منهاج النبوة:

قال الله تعالى يخاطب رسوله محمدا صلى الله عليه وسلم: (وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه. فاحكم بينهم بما أنزل الله. ولا تتبع أهواءهم عما جاءك من الحق. لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا). (سورة المائدة، الآية: 48) قال ابن عباس رضي الله عنهما: “الشرعة ما ورد به القرآن، والمنهاج ما وردت به السنة”. أنزل الله الكتاب بالحق وبلسان عربي مبين. والشرع والشريعة والمنهاج في لغة العرب بمعنى الطريق. وبين أيدي المسلمين وفي صدورهم آيات الله يتلونها ثم لا تترجم أعمالا. بين أيديهم سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم يحبونها و يقرأونها ويعجبون ويحنون، لكن لا يسلكون كما سلك صلى الله عليه وسلم وصحبه مسلك الجهاد الذي سما بهم إلى ذرى الإيمان والإحسان تربية ورفعهم إلى الخلافة في الأرض تنظيما ودولة.

المسلمون بحاجة اليوم لاكتشاف المنهاج النبوي كي يسلكوا طريق الإيمان والجهاد إلى الغاية الإحسانية التي تعني مصيرهم الفردي عند الله في دار الآخرة ، وإلى الغاية الاستخلافية التي ندبوا إليها ووعدوا بها متى سلكوا على المنهاج واستكملوا الشروط.

إنه طريق واحد يسمو به العبد إلى الوقوف، بل السجود، بين يدي ربه متذللا مطيعا باذلا ماله ونفسه في الله، وتسمو به الأمة من كبوتها، واستعباد الأعداء لها في الأرض، وذلتها في نفسها، وتخلفها الحضاري والاقتصادي والعسكري، إلى حيث تنال شرف وراثة من خاطبه الله في هذه الآية من سورة المائدة بأن يحقق هيمنة القرآن على كل فكر، وأمر الله على كل أمر، و حاكمية الله على كل حاكمية.

ما هو منهاج المسلمين؟ ما هو طريقهم على معارج الكتاب والسنة، لكي لا يبقى التعبد القابع في مساجد الركود منفصلا عن الحياة العامة للأمة، ولكي يكون الإقبال على الله عز وجل هو نفس الجهاد ولب الجهاد، لتكون كلمة الله هي العليا في الأرض؟

هذا كتاب الله بين أيدينا وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم متألقة في الصحائف وفي ضمائرنا، وفيهما الحق كله. فكيف نفعل لنترجم الكتاب والسنة برنامجا عمليا يحيي العبد بالإيمان ويحيي الأمة المخاطبة في القرآن بياأيها الذين آمنوا حتى تلبي هذا الخطاب، وتنفذ ما يأتي بعده في آيات الله من أوامر إلهية تريد منا الطاعة لله والاتباع لرسوله لا الانهزام أمام الطاغوت، تعدنا إن أطعنا الله واتبعنا رسوله أن نكون أئمة الأرض؟

كلمة “منهجية” التي تترجم معنى أجنبيا تفيد تنظيم أفكار موجهة وطرائق عملية لاستنباط فكري أو تحليل علمي أو تطبيق في حياة الناس. ونفضل كلمة “منهاج” القرآنية النبوية لندل بها لا على وساطة المنهاج من حيث كونه جسرا علميا بين الحق في كتاب الله وسنة رسوله وبين حياة المسلمين فقط، بل لنربط به معاني التمسك الصارم بأمر الله في كتابه، ومعاني الاتباع لسنة رسوله صلى الله عليه وسلم في السلوك الفردي والجماعي، الخاص والعام، النفسي والخلقي واليومي، العبادي والاجتماعي، السياسي والاقتصادي، الرباني في كلمة واحدة. ولا يعني هذا أن نربي وننظم جماعة تنظر إلى ماضينا المجيد تحت راية محمد صلى الله عليه وسلم وخلفائه المهديين الراشدين وتقعد مع الأحلام، بل يعني تهييء جيل وأجيال من بعده صالحة لخلافة الله ورسوله في الأرض على نسق التربية والجهاد النبويين، ولهدف إعادة الخلافة على منهاج النبوة بعد الحكم العاض والجبري اللذين داما قرونا طويلة.

نجد كلمة منهاج مقترنة في موعود رسول الله صلى الله عليه وسلم وبشارته لنا بكلمة نبوة. فهو منهاج نبوة، وهو المنهاج النبوي، منهاج تربية وتنظيم جهادي، تعرضا واستعدادا لإقامة الخلافة الإسلامية التي يرضى الله عز وجل عن كل منا إن بذل قصارى جهده لإقامتها على المنهاج الواضح والنموذج المنير، منهاج رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي قال فيما رواه الإمام أحمد عنه بسند صحيح : “تكون النبوة فيكم ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها. ثم تكون خلافة على منهاج النبوة فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها. ثم تكون ملكا عاضا، فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها. ثم تكون ملكا جبريا، فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها. ثم تكون خلافة على منهاج النبوة. ثم سكت”.

الملك العاض الذي يعض على الأمة بالوراثة وبيعة الإكراه مضى وولى. والمسلمون اليوم تحت القهر الجبري أي الدكتاتوري بلسان العصر، ولهو أفظع من العاض، لأن الجبر إن كان يلوح بشعارات الدين كما كان يفعل الملك العاض فقد أفرغ أجهزة الحكم والإعلام والتعليم وأفرغ قوانين الحكم من كل معاني الإسلام. وإن هذه الأمة المغلوبة على أمرها بحاجة لمن يربي وينظم جيلا يحرر الأمة من ربقة الجبر الملحد أو المستتر تحت شعارات الإسلام، ويقيم للأمة دولة الخلافة الموعود بها عموما في آيات استخلاف المؤمنين المستضعفين في القرآن، المنصوص عليها في سياق تاريخي في هذا الحديث النبوي المشرق الذي نضعه بين أعيننا رجاء يقينيا، ونورا هاديا، ونداء غيبيا وتاريخيا، قد أخذت الأمة تسمع له، وتنتفض تلبية له بما يؤيد الله به عباده من نصر أخذت تباشيره تجلو عنا غسق الفتنة وظلام الجاهلية المحيط.