إن الوضعية الكارثية التي تكتوي بلظاها الشغيلة تنبئ بجلاء عن واقع العمل النقابي بالمغرب، و سبب هذا التردي الخطير هو تحول الإطارات النقابية إلى ملحقات حزبية. و لذلك فنحن ندعو بصدق إلى حوار جاد و مسؤول تشارك فيه جميع المركزيات النقابية كي يعاد الاعتبار للعمل النقابي، لأنه إذا لم يعد الاعتبار للعمل النقابي فإن الوضع الاجتماعي سيزداد سوءا، و مع الزمن يتطور الأمر إلى” كفر” بالعمل النقابي و بإطاراته و برموزه..

 ما هي المرتكزات التي يقوم عليها العمل النقابي داخل جماعة العدل و الإحسان؟

ج  بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين و الصلاة و السلام على المبعوث رحمة للعالمين

في البداية أتوجه لمنبركم ” البيضاوي” بالشكر الجزيل راجيا لكم التوفيق في رسالتكم الإعلامية.

منذ مصادقة مجلس الشورى على قرار استحداث الدائرة السياسية في صيف 1998 و الشروع في هيكلتها كان من الطبيعي جدا أن يكون القطاع النقابي من اللبنات التي سينبني عليها هذا الجهاز و يضع في مقدمة انشغالاته تدبير الشأن النقابي و المهني داخل الجماعة ، و بطيبعة الحال وضع هذا القطاع مجموعة من الأسس و المرتكزات التي تميز تصوره للعمل النقابي عما هو سائد في الساحة، و هي مرتكزات تشمل الجانب التكويني و المهني و التواصلي و الدعوي و الاجتماعي، ثم الجانب المتعارف عليه في العمل النقابي و هو الجانب المطلبي و القطاع النقابي لجماعة العدل و الإحسان على وعي تام بأبعاد كل مجال من هذه المجالات الستة، مثلا هناك بعد أساسي يغيب عن العمل النقابي و هو الجانب التربوي الإيماني فالمتعارف عليه في العمل النقابي هو الدفاع عن المصالح المادية للشغيلة، لكن هناك مصلحة عظمى في تقديرنا  و نحن بالأساس أبناء دعوة  هي حق العامل في معرفة ربه حتى يتحقق بالعبودية له، و هذا أمر مهم عندنا لا يرقى إليه الجانب المادي رغم أهميته، بل ضرورته

البعد الثاني مرتبط بالجانب التكويني إذ الفاعل النقابي لا بد أن يكون له تكوين رصين يشمل مختلف الجوانب المعرفية و الثقافية و السياسية و القانونية، و هذا البعد يزداد أهمية في ظل هذه العولمة الكالحة الكاسحة.

أما بخصوص الجانب المهني فبطبيعة الحال نحن حملة رسالة و نحن دعاة الإحسان ، و عندما نتكلم عن الإحسان فإننا نتكلم عن الإتقان لأن من لا يتقن مهنته كيف يمكن ان يدافع عنها ؟ ناهيك عن أن هذا الاتقان يسهم في تأهيل العامل، بل الاقتصاد برمته أملا في الخروج من واقع التخلف و التبعية.

أما البعد الرابع فهو الجانب الاجتماعي و اهتمامنا به نابع من حرصنا على إشاعة معاني التعاون و التراحم المأمور بهما شرعا، و تخفيفا من معاناة نسبة كبيرة من الشغيلة التي تتقاضى أقل من الحد الأدنى للأجور، ناهيك عن التسريحات و الطرد التعسفي مما يعرض أسرا بكاملها للتشرد

أما البعد الخامس فهو المجال التواصلي لأن الآخر كي يتعامل معنا على بينة يجب أن يعرف : من نحن؟ و ماذا نريد؟ و لا يمكن أن يعرف ذلك في غياب التواصل.

أما البعد الأخير فهو ما يتعلق بالجانب المطلبي و هو الدفاع عن الحقوق المادية و المعنوية للشغيلة

هذه الأبعاد الستة تميز تصورنا للعمل النقابي انطلاقا من رؤية منهاجية تحكم التصور العام لجماعة العدل و الإحسان

 إعلانكم عن القطاع النقابي هل هو ضرورة يفرضها التنظيم السياسي؟ أم لاحظتم أن الساحة النقابية خالية و ان المركزيات النقابية الموجودة لا تقوم بدورها الطبيعي ؟

ج  أعتقد أن الدافع الحقيقي للإعلان عن القطاع النقابي لم يكن محكوما بهاجس الانحباس النقابي الذي يعرفه الواقع المغربي ، كل ما هنالك أنه لا يمكن أن تكون هيئة سياسية بدون قطاعات نقابية و شبابية و نسائية، أي هناك نوع من التخصص داخل العمل السياسي، و تعد الواجهة النقابية من الأمور المهمة داخل كل عمل سياسي، و الناس يعرفون أن جماعة العدل و الإحسان لها تصور شامل ، بمعنى انه من المفترض أن يكون لديها تصور للعمل النقابي و من خلال هذا التصور يمكن للقطاع أن يتواصل مع جميع الهيئات النقابية حتى تعرف المبادئ و الأسس التي تحكم هذا التصور، و السمات التي تميزه عن غيره من التصورات السائدة في الساحة، و ما يمكن أن يحمله من جديد للعمل النقابي و للشغيلة.

 البعض يرى في مثل هذه الخطوات تفريخا للهياكل النقابية و بالتالي تمييعا للعمل النقابي، ألم يكن من الأجدر الانخراط في إحدى المركزيات و العمل من داخلها؟

ج  دعني أطمئنك و أطمئن كل الغيورين على العمل النقابي  الذين يأسفون لما آل إليه واقع المركزيات النقابية  من تفريخ و تشتيت و تفتيت  إلى أن القطاع النقابي هو إطار لتدبير شأن داخلي لجماعة العدل و الإحسان و ليس إضافة لإطار في الساحة، فالأمر ببساطة مرتبط بهيكلة تنظيمية داخلية، أما خارجيا فلنا خيارنا النقابي و تحكمنا في التعاطي معه مبادئ أهمها حرصنا على الدفع في اتجاه تكوين جبهة نقابية تعيد الاعتبار للعمل النقابي ( و هو ما جاء عنوانا لبياننا في فاتح ماي ) إضافة إلى رفضنا العمل من خلال الإطارات النقابية الحزبية لكونها مجرد ملحقات تأتمر بما تقرره المكاتب السياسية الحزبية.

 (مقاطعا) ما توضحه الآن ينفي ما قلته في السابق بخصوص أنكم تشتغلون في إطار تنظيم سياسي و وجودكم مرتبط بهذا التنظيم ؟

أن يكون لكل إطار سياسي قطاع نقابي هذا شيء، لكن أن يحول قطاعه النقابي إلى مركزية نقابية تضاف رقما جديدا في الساحة هذا شيء آخر .

 لكن ما نلاحظه في الساحة هو أن كل حزب له قطاع نقابي يحوله إلى إطار خارجي و الأمثلة كثيرة ؟

 هذه مع الأسف حقيقة واقعية. لكنها حالة مرضية لأن هناك عرف غير سليم يسود الساحة، هو أن كل حزب سياسي يؤسس إطاره النقابي لأنه يعتبر أن العمل النقابي هو ملحق لتصريف العمل الحزبي، بالنسبة لنا داخل العدل و الإحسان فإننا نعتبر هذه الحالة غير سليمة بالمرة.

الحالة السلمية هي أنه إذا افترضنا أن التعدد على المستوى السياسي مبرر نظرا لاختلاف التصورات فإنه على المستوى النقابي غير مبرر، خصوصا و أن جوهر العمل النقابي  على الأقل فيما هو متعارف عليه  هو الدفاع عن حقوق الشغيلة في شقيها المادي و المعنوي، فالدفاع عن الأجراء يجب أن يكون موحدا و مشتركا بغض النظر عن التصورات السياسية و لذلك فنحن ضد تفريخ الإطارات النقابية ثم لأن التاريخ و الواقع يؤكدان أن تفريخها أضر بالعمل النقابي و بمصلحة العمال.

و لذلك فمن المبادئ التي تحكم خيارنا  كما أشرت  أن تكون النقابة مستقلة عن جميع الإطارات الحزبية ، و أن تتسع لجميع التوجهات السياسية مما يؤهلها لتكون مدرسة حقيقية تحدث تحولا نوعيا في العمل النقابي.

تصور معي أن إطارا نقابيا يضم مختلف التيارات السياسية و الحركات الإسلامية سيكون لامحالة مدرسة متميزة:

بناء تنظمي قوي، متابعة و محاسبة صارمة، قوة اقتراحية ، عكس ما يحدث عندما نجد إطارا حزبيا يؤسس مركزية نقابية تابعة له حيث نجد تنظيما مترهلا، وغياب المحاسبة لتحل محلها المجاملة، فتكون النتيجة الطبيعية هي تمييع العمل النقابي، فمزيدا من الإجهاز على حقوق و مكتسبات الشغيلة.

 حاليا ما هو خياركم النقابي ؟ أي ماهي المركزية النقابية التي يعمل داخلها أعضاء القطاع النقابي للعدل و الإحسان ؟

 انطلاقا من المبادئ السابقة التي ترفض تمييع العمل النقابي بتفريخ الإطارات النقابية فإننا نحاول جاهدين تثبيت فكرة الجبهة النقابية آملين أن تتحول من طموح إلى واقع ملموس، لكن في انتظار أن تنضج شروط هذه الجبهة فنحن نحرص على العمل من خلال النقابات “المستقلة” مثل : النقابة الوطنية للتعليم العالي ( و إن كنا نأسف لما آل إليه وضعها في المؤتمر الأخير نظرا لهيمنة ما هو حزبي على ما هو نقابي مما جعل الأجهزة المنبثقة عن المؤتمر فاقدة لكل مصداقية)

كما أنه بخصوص القطاعات التي لا تغيطها إلا مركزية نقابية واحدة فإن الاخوة العاملين في هذه القطاعات ينشطون نقابيا من خلال فروع هذه المركزية.

لكن بالنسبة للقطاعات التي تتوفر على إطارات نقابية متعددة فإننا نعمل من خلال إطار يبدو أقرب إلى الاستقلالية ولو بشكل نسبي يتعلق الأمر بالكونفدرالية الديمقراطية للشغل رغم أن هناك هيئات سياسية داخلها لا ترغب في وجودنا و تعمل جاهدة على إقصائنا  كما حصل مع إخواننا في السكك الحديدية  لتضطرنا للانسحاب من المركزية .

 أفهم من هذا القول أن الكونفيدرالية هي الأقرب إلى مبادئكم و مرتكزاتكم ؟

 أعتقد بأن الكونفدرالية الديمقراطية للشغل تتوفر على رصيد نضالي لا ينكر، و لها أطر نقابية في جعبتها تجربة نضالية محترمة  و إن كان هذا الأمر مع الأسف تضرر بفعل الانشقاق الأخير  و تعمل من داخلها تيارات سياسية متعددة، كل هذه الاعتبارات هي عناصر إيجابية يمكن أن تخدم العمل النقابي، شرط ان تتوفر الإرادات الصادقة والنوايا الحسنة ، و أن يحفظ للنقابة استقلاليتها شعارا و ممارسة.

 انطلاقا من كل هذا هل يمكن أن نقول إن القطاع النقابي للعدل والإحسان يمثل قوة داخل الساحة الكونفدرالية ؟

– الكونفدرالية هي عبارة عن قطاعات متعددة فحيثما أتيحت الفرصة لأعضاء جماعة العدل و الإحسان، و لم يمارس عليهم الإقصاء، فإنهم يظلون أهم الفاعلين داخل العمل النقابي خصوصا و انهم يشكلون قوة اقتراحية.

 سأطرح سؤالي بصيغة أخرى: ما مدى وجود العدل و الإحسان داخل الهياكل التنظيمية للكونفدرالية ؟

 ليس لنا نفس الوجود و نفس النسبة داخل سائر القطاعات، فمناضلي العدل و الإحسان يحرصون على أن يكون لهم حضور انطلاقا من حرصهم على أن ما يحملونه من تصورات في القطاع النقابي سيكون في صالح العمل النقابي و في صالح الشغيلة، لكن نسبة الحضور داخل كل القطاع تختلف حسب التوجهات المسيطرة. وحسب قوة العمل النقابي و غيرها من العوامل المؤثرة، لكن القاعدة هو انه كلما فتح المجال لأعضاء جماعة العدل و الإحسان و كلما لم يمارس عيهم الإقصاء إلا و تجدهم حاضرين بشكل مسؤول يشكلون قوة اقتراحية و رافعة أساسية للعمل النقابي داخل القطاعات التي ينتمون إليها.

 تحرص على إبراز قوة ” أبناء العدل و الإحسان” كما تقول لكن على المستوى القيادي لا نجد ممثلين لجماعتكم في هرم النقابة لماذا؟

– هذا الأمر ليس مرده إلى أعضاء الجماعة ففاعليتهم و انضباطهم شهد به الخصوم قبل الأصدقاء، لكن مرده بالأساس إلى اعتبارات ذاتية مرتبطة بالمركزية و أخرى موضوعية مرتبطة بالواقع المخزني الذي تتحرك فيه النقابة، فبخصوص الاعتبارات المرتبطة بالنقابة هناك حرص من بعض الأطراف من داخل الكونفيدرالية  كما أسلفت- على إقصاء العدل و الإحسان خاصة من المواقع المتقدمة كالمكتب التنفيذي أو المكاتب الوطنية أو اللجان الإدارية، أما بخصوص الاعتبار الموضوعي (وهو اعتبار يتذرع به من يصر على إقصائنا) فهو موقف المخزن من العدل و الإحسان إذ من “الحكمة” في تقدير هؤلاء أن يجنبوا النقابة نقبة المخزن، لأنهم يعتبرون أنه حيثما وجدت العدل والإحسان وجدت نقمة المخزن و أن كل من اقترب من العدل و الإحسان إلا و ابتعد عن المخزن، ناسين أو متناسين انه إن سلمنا بهذا المنطق ستتحول النقابة من مركزية مستقلة قرارها بيد مناضليها، إلى ملحق للمخزن يبقي فيها من يشاء و يبعد عنها من يشاء.

 كيف تقيمون العمل النقابي داخل الساحة الوطنية ؟

 يمكن أن ترصد هذا التقييم من خلال واقع كثير من الفئات التي بدأت تتمرد على العمل النقابي و تعتبر أداء المركزيات النقابية جزءا من المشكلة و ليس جزءا من الحل، فالوضعية الكارثية التي تكتوي بلظاها الشغيلة تنبئ بجلاء عن واقع العمل النقابي بالمغرب، و سبب هذا التردي الخطير هو تحول الإطارات النقابية إلى ملحقات حزبية. و لذلك فنحن ندعو بصدق إلى حوار جاد و مسؤول تشارك فيه جميع المركزيات النقابية كي يعاد الاعتبار للعمل النقابي، لأنه إذا لم يعد الاعتبار للعمل النقابي فإن الوضع الاجتماعي سيزداد سوءا، و مع الزمن يتطور الأمر إلى” كفر” بالعمل النقابي و بإطاراته و برموزه .

 ما هو موقفكم من سلسلة الحوارات الاجتماعية؟ و هل أضافت شيئا للطبقة العاملة ؟

 العبرة بما نرى لا بما نسمع فما تم تحقيقه كان هزيلا و لا يرقى لطموحات الشغيلة كما أن ما حققه الحوار الاجتماعي لا يعكس تضحية و معاناة الشغيلة و نحن نعتبر أنه لا يمكن تحقيق مطالبها في ظل هذا الضعف و التشرذم الذي يعيشه العمل النقابي.

 هل ستزيل مدونة الشغل الجديدة التي لا يفصلنا عن تطبيقها سوى شهر واحد هذه النظرة التشاؤمية تجاه العمل النقابي ؟

– حقيقة نحن في أمس الحاجة لمدونة تنصف العامل ورب العمل وتعيد لهما الاعتبار و تبصرهما بالحقوق و الواجبات لكن في وضع كوضع بلدنا الحبيب المغرب، القوانين لا تأت في سياق من التراضي الطبيعي لتقنن الحقوق و الواجبات و تحرصها، بل لتلميع الصورة عند الرأي العام الخارجي.

و إلا قل لي بربك أين هي البيئة التي يمكن ان يتنزل فيها هذا القانون حتى و لو كان أسمى قانون في الدنيا؟ أين هو الشغل الذي نريد تقنينه فالبطالة ضاربة الأطناب ؟

أين هو العامل المؤهل لاستيعاب هذا القانون حتى يعرف ما له و ما عليه فالأمية ضاربة الأطناب ؟

أين القضاء النزيه الذي يعتبر الناس سواسية أمام القانون، فلا شيء يعلو في دولة المخزن فوق التعليمات ؟

أين الفاعل النقابي الخبير بدقائق النصوص القانونية المستوعب لمفردات الواقع المحلي و الدولي ليقترح حلولا واقعية لمشاكل واقعية حتى يحمي العسيف من الظلم فالصراعات الحزبية و انشقاق الإطارات النقابية أمر سارت به الركبان؟

أسئلة و غيرها تؤكد بما لا يدع مجالا للشك أن مصير مدونة الشغل – كغيرها من القوانين- أن تبقى حبرا على ورق في غياب البيئة السليمة لتنزيلها.