بسم الله الرحمن الرحيم

وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وآله وصحبه وإخوانه وحزبه

(1)

لقد كان الإمام البنا رضي الله عنه ملهما وقائدا ربانيا قل نظيره، ومجددا أنار الله به القلوب والعقول، وابتعث الله به جندا ضربوا أروع الأمثلة في الصدق والتضحية، لكن الرجل لم يسعفه القدر لمواصلة المسار، فطُويت مع رحيله رضي الله عنه روحانية عالية غالية، وأصبح الحديث عن سلوك الرجل وأخلاقه مجرد لقلقة للسان، وأفكار نظرية، وإعجاب، وغابت خطة العمل ومنهاجه، فهيهات هيهات أن تتحول الذكريات إلى إرادات.

أرصِّع مقالي هذا بشهادات واستنتاجات عزيزة غالية لرجل من رجالات هذه الأمـة المباركين: الأستاذ المرشد عبد السلام ياسين حفظه الله، ونستمع بين الفينة والأخرى للوعظ القادري عسى وعسى يوقظ فينا حشاشة الإيمان ومعرفة الله ومحبته، وأبكي بين السطور غياب هذه المعاني عند أبناء الحركة الإسلامية المنتصرة بإذن الله عز وجل، مرسلا عبرات الرجال وزفراتهم على علم صيرته الغفلة والإسلام الفكري الثقافي في مطويات النسيان، مقترحا عليك أخي وأختي سلوكا جهاديا مباركا عظيما.

حطّ الإمام البنا رضي الله عنه الرحال منذ طفولته المبكرة في مروج التصوف، فصحب السادة الحصافية رضي الله عنهم، واجتذبته حلقة الذكر، وأُعجب أيما إعجاب بشيخ الطريقة الحصافية حسنين الحصافي رحمه الله، كل ذلك يذكره في مذكراته.

يقول الأستاذ المرشد عبد السلام ياسين حفظه الله: “لقي الطفل حسن البنا الإخوان الحصافية وهو في الثانية عشرة من عمره في المسجد، فاجتذبته حلقة الذكر (بأصواتها المتسقة ونشيدها الجميل وروحانيتها الفياضة)، واجتذبته سماحة الشيوخ الفضلاء والشباب الصالحين وتواضعهم فواظب على حلق الذكر، وقرأ مناقب شيخ الطريقة الذي مات قبل ذلك بثمان سنوات فأُعجب بسيرته غاية الإعجاب (…) ويرى البنا رؤيا يقصها بطولها (مذكرات الدعوة والداعية ص12)، يجادل فيها الشيطان ويباريه حتى تلقاه الشيخ الجليل في صدره واحتجزه وطرد الشيطان. ولازم البنا الطفل قراءة الوظيفة الحصافية ومصاحبة الإخوان الفقراء…”(1).

آهٍ كم فرطت الحركة الإسلامية في عالم الغيب، أو روزنامة الغيب كما يسميها الإمام عبد القادر الجيلاني قدس الله سره، فهاهو ذا البنا يقصّ الرؤيا بطولها. الرؤيا الصالحة يراها العبد أو ترى له، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجمع صحابته بعد صلاة الصبح ويستقبلهم بوجهه الشريف قائلا: من رأى منكم رؤيا فليقصها علينا، فيعبرها لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهل نستقبل وجوه بعضنا البعض ونتحاكى روزنامة الغيب، أم أننا لا خبر عنه مقطوعون محجوبون؟ فكيف تستقيم الإرادة ويستقيم العمل؟ آهٍ كم نحن حزينون على ابن الحركة الإسلامية المسكين، شباب كله توقد وعزيمة، لكن من يأخذ بيده؟ من يصحب؟ من يدله على الله؟ كان الله في عونه.

هذه الروحانية التي يبحث عنها الشباب تلقاها الإمام البنا رضي الله عنه مبكرا رفقة أهل الله الذاكرين، وهو ما حاول أن يبثه في برامج الجماعة ومناهجها اعترافا بالجميل ووفاء للسادة الحصافية رضي الله عنهم، “كان رحمه الله رائدا في العمل الإسلامي، أخرجه من سبات التدين الفردي إلى آفاق التربية الجهادية والتنظيم وغشيان الساحة العامة التي كانت تحتكرها قبله الأحزاب السياسية. رائدا كان، والرائد لا يكذب أهله، والرائد الصادق إن لم تغتله المنية لا يهدي أهله لغير المربع والمرتع والمنبع. فكانت ريادة البنا رحمه الله تتطلع إلى منبع الكتاب ومربع السنة، حط هو في خاصة تربيته منذ الطفولة في مروج التصوف التي تسقى من ذلك النبع العظيم، وأراد أن يحدو بركبه الكريم خطوات جامعة. فخالفه الصوفية، وطوت من بعده جماعة الإخوان شهادته القيمة ونقده الأصيل للتصوف، نقد من ذاق حلوها ومرها، لا تخريف من يهرف بما لا يعرف”(2).

لقد وقف الأستاذ المرشد عبد السلام ياسين حفظه الله وقفات مباركات مع فكر الرجل ودعوته تبين عمق تفكير الرجل ورحمته وتواضعه وسعة اطلاعه، يا ليت الحركة الإسلامية تقف عند إشاراته، وتستوعب الدروس العميقة التي وقف عندها الأستاذ المرشد ناصحا مشفقا، منظرا لغد إسلامي مشرق قريب بإذن الله عز وجل، وكم أقف في كتاباته على حسرته وأسفه على واقع الإسلاميين، وهو الأب الحنون والمربي الحكيم.

إن سر نجاح دعوة الإمام البنا الأولى، ليس كثرة الخطب ولا الفكر الإسلامي وإنما هو صفاء قلب الرجل وروحانيته العالية المتدفقة، كل ذلك استمده واقتبسه من صحبة أهل الله الذاكرين المقبلين عليه، إنه سر الصحبة ، وهذا السر وللأسف الشديد قليل من الإخوان من يدركه، “حسن البنا أكرمه الله بمحبة أوليائه، وأجلسه في مجالس ذكره، وأيقظ فيه غيرة على الإسلام وتشوقا لموعود الله، وتوقا لنيل رضاه، فمن صحبة الأخيار انبعث في قلبه هذا الحب الإلهي الذي يغمر قلب المؤمن فيحب لإخوانه ما يحب لنفسه، ومن صحبة الأخيار توطدت في نفسه مثل الاستقامة على دين الله وإخلاص العمل له، ومن نور الأخيار اقتبس حتى أصبح لله ذاكرا وإلى دينه داعيا…”(3).

لطالما ذكّر الإمام البنا رضي الله عنه في رسائله وألح على التربية الروحية والمحافظة على الأوراد، والوظيفة الجماعية وأسس للرابطة الروحية بين أعضاء الجماعة.

إن بقاء الحركة الإسلامية بدون صحبة تدل على الله ضياع وغفلة، وتيه في ميادين الفكر والجدل، بل والعياذ بالله غياب للتوفيق والتأييد، وأخطر ما يمكن أن تبتلى به الدعوات هو غياب التأييد الإلهي.

نستمع إلى الإمام عبد القادر الجيلاني قدس الله سره: “العلماء العمال بالعلم نواب الله في أرضه، ورثوا الأنبياء والمرسلين، لا أنتم يا مهوسين، يا مشغولين بلقلقة اللسان وفقه الظاهر مع جهل الباطن. يا غلام ما أنت على شئ ! الإسلام ما صح لك! الإسلام هو الأساس الذي يبنى عليه، تقول لا إله إلا الله وتكذب! في قلبك جماعة من الآلهة، خوفك من سلطانك ووالي محلتك آلهة. اعتمادك على ربحك وحولك وقوتك وسمعك وبصرك وبطشك آلهة (…) القلب هو المومن، هو الموحد، هو المخلص، هو المتقي، هو الورع، هو الزاهد، هو الموفق، هو العارف، هو العامل، هو الأمير، ومن سواه جنوده وأتباعه”(4).

(2)

بين الإسلام الفكري الثقافي الفارغ، وبين ثرثرة الوراقين ضاعت القضية الكبرى للإنسان، ضاع لب الدين وجوهره، وأصبح طلب الكمال، ومطلب الإحسان قضايا ثانوية في اهتمامات إسلامينا المسكين ما له إليها شوق أو توق.

ألا وإن فاقد الشيء لا يعطيه، والدعاة إن هم عزفوا عن ذكر الله وعن مجالسة المساكين وعن التواصي بالحق والصبر يكونون آفة زائدة لا الشفاء المرجو كما يقول الأستاذ المرشد عبد السلام ياسين حفظه الله.

“كان أتباع البنا الأول من المساكين، من العمال والفلاحين، يبدأون بتواضع تلمذتهم للشيخ بتعلم الوضوء والصلاة ويجمعون القروش ليبنوا لله بيتا.

ولقد كاد البيت يكون أمة منبعثة لولا أن هب مترفو الفكر والمال والجاه يجرون خلف الزعيم الناجح ويرهقون جهاده. وكان رجل دعوة ليس له أن يستعمل وازع السلطان ليعيد تربية المترفين كما فعل ماو الكافر من بعده.

وكانت المطالبة السياسية بديل الأسف عن تلك التربية المتكاملة التي أنشأها مجدد هذا القرن وإمامه رضي الله عنه وجزاه عن المسلمين خيرا”(5).

إن منزلق الإسلام الفكري الثقافي، والمطالبة السياسية المفصولة عن تكامل المشروع وشمولية التربية التي آمن بها الإمام البنا رضي الله عنه ما لبثت أن سرقت الجهود وبددتها، واغتصبت تكامل التربية. إن المطالبة السياسية واجبة لكنها بدون صحبة وبدون تربية مغامرة غير محسوبة، ما تلبث أن تتحول إلى حسابات أرضية ورئاسات، يدخل على خطها أصحاب المنصب والثروات، يتحركون في آخر الركب ويلتمسون مع ذلك الصدارة والرئاسة ويفسدون العمل الصالح بنياتهم المترفة.

الصحبة هي المفتاح للخروج من ريب الممارسة السياسية إلى السلوك الجهادي المتكامل. “فمن الصحبة تبدأ الأمة المشتتة مسيرتها في اقتحام العقبة، ولا تأليف ولا توحيد يمكن في قطر من أقطارنا إلا بصحبة قوية ساطعة بأنوار الهداية، ولا وحدة بين أجزاء دار الإسـلام ما دامت تقودها أنانيات مستعـارة من دنـيا الجاهليـة”(6).

لقد جمع الإمام البنا ما افترق في غيره: الصحبة والجماعة، الخصلة الأولى التي بنى عليها الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم دعوته، وجعلها الأستاذ المرشد عبد السلام ياسين حفظه الله أولى الخصال العشر المؤسسة لمنهاج العمل وخطته، وهذا الأمر لا زال لم يرتفع إليه الوعي الديني للكثير من الإسلاميين.

إن هذا الافتراق بين الصحبة والجماعة في الممارسة الإخوانية بعد البنا هو ما ولد حيرة الكثير من الشباب الذي سمع فقط عن روحانية الإمام ولم يتيسر له أن يعيش المعاني التربوية النورانية في الممارسة والسلوك. إنه تحد كبير أمام الحركة الإسلامية أن تجمع وتجتمع لديها الصحبة والجماعة، فالنموذج النبوي كان صحبة في جماعة على مشروع جهادي متكامل.

هذه قضية كبرى يناقشها الأستاذ المرشد عبد السلام ياسين حفظه الله في كتابه التحفة: “الإحسان” ، ولعلي أعود إليها في مقال لاحق بإذن الله، إلا أنني أطرح في هذا المقام إشارات للأستاذ المرشد، وتساؤله المفتاح في هذه القضيـة الكبـرى والعويصة، يقول الأستاذ المرشد حفظه الله متسائلا: “ما العمل إذا وجدت جماعة فيها أفراد من المؤمنين يصدقون بخبر السلوك، ويتوقون إلى السلوك، ويرجون الكمال والقرب من الله ولم يوجد شيخ بالمؤهلات الموصوفة؟”(7).

نعرج جميعا مستمعين للإمام عبد القادر الجيلاني قدس الله سره ثم بعد ذلك نواصل الحديث عن الإمام البنا رضي الله عنه وأيام المأثورات، يقول الإمام: “أنت ميت القلب وصحبتك أيضا لموتى القلب، عليكم بالأحياء النجباء البدلاء. أنت قبر تأتي قبرا مثلك! ميت تأتي ميتا مثلك! أنت زمن يقودك زَمِنٌ (الزمن: المقْعَدُ)، أعمى يقودك أعمى مثلك! اصحب المؤمنين الموقنين الصالحين، واصبر على كلامهم واقبله واعمل به وقد أفلحت. اسمع قول الشيوخ واعمل به واحترمهم إن أردت الفلاح”(8). اللهم ارزقنا محبة أوليائك والأدب معهم وتوقيرهم، فإن من حُرِم الأدب حرم الوصول.

(3)

جاء الشيخ سعيد حوى أسعده الله وهو من سيطر عليه ظل الإمام البنا رضي الله عنه فكتب كتابات في التربية الروحية، وإحياء الربانية محاولا الإجابة عن تساؤل ظل يؤرقه ويؤرق الكثير من العاملين في الدعوة، وهو: كيف تستعيد الجماعة روحانية الإمام البنا؟ والتي كانت أساس البناء ومنطلق البداية الصحيحة.

يقول الأستاذ المرشد عبد السلام ياسين حفظه الله مقيِّما لاهتمامات الشيخ السعيد وانشغالا ته: “اقترح الشيخ سعيد في أحد مؤلفاته اللاحقة جمعية تضم الربانيين في تنظيم خاص، ووضع لهذه الجمعية قانونا من بضع وثلاثين بندا، ووضع لوائح تنظيمية لها، وبرامج تعليمية، لتكون لهذه الجمعية جامعة يفيض إليها الدعاة جميعا ويصدرون عنها وتلفهم ويلتفون حولها، من سلفيين وإخوانيين وغيرهم من فئات العاملين.

المشكل صعب عويص. المشكل تربوي نوراني نوعي قلبي، لا تفيد اللوائح الكمية التنظيمية الفكرية فيه. المشكل أساسا هو كيف تجتمع في القيادة، في شخص واحد أو أشخاص، الربانيـة والكفـاءة الجهاديـة الحركيـة كما كانت مجتمعـة في البنا رحمه الله”(9).

أن تجتمع في القيادة الربانية والكفاءة الجهادية هو ما يبحث عنه الأستاذ المرشد عبد السلام ياسين حفظه الله وهذا لا يتأتى بكثرة الاطلاع ولا بتأسيس الجمعيات ذات القوانين الأساسية والمراحل المتعددة، إنما يتأتى بصحبة المجددين الذاكرين المذكرين، لا تعتقد أن القوالب المغلقة وقراءة الطروس تنتج تربية وسلوكا ما لم ينهض بحالك ولي مرشد عارف بالله وهو أمر لا زال العاملون في حقل الدعوة لا يريدون الاعتراف به واقعا مرا، ويحفرون المتاريس من دونه، وإلى حين تتجاوز الربانية التي يبشر بها الأستاذ المرشد حفظه الله خطوط التماس، ليخمدَ اتقاد الوسواس ، وتطيب بذكر الله الأنفاس، لا نملك إلا أن نصيح: من هنا الطريق من هنا البداية.

إن حضور التبرك عند الشيخ سعيد أسعده الله في كتابه (تربيتنا الروحية)، والتبركُ غير السلوك، فالجماعة المجاهدة ينبغي أن تصحب وليا مرشدا عارفا بالله حيا غير ميت، فالتبرك كما يقول الأستاذ المرشد حفظه الله: سجادة ومجلس كان يتصدره الشيخ المؤسس، فلما توفاه الله جلس مجلسه على سجادته “وارث” من أبنائه الدينيين أو الطينيين واستمر في تقليد الأب الروحي للجماعة، وحافظ على التقاليد، واجتهد داخل المذهب التربوي، واتخذ لمن معه سقفا بشريا بينه وبين الله ورسوله، وحرص ألا يُزاد حرف على “وظيفة” الشيخ الراحل وأذكاره. وهكذا تكونت مدارس وطرق في طيها العارفون بالله أحيانا، وفي طيها المريدون، وفي طيها أصحاب الأحوال والكرامات، وفي طيها كل شئ إلا التجديد الذي مات مع الشيخ رحمه الله”(10).

إن الانغلاق التبركي الذي يتحدث عنه الشيخ سعيد حوى أسعده الله لن يحقق بناء ولن يؤسس لسلوك، ويبقى البناء على الأسس المحمدية هو الضامن وهو العاصم من الزلل والانحراف.

يقول الإمام عبد القادر الجيلاني قدس الله سره: “يا قوم! متى تعقلون! متى تدركون الذي أشير إليه! طوفوا على من يدلكم على الحق عز وجل. فإذا وقعتم بهم فاخدموهم بأموالكم وأنفسكم. المشايخ الصادقون لهم روائح، لهم علامات ظاهرة نيرة على وجوههم، ولكن الآفة فيكم وفي بصائركم وفي أفواهكم السقيمة. ما تفرقون بين الصِّدِّيقِ والزنديق”(11).

“الغافلون عن الله المنتمين للإسلام حاموا حول الورد وما وردوا، وكانوا كمن جيئ به إلى المرعى الخصب فشرد إلى السراب، من يعزيهم في مصابهم؟ بل من يعزي الأمة في مصابها بهم؟ من يصفي شراب الأمة الذي يقدمونه في كتبهم ومحاضراتهم ومهاتراتهم مشوبا مقلوبا؟

من يشفي مريضنا في بيت الدعوة والأطباء كثروا فما وجدوا يدا تُسعف؟ من يصافي؟ من يعافي؟ الأطباء بارزون في العراء، ضاحون في الخلاء والملاء، مدحورون أو داحرون في الجدل والمراء!

وامصيبتاه! واحزناه! واإسلاماه! واإيماناه! وإحساناه! واديناه! وامحمداه!

حزن من أين لنا به ونحن لا نشعر حتى بأن هناك مكانا للحزن”(12).

حفظك الله من رجل، وأنعم به من حال وسلوك كان ولا يزال وسيظل بإذن الله عز وجل على قدم الاتباع الكامل للسنة النبوية المحمدية.

(4)

يقول الإمام الرفاعي قدس الله سره: “الأولياء قناطر الخلق، يعبر الموفقون عليهم إلى الله تعالى، هم العاملون المخلصون الخالصون(13).

لقد كانت روحانية الإمام البنا رضي الله عنه وهو حي يرزق آية من آيات الله، ونهوض الأمة من كبوتها رهين بتجدد إيمان الدعاة وتجديد الإيمان شروطه معروفة:

1- صحبة المجدد.

2- الإكثار من قول لاإله إلا الله.

3- الدعاء.

ألا وإن سكوتَنا عن المطلب الإحساني الرباني مؤامرة خطيرة، ومحاباة لفقه نفطي، وإسلام فكري ثقافي ممزوج لا تعرف له قبيلا من دبير، ولا يزال سلوك الإمام البنا وجهاده رضي الله عنه يصرخ في إخوانه وأبناء الحركة الإسلامية المباركة أن بداية طريق الدعوة الموفقة صحبة في جماعة. يقول الأستاذ المرشد عبد السلام ياسين حفظه الله مبشرا الأجيال المتعطشة للصحبة والذكر: “ألا وإن أولياء الله ما فتئ يصطفيهم ويأذن لهم في الدعوة إليه، فإنه عز وجل لا يشفع عنده إلا بإذنه، وإن هذه الأمة ما عقمت أن تلد لنا قائدا مجاهدا يؤم صلاتنا وجهادنا فيكون قبلة الأنظار والأفئدة يرفع لنا اللواء ونؤمن بربنا وموعوده فتُفتح لنا أبواب السماء، ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله ينصـر من يشـاء وهو العـزيز الحكـيم”(14).

من هو؟ ابحث عنه؟ واسأل الله أن يعرفك به، فهو جواد كريم لا يخيب من دعاه ورجاه.

فكيف تحلو الحياة، بل كيف تُحتمل لحظة؟ وأنا لا أعرف ما اسمي في الملكوت! كيف أُسوف رحيلي إلى ربي وتوبتي الكلية، ورجعتي إليه، وهو سبحانه يتحبب إلي وينادي ويعد ويبشر.

كيف يمضي الإنسان عمره في مضغ الكلام، وهو لم يظفر بالكنز: الوارث الكامل المُكمِّل لا حد لحسرته! لا حد لإفلاسه! ولمثله يقال:

دع المكارم لا ترحل لبغيتها *** واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي

يقول الأستاذ المرشد عبد السلام ياسين حفظه الله في ديوانه “شذرات”(15):

هذي يدي فاقبلوني في رياضكم *** لعل ذكـر إلهي مذهب سقمـي

عَلِّي أروي غليلي من حياضكم *** وأقبس النور كي تُجلى به ظلمي

عسـى نسائم طهر من جنابكم *** تُحيي فؤادا مواتا عُـدَّ في الرمـم

هذا مغزى مقالنا بإيجاز، ومن أراد المزيد فليسأل عن إخوة العدل والإحسان وأخوات العدل والإحسان فلطالما بقيت كتابات الأستاذ المرشد عبد السلام ياسين حفظه الله في أسر الكبت الظالم الغاشم.

اللهم إنا نسألك أن ترزقنا محبة المؤمنين، ورحمة العالمين، سبحانك سبحانك جل ثناؤك ولا إله غيـرك.

المنابع:

1- الإحسان (2/338).

2- نفسه (2/339).

3- الإسلام بين الدعوة والدولة: المنهاج النبوي لتغيير الإنسان ص377.

4- الفتح الرباني ص74.

5- الإسلام غدا: العمل الإسلامي وحركية المنهاج النبوي في زمن الفتنة، ص456- 457.

6- نفسه ص53.

7- الإحسان (1/248).

8- الفتح الرباني ص248.

9- الإحسان (1/242).

10- نفسه (1/243).

11- الفتح الرباني ص96.

12- الإحسان (1/314).

13- البرهان المؤيد ص76.

14- الإسلام غدا ص142.

15- شذرات ص17