الساحة ينير من الواقع في وجهة عمل إسلامي، ثم ضرورات المال والتصالح مع العرب القوميين والملحدين، حاد بها عن النية الأولى فإذا هي منظمة عسكرية عربية ليس غير.

الحركات الإسلامية الشعبية العفوية أقل مناعة من الحركات المنظمة، وهي أيضا لا تلبث أن تتلقفها القوى المنظمة المغداة بالفكر الاشتراكي أو تلك البارزة إلى الوجود شاكية الأسنة والرماح، شعور إسلامي عميق حرك رجال الجزائر ونساءها في حرب التحرير، فماذا فعل بذلك الشعب الذي حيى من مواته بإسلامه أيام الرجولة والتضحية؟ إنه اليوم تسوقه أفكار ملحدة ونيات جاهلية.

ما من حركة إسلامية إلا وتتربص بها قوى الباطل تريد أن تحتضنها بالإفساد والتمييع، أو تكسرها وتبيدها، لكن هذه القوى لا تجد سبيلا للحركات الإسلامية إلا من كون هذه لا تريد أن تعترف بأغلاطها فتستفيد، ولا تريد، أولا تستطيع أن توسع دائرة فكرها وعملها فتجد مكانها في عمل إسلامي موحد يسند فيه الإسلاميون ظهرهم إلى الله باستناد بعضهم لبعض.

إن الإسلاميين اليوم في محنة من فعل عدوهم الضارب المبيد، ومن فعل عدوهم المنافق المميع لهم، لكن وجود مواطن الضعف في فكرهم وتنظيمهم هو الذي أتاح للأعداء أن يضربوا ويعمقوا ويسلبوا من الصادقين ثقة الشعب بعد أن أبادوا منهم الرجال.

إن هذه الشعوب الإسلامية متحفزة للنجاة من مآسيها وذلتها، وإن عفوية الانبعاث الإسلامي التي نشاهدها مثلا على مسرح الأحداث بإيران قوة يمكن أن تصلح بديلا للفتنة المضطربة بأمتنا إلى مهاوي التبعية وذلة الهزيمة، لو تمت يقظة رجال الدعوة ووعيهم السياسي وتعلموا كيف يجمعون الحماس الفياض في قناة واحدة قوية منظمة منضبطة موجهة للبناء وإحياء الأرض بماء الإيمان، لا جرم إن فضل الإسلاميون أساليب الانفعال والانغلاق والتقوقع الفكري التنظيمي أن يظلوا عاجزين عن توجيه الأمة إلى بناء الإسلام على قواعد اجتماعية واقتصادية وسياسية تكون بديلا في زحمة الأحداث وتشعب المشاكل للقواعد الجاهزة المستوردة، ولعل اليقظة والوعي أخذا يعمان رجال الدعوة، فقد سأل دبلوماسي مسؤول إماما إيرانيا عن مصير حركة الشعب الإيراني الحالية، فاعترف الإمام أن العفوية تصب في المتاهات إن لم يكن من ورائها تنظيم وفكر وقيادة تفهم جذور الفتنة ومنهاج التجديد.

المحظوظون من المسلمين تحت ظل الأنظمة المفتونة، راضون عن الأوضاع، وجملة الشعب ساخطة، النخبة المثقفة التقليدية راضية بحظوظها من الفتنة ومندمجة مؤيدة أو ساكتة مستقيلة، النخبة الاشتراكية، ومن ضمنها طوابير الإلحاد الغازية، ساخطة، أضف هذا الانحياز من جانب التقليديين للفتنة إلى ذلك التمييع الذي أصاب ويصيب الحركات الإسلامية من جراء ظروفها القاسية ومن جراء أغلاطها في التنظير والتخطيط والتنظيم تعرف أسباب المعادلة التي يتخذها أعداء الإسلام من بينه حجة على كل الحركات الإسلامية، الإسلام عندهم رجعية مع خمول وخمول مع رجعية. أو هو، إن أرادوا تنويع العبارة عنف فاشل وفشل عنيف، يزعم الاشتراكيون ومن في ركابهم من المرتدين أنهم بسخطهم على الظلم الاجتماعي إنما يعبرون عن سخط الشعب، فهم قادته، ويعيرون التقليديين بقعودهم وجمودهم الفكري واستقالتهم، فهم في التعيير مصيبون وهم في زعمهم قيادة الشعب واهمون، لأن الهوة التي بينهم وبين الشعب الإسلامي هوة سحيقة مثل الهوة التي بين الشعب وحكامه، وهي لاشك، من العمق بحيث يدركونها جيدا وهم الأذكياء، ولا أدل على ذلك من زعمهم في جرائدهم أنهم يحبون أن يعمقوا فهمهم للإسلام وأن يربطوا بالشعب صلات أوثق، وتجد الملحد منهم ينافق ويظهر “احترامه” لمعتقدات الشعب إن لم يكن من هذه الشرذمة الجهنمية التي تحتل جامعاتنا ومدارسنا تعلم الكفر جهارا نهارا أو تسفه ديننا تكفر أبناءنا.

خصصنا كثيرا الاشتراكيين بالذكر في هذه الصفحات لأن المذهب الفكري السائد في العالم هو مذهبهم، ولأن جهودهم المثابرة تزيد صفهم قوة، بينما المذهب الإسلامي تنكر له من استودعوه مبدئيا، وبينما الصف الإسلامي تضعفه الخلافات المذهبية وضيق الأفق والانفعال، لا يفقد الاشتراكيون الثقة التي اكتسبوها عند الشباب المثقف بفشل النماذج الاشتراكية الذريع في بلادنا، ونفقد نحن الإسلاميين كثيرا جدا من ثقة الشباب المثقف بفعل أكاذيب الإسلام  الواجهة وفشله وفساده.

الأستاذ الاشتراكي أشد حربا على تلاميذه، وأكثر تضحية في سبيل إعانتهم وتفهيمهم وتنجيبهم من كثير ممن يدعون أنهم مسلمون، بل إن من يزعمون أنهم مسلمون من أساتذتنا نماذج حية للخمول وتضييع الواجب، فهم الوجه الثاني للإسلام الذي يعرضه دعاة الاشتراكية على تلامذتهم دليلا على أن الإسلام وأهله خمول وجمود أو عنف وتعصب بعد أن يعرضوا وسائل الإيضاح من واقعنا المؤسف، واقع الرشوة والفساد الإداري والفقر والمرض والجهل وما يجري في ركابها من المخزيات.

خصصنا الاشتراكيين بالذكر، واعترفنا بأخطاء أنفسنا، وما نقصده هو الخروج من مناهج التعمية والرثاء للنفس إلى منهاج الموضوعية والوضوح، ومن وراء التنظيمات الحزبية، اشتراكية أو غير ذلك، رجال ونساء ندعوهم إلى الله، ويخيل إلينا أن الواعين من بني قومنا أقرب إلى سماع دعوتنا من غير الواعين. ويخيل إلينا أن القاعدين الخاملين من المسلمين بما أفسدوا من سمعة الإسلام أحق أن يؤخذوا بتهم التعصب والانصياع للفتنة من العاملين في حقل الدعوة المعرضين للغلط كغيرهم من الناس، لكنا نجزم أن الدعوة إلى الله تعني الدعوة إلى باب واسع مفتوح للخاصة الاجتماعية وعامة الشعب، منه يولج إلى معين الصدق أمام الله عز وجل، هذا باب التوبة، لذلك نتصور ونقبل ونرجو أن تجتمع كلمة كل ذي إرادة إنسانية ومروءة وكل ذي إيمان على كلمة سواء كلمة الإيمان والعدل.

نريد أن نجمع فسمينا هذه المجلة جماعة، فمنها نرجو أن يسمع نداؤنا، لكن معظم الشعب لا يقرأ، وإن قرأ لا يفهم، ولا تتكافأ فرص العمل أمامنا مع فرص رجال الحكم الذين يسيطرون على وسائل الإعلام، ولا مع الأحزاب السياسية ذات الوسائل الطائلة، فلنا مشروع عملي ومطالبة أساسية تهدف إلى إعادة حقنا إلينا في غشيان المساجد.

إن بهذا البلد قريب من خمسة عشر ألف مسجد حسب الإحصاء الرسمي، والحكومة تشكو أن الشعب جاهل وأن الأمية متفشية والإجرام والتعفن الخلقي والمحسوبية ّوالظلم الاجتماعي، رجال الدولة في بلدنا يعترفون بوجود هذه الأمراض، والموظفون الدينيون لم يفلحوا في تعليم الشعب وتخليقه، فلم تتناقض الحكومة مع نفسها حين تمنعنا من التطوع لتعليم الشعب في المساجد؟

نريدها خطوة ذات مغزى سياسي أخلاقي بدخولنا للمسجد بنية عمل إنجاح قضية الإسلام من خلال الالتحام بالشعب نشرح له الفتنة ونبث النور الإيماني في قلبه واليقظة الروحية، ونبث في عقله الوعي ونجمع من حولنا إرادات الخير.

إنه مشروع عمل يريد التضحية والالتزام وليس مشروع حملة كهذه الحملات المجعجعة التي تموت قبل أن تولد.

دخولنا للمسجد إن شاء الله خطوة عملية وبداية نشاط للتوعية والإيقاظ ثم التنظيم، وهذه المجلة نريدها أداة تعليم واتصال وتعارف.

فنحن ننتظر أن تستيقظ الضمائر وتظهر إرادات للتطوع الملتزم، وإنما يعمل معنا من يدرك بعمق أن:

1. العمل لإنجاح قضية عالية يتطلب تضحية وبذلا للجهود كلها مالية ونفسية وزمانية.

2. إحراج الأعداء والخصوم بالموقف الصريح هو أسلوب مهم جدا من أساليب العمل، ذلك حتى لا تسول لموظف نفسه أن يمنها من المسجد كما منعنا منه في شهر رمضان الأخير.

3. العمل في الميدان هو خير وسيلة للقضاء على الخلافات المذهبية والشخصية التي تفرق الصف الإسلامي.

مشروعنا للعمل واضح محدد، لكن الآفاق التي يفتحها لنا واسعة، سنجد في المساجد عفوية واستعدادا، وسنجد فيها خصومات مذهبية وشجارات، وسنجد فيها شبابا هرب من الفساد، وآخرين تابوا إلى الله ينشدون طهارة ورجولة، وآخرين عادوا من ماركس، هذا الخليط من الكهول الذين يستعدون للقاء الله، ومن الشباب العطشين إلى الحق هم الشعب، ولن نتخذ المسجد مجالا لمنافقة الشعب وتخديره، ولا ميدانا لإذكاء نار الخلاف، بل ندخل إليه بكلمة المحبة وبشارة نصر الله.

سنجعل المسجد ثكنتنا لجهاد الفتنة المكتسية بسراويل الجاهلية المستشعرة بشعارها، لا بأساليب الانفعال والغوغائية لكن بالتربية لا بدوافع الحقد والغضب لكن بدافع الولاية بين المؤمنين والأخوة المقتضية لبذل المال والنفس لتكون كلمة الله هي العليا.

فمن المسجد نبدأ، ومن موقفنا هذا ومطالبتنا هذه الأساسية يتميز موقف كل أحد منا، من لم تكن له ذمة تشعره بمسؤوليته أمام الله والناس يأتي المسجد استجابة لندائنا ولا عن استقلال، والحكومة إن كانت تريد احتكارا لمساجد مع أنها تدين بالديمقراطية تناقض نفسها نقضا فظيعا، وعلى أي فهو موقف لنا واضح حين نطالب بحقنا في تعليم الشعب، وسيكون موقف الناس منا واضحا أيضا سواء منهم من شكك في نياتنا ومن اتخذ أساليب التسلط حيالنا.

سننتظر بروز النيات الصالحة، ثم لابد أن نتصل لتنظيم دخولنا المسجد والتعاهد على أداء رسالتنا فيه والاستمرار في ذلك الأداء مهما كانت التضحية، فقد يكون من اللازم أن نعصي الأوامر المتعسفة التي تمنعنا من المسجد، وقد يكون من اللازم تحمل عواقب هذا العصيان، عصيان الخلق في مرضاة الخالق، وعن جهاد شريف.

سننتظر حتى نستجمع صفنا، من شاء أن يعطينا ثقته فما نطلب إليه غير ما نطلبه إلى أنفسنا، ومن هذا الذي نطلبه سعة الأفق، وسعة الصدر، والاستعداد للقاء الله في كل لحظة.

ومتى استجمعنا صفنا أعلنا بحول الله دخولنا المسجد كموقف هادف في وجه الفتنة التي لم تعلم الشعب وإنما جهلته، وخطوة أخلاقية اجتماعية للالتحام بالشعب الفقير، نخطوها إليه من عليائنا المزيفة، نكسر الحواجز الطبقية التي نصبها بيننا وبين الشعب اعتبارات نحن ضحيتها وصانعوها معا.

نريد أن نتخذ المسجد رباطا كما كان أول عهد الإسلام نتعلم فيه ديننا ونسوي خلافاتنا ونبدر أمر تجديد الإسلام، ومن المسجد ننطلق، وحوله ننظم نشاطنا، للالتقاء بالدفع الإسلامي المتمثل في توقان هذا الشباب المسلم للإيمان وقد عاف واقع الفتنة، المتمثل في الشعور المكبوت التي يملأ قلب الشعب بأن الإسلام وقيمه، وهي قيم الشعب، قد لعب بهما، ذلك التوقان وهذا الشعور عاطفتان من واجب كل مومن له مثقال حبة من غيرة يقظة ووعي أن يسعى ليبني منهما قوة إرادية تؤول إلى ما نحن فيه من ضياع في دنيا الجاهلية من حولنا وخلال ديارنا، وما نحن فيه من فوضى اقتصادية ناهبة، وكراهية اجتماعية يؤجج لظاها الظلم الاجتماعي ويقوم بسدانتها أصحاب الإيديولوجيات الجاهلية في ذهن الملحدين إلا عن طريق القضاء على ديننا الذي يسمونه غيبية وخرافة، ويزعمون أنه سبب تخلفنا وتظالمنا وفشلنا.

علينا معشر الإسلاميين أن نبرهن بالعمل والنتائج أن الشعب مسلم ولن يتحرك لا مع الإسلام  الواجهة، ولا مع الذين ينصبون أنفسهم وكلاء عنه يلوحون له بشعارات الاشتراكية، الحل الوحيد عندهم أدوائنا.

علينا أن نفهم أن الموقف الخطير، الذي تقفه الأمة في هذه الفترة من تاريخها متأرجحة متداعية منهزمة، ورطة لن تنجو منها الأمة إلا بالرجوع لدينها رجوعا على أنفسنا بالنقد وإلى ربنا نخلص له الدين.

إننا جميعا مسؤولون عن ضياع ديننا وإلحاد شبابنا، إننا لم نحكم بما أنزل الله فحق علينا أننا كافرون فاسقون ظالمون حتى نعود إلى الحكم بما أنزل الله، الحاكم والمحكوم في هذه المسؤولية واللعنة يأخذان على حسب ما لدى كل منهما من سلطة وإمكانيات.

وبما أن هذه الديمقراطية أزالت عنا عذر القعود حين أباحت للناس جميعا أن يتكلموا ويتجمعوا ويتنظموا فإن مسؤولية كل مومن يقعد بعد اليوم كبيرة، وأن نصيبه من لعنة الكفر والفسق والظلم يتعاظم بما أتيح له من إمكانيات فرط فيها.

تكلموا يا مومنين إن الساكت عن الحق شيطان أخرس في كل الظروف، وإن الساكت عن الحق حين يدعى للشهادة بالحق أشد شيطنة وأحق باللعنة.

اعملوا يا مومنين لتكون كلمة الله هي العليا، أما تقرأون القرآن؟ إن الله عز وجل ما وصف لنا المومنين إلا وذكر من صفاتهم الجهاد بالمال والنفس، فما بالنا ندعي الإسلام والإيمان ونبخل بكلمة الحق نبلغها الآذان، وننكص من خطوة في الله تقربنا من الله؟

يجب علينا، أيها المومنون، أن نعرف أن الله عز وجل ما أظهر في الكون هذا الفسق والإلحاد والظلم عجزا عنه سبحانه أن يجعل الناس أمة واحدة على كلمة الحق، لكنه سبحانه ابتلانا بالجاهلية حتى بلغت منا الأعماق فأتاح لنا بذلك فرصة النهوض لنصرته ونصرة دينه، وهي فرصة العمر، وكل لحظة تمر لا نعمل فيها عملا يرضي الله فهي لحظة غفلة وقعود، ومن مجموع غفلاتنا وقعودنا يتكون نظام الجمود والاستكانة والخنوع المخيم على هذه الأمة، نحن الذين ربانا أشياخنا وآباؤنا على الإسلام نسجنا خيوطه وجلينا به أمتنا بسكوتها واستكانتنا إلى هذه العيشة الرخوة المرذولة التي نرهن بها عوضا من حياة الجهاد التي يشرف الله بها من أحب من المؤمنين “ما ترك قوم الجهاد إلا ضربهم الله بالذل”، هذه قولة الإمام المجاهد خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم الصديق الصادق، يا ويلتنا إن تمادينا في العبث والرخاوة والفسولة ! ويا بشرانا إن نهضنا لنتمنطق بالصدق ونستشعر خشية الله ونستظهر محبة المومنين، ذلك لباس التقوى وبه نتسلح لنواجه الظلم الأعظم ظلم الإلحاد والظلم الأقتم وهو الأهون لو قمنا قومة رجل واحد وقلنا كلمة الحق بلسان واحد ودفعنا بيد واحدة في صدر الأوثان.

نريد أن نوحد صفنا في المسجد وننطلق منه لنحمل إلى كل مسلم وكل مسلمة الدعوة إلى الله، الدعوة للإيمان والجهاد، جهاد من أجل أن ينتصر الإيمان على الكدر وينتصر العدل على الظلم، جهاد من أجل أن نكون نحن الذين نمثل، إن قمنا وعملنا، الإيمان والمطالبة بالعدل، لنا وزن في الميدان.

ولكي يكون لنا وزن وفاعلية ينبغي أن نوحد إرادتنا ونعمل حتى تصبح هذه الإرادة واضحة لنا في صيغتها كمطالبة، وفي شروط تحقيقها كهدف سياسي نجمع له قوانا المبعثرة ونسير إليه مع الشعب في حركة واحدة نحن قادتها الطبيعيون.

لقد فشل الاشتراكيون في مخاطبة الشعب بلغته، وفشلوا لانقطاعهم عن الشعب في كل تجاربهم، في مصر تحت طاغوتها الغابر وفي غير مصر، فما حققوا الأهداف الاقتصادية الاجتماعية التي سعوا إليها لأنهم ما استطاعوا، ولن يستطيعوا ما داموا جسما أجنبيا عن الشعب، أن يعبئوا القوى الأساسية في دار الإسلام، وهي قوة الشعب المسلم المستضعف الرازح في سلاسل البؤس والاحتقار والذلة.

علينا أن نحيي في أنفسنا وفي الشعب شهامة الإيمان علينا أن نواجه، انطلاقا من المسجد، قوى الباطل حيثما تجمعت، في مدارسنا وكلياتنا، في إدارتنا الفاسدة، في كل بقعة وكل مؤسسة تدارس فيها كرامة الشعب ويستهان فيها بقيمنا.

من المسجد نريد أن ننطلق كتائبا لتعبئة القوة السياسية الوحيدة، قوة الشعب المحقور المظلوم، وما هذه التنظيمات الحزبية التي تتملق الشعب بمناسبة الانتخابات إلا تنظيمات طبقية تكذب على الشعب وتعيش على ظهره.

من الناس من قرأ بعض ما كتبته في الدعوة إلى الله بحكم أنني صوفي متطرف، ومن رجال الدعوة في بلدنا من فرغ من تصنيفنا في أرض الشرك والبدع لما عرف من انتمائنا للصوفية واستصوابنا لتربيتهم، هذه الأحكام والأوهام تنشأ من الحكم على القال والقيل، وكثيرا ما قلنا لإخواننا الأحبة من رجال الدعوة، يا قوم إننا عاشرنا هؤلاء الصوفية أعواما طويلة في الحل والترحال، في النهار والليل، وبلونا حقيقتهم فاطرحوا عنكم القال والقيل واسمعوا شهادتنا ! لكن الثقة ماتت، ومن الناس من هو أسرع إلى التهمة منه إلى اختبار الحقائق، نعم ربانا الصوفية جزاهم الله عنا خيرا، فوجدناهم أصفى الناس قلبا وأسماهم همة وأشدهم إقبالا على الله، ما خاصمنهم إلا في تعودهم على أسلوب الانزواء، ثم سكوتهم عن ترهات يستنبطها بعض الطائشين ممن ينتسبون إليهم ويلصقونها بهم.

إن الألقاب والأسماء ستور قاتمة تحجب الإسلاميين بعضهم عن بعض، فمن كانت له أفكار صغيرة انحجبت عن إخوته الحقيين وتحزب في طوائف تدعي الهداية لنفسها وترمي بالضلال غيرها، وإنه والله لا جنة إلا بمحبة المومنين ولا إيمان، ما أنا قلتها بل قالها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأفشوا السلام بينكم يا أيها المومنون لعلكم تحابوا فتفلحون.

حاولت الاتصال ببعضكم وكاتبت الآخرين، فمنكم من قال عني: “إنه مصاب بداء خطير” وهو داء التصوف، ومنكم من لم يجب، ومنكم من اعتذر، ومنكم من تمثل بقول الله عز وجل: “قل كل يعمل على شاكلته فربكم أعلم بمن هو أهدى سبيلا”.

هذه المجلة ومن وراءها ذمم ونيات قليلة عددا كثيرة مددا إن شاء الله تعالى، أريد أن تكون منبرا للتعبير وذريعة للتلاقي والتعارف بين رجال الدعوة أجمعين، ما عششت في عقولنا الأوهام إلا للصمت المفروض وما تفرقنا شيعا وطوائف إلا لأننا، كل من جانبه، تبنينا الخلافات المزمنة العميقة الجذور التي فرقت الأجيال التي ضاع في عهدها الإسلام، اطرحوا الألقاب كلها أو احملوها كلها، نحن رجال مسلمون ورجال تبليغ وصوفية وقرآنيون سنيون، نحن مومنون على كتاب الله ورسوله وكفى، ومجاهدون نريد وجه الله.

إن الفراغات الثلاثة المطابقة لتنبيهاتي الثلاثة تفتح لنا، معشر الإسلاميين، حيز واسع جدا للعمل المجدي البناء:

أ. فراغ الفتنة في مجتمعنا ليحل محلها الحق والعدل.

ب. فراغ الفهم للإسلام لنخرج من الإسلام الفردي للإسلام الجهادي.

ج. فراغ عدم الثقة والأوهام ليحل محله الصدق والمحبة والأخوة.

وقد آن أن ندعو على هذه الصفحات كل من له قلب ينبض بالإيمان إلى الهجرة من عادات الاستسلام والاستقالة إلى مشروع حمل المسؤولية والانضمام إلى المومنين، إننا نمد يد الأخوة للمسلمين كافة ونخبر كل من لا يتهم قبل أن يختبر أننا نذرنا أنفسنا لله ننصح للمسلمين ونعمل لا نريد بالنصيحة والعمل رئاسة الدنيا فهي تافهة، نريد درجة الأخيرة، نريد قبل الدرجات وجه الله عز وجل،إننا نحمل أنفسنا على مسلك الاستقامة، ونريد أن تكون الاستقامة شرطا في من هاجر إلينا، فمتى لم يبلغ من سعة الأفق وعمق المحبة الإيمانية ما به ينفتح انفتاح الثقة والمودة لكل الإسلاميين مهما كانت ألقابهم فلن يكون في صفنا عنصرا جامعا، ومتى كانت تعصر عليه العبادات وقيم الليل وإنفاق ماله في الله فلن يكون لنا رفيقا في سفرنا إلى الله، بل يكون لنا عرقلة، ومتى كان التعلم والتعليم والعمل المبصر مهمات لا يقدر عليها فلن تزيدنا هجرته إلينا جذوة، نريد سمتا إسلاميا وقدرة على التحمل والصبر لأن العمل المخلص تترصده الصعاب والشبهات نريد أن نبرز في واجهة عملنا شعار الإيمان والعدل، فنحن مع المستضعفين الوارثين، نحن مع المساكين، نحن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم القائل: “اللهم احييني مسكينا وأمتني مسكينا واحشرني في زمرة المساكين”.

اللهم صلي على سيدنا محمد وعلى آل سيدنا محمد كما صليت على سيدنا إبراهيم وعلى آل سيدنا إبراهيم، وبارك على سيدنا محمد وعلى آل سيدنا محمد كما باركت على سيدنا إبراهيم وعلى آل سيدنا إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد.