الذين يستنهضون الشعوب المسلمة حكومات ومعارضات ثورية وحزبية أشكال وألوان من يسار الجاهلية ويمينها. ينافسون دعوة الحق بدعوات اللبرالية والاشتراكية، ويضربون على أوتار القومية والتقدمية والوطنية. يدعون إلى التعبئة العامة من أجل التنمية، من أجل التحرر من أحد جانبي الجاهلية، وهو تحرر لا يتم إلا بالانضواء تحت لواء الجانب الآخر. وتدوي صيحة العودة إلى الله بين المسلمين. تدوي من أعماق ضمير الأمة على لسان الدعاة، ويصبح النداء الإسلامي شعارا يرفعه حكام الجبر والأحزاب السياسية القومية، مزايدات! سباق إلى الاتجار بالإسلام!

لطالما بقي الإسلام غامضا في ذهن الناس، لطالما قبع الإسلام في التقوى الفردية، في المسجد لا يخرج منه، في الكتب الفقهية وخلافاتها، في الفضاء النفسي بعيدا عن واقع المسلمين. والآن قد تقدم فهم الإسلام وتعمق بفضل الله على رجال الدعوة الذين ابتعثهم لإعادة بناء الأمة. فأخذ يتضح للمسلمين أن الإيمان الذي كان حيا في قلوب سلفنا الصالح، فاعلا في مجتمعهم وفي العالم، يمكن أن يصبح بديلا للفتنة وعلى رأسها الحكم الجبري، يمكن أن يعود كما كان حركة عالمية منتصرة.

علينا أن ننظر عاليا وبعيدا لنخطط حركة الإسلام، ونقودها في ساحات الجهاد، يجب أن نصحح المنطلق لئلا نتشتت على سطح الأحداث. آن لأمتنا أن تطمح طموحا عالميا رغم قصورنا الحاضر وانهزامنا الحضاري المؤقت. وليس لنا ما يميزنا عن شعوب الأرض عندما تقارن المقومات والوسائل إلا أننا حملة رسالة الله إلى العالم. قرآننا زادنا وسلاحنا. والله عز وجل ولينا، ومحمد صلى الله عليه وسلم نموذجنا وإمامنا. فلكي نكون على مستوى المهمة التاريخية أمامنا وهي أن نسعى لإقامة الخلافة الإسلامية على منهاج النبوة يلزم أن نعطي للإنسان، لكل إنسان، النموذج الحي الناجح للفرد السعيد والأمة المهيبة. نحن المسلمين نرزح تحت ثقل تراث الفتنة وتراث التخلف الحضاري، فيخيل إلينا أن ملاحقة الجاهلية لإنجاز مثل ما أنجزت من صناعات مشروع كاف لو أضفنا إلى تلك الملاحقة أصالتنا وشريعتنا. لن نقدم بذلك للإنسان أية رسالة، فللناس جميعا أصالة ونصيب من التقدم الحضاري يشقى بهما الناس، يهربون من هذا إلى تلك سعيا وراء معنى للوجود والحياة.

رسالتنا لأنفسنا وللإنسان أن يكون الله عز وجل غاية كل فرد من العباد. أن يكون ابتغاء رضاه، والسباق إلى مغفرته وجنته، والسير على مدارج الإيمان والإحسان لمعرفته، والوصول إليه، والنظر إلى وجهه الكريم، منطلق الإرادة، وحادي المصارعة وقبلة الرجاء. هذا معنى أن الإسلام دعوة إلى الله، دعوة إلى الاستسلام بين يديه، نحب لقاءه، ونطيع أمره، ونقبل حاكميته، ونجاهد لإعلاء كلمته، ونطلب الاستشهاد في سبيله. ونحن بهذا فقط نكون قدرا من قدر الله.

الغاية الإحسانية إذن هي كلمة الإسلام، واقتراحه، وثمرته الموجهة لكل فرد. والأهداف الجماعية للأمة، من تحرر عن الجاهلية، ونجاح في الاقتصاد، وظهور في الأرض، شروط ضرورية ليسمع الإنسان تلك الكلمة، ويقبل ذلك الاقتراح، ويجني تلك الثمرة. فذلك السباق الذي عرضه الله على كل منا إلى مغفرته وجنته ورضاه والنظر إلى وجهه هو رسالتنا للعالم الشقي بحضارته المادية، المهدد بالعنف الجاهلي النووي، المتخبط بزعامة الجاهلية وكيدها وجهلها بالله في مشاكل تؤذن بسقوط الحضارة الغربية السائرة إلى أفول.

فالخلافة الإسلامية وهي جوهر الحضارة الإسلامية المرجو بناؤها، ما هي بديل لحضارة المادة من حيث صناعتها وإنجازاتها الاجتماعية والسياسية والحياتية، بل تكون استمرارا على شكل جديد لنفس الحضارة المادية إن لم تكن الدعوة إلى الله، البالغة إلى كل إنسان، الملحة عليه، المتحببة إليه بالعيش الكريم تحت ظلها، والإيواء الكريم إلى كنفها، هي روح الحضارة ومهمة الخلافة. نحن المسلمين موعودون بالخلافة في الأرض لنعمرها، لكن عمارتها ليست مقصودة لذات العمارة، إنما عمارتها شرط ليعرف العبد ربه ويتهيأ للقائه بعد الموت. بهذا نحن قوة لا تقاوم.

كثيرا ما تقرأ لمفكرين مسلمين، فتمر عليك الصفحات والفصول لا تعثر على ذكر الله، ومحبة الله، والعبودية لله، ولا على ذكر الجنة والنار والآخرة وحياة الخلود. ذلك أن أسلوب التفكير ومجال التفكير الجاهليين لا مكان فيهما لكل ذلك. فينقطع حديث بعضنا عن تلك المساحة الإيمانية الأبدية انحسارا إلى الأبعاد المادية التاريخية المألوفة. لهذا نضع بين يدي هذه الصحيفة بإلحاح ذكر الله تعالى. لأن التربية لا تكون إسلامية إن لم تحقق في نفس المربي الرغبة في الله والاستعداد المتحفز للسباق إلى مغفرته وجنته ورضاه ووجهه حتى الاستشهاد. ولأن التنظيم لا يكون إسلاميا إن لم تنتظم محبة الله تعالى والتنافس في الجهاد إليه جماعة المؤمنين.

نحن المسلمين ثمانمائة أو ألف مليون على وجهها اليوم. وهي أعداد غثائية مغلوبة على أمرها، لا قدرة لها على تغيير ما بها. وإنما أتتنا هذه الغثائية من خوفنا الموت. ولن نصبح مستحقين لخلافة الله ورسوله في الأرض إلا إن أصبحت غاية كل مجاهد من أهل الإيمان أن يموت في سبيل الله، وإلا إن نهضنا للجهاد المستميت في صف منتظم مرصوص يحب الله من يرصه وينصر إلى جنابه الكريم من يقاتل فيه ويبذل فيه المال والنفس. ذلك المؤمن المجاهد لن يكون إلا نتاج تربية، وذلك الصف لن ينتظم إلا إن كان المنهاج المنظم نبويا وهمة رجاله ربانية.