لجأت إليك يا رب، العفو لديك يا رب، لجأت إلى جنابك العظيم، ولذت بعفوك يا رحيم، لجأت إليك، فلا منجى ولا ملجأ منك إلا إليك، لجأت إليك من ضنك الدنيا وضيق الحياة، من هوس العالم وتكالب الطغاة، أخرجني ربي من عبادة نفسي ومن الخوف من العباد إلى جميل رحمتك وواسع فضلك، يا رب العباد. فكأني بك يا حبيبي يا خالقي تناديني، وتنادي كل من ضاقت به الدنيا من شباب الأمة وشيبها، من ذكورها وإناثها، بل من شباب العالم من بني الإنسان.

“يا عبادي كلكم ضال إلا من هديته فاستهدوني أهدكم”.

علمتني إلهي أن الهداية شرح الصدور للإسلام “فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام” وعلمني حبيبك ومصطفاك عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم، أن الشرح نور يقذفه الله في القلب، وعلامته التجافي عن دار الغرور والإقبال إلى دار الخلود.

إنك أيها الإنسان تحمل في صدرك أسباب سعادتك، تحمل قلبا وروحا تحمل فطرة تروم صلاحا، يجلس في قلبك ملك للرحمان بيدك إيقاظه وإكرامه، ويجثم فيه شيطان بيدك قمعه وإلزامه. فكن للفطرة الكمينة في قلبك موقظا، ولروحك مطهرا ومسعدا. وذكرها بالله، وحببها في الله إنه ينادي:

“يا عبادي كلكم ضال إلا من هديته فاستهدوني أهدكم”.

فتح الله عز وجل كتابه بفاتحة الكتاب، وجعلها أم القرآن فهي إذن أم كل خير. وأمرنا أن نناجيه بها في الصلوات، وأن نسعد بها في الخلوات والجلوات. وجعل فيها “اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم” فكن حريصا على من أنعم الله عليهم، وتشبث بصراطهم، فإن النعمة الكاملة عند صحبتهم. ليسوا بضالين، ولا مغضوب عليهم. نجاتك من الضلال، ومفازتك من غضب الله رهينة بأن تحيى معهم، وتأنس بالله بحبهم فلا تبرح مجالستهم وقال تعالى: “واتبع سبيل من أناب إلي” وقال:

“يا عبادي كلكم ضال إلا من هديته فاستهدوني أهدكم”.

لا يستخفنك الذين لا يوقنون، ولا تيأس من روح الله وتقل: أين أنا من الصلاح والفلاح؟ أين أنا من الذين أنعم الله عليهم؟.

انظر إلى العالم من حولك تجد الشباب الطاهر الناشئ في عبادة الله الذاكر الله وسط الغافلين، القائم بأمر الله. فلا تتردد في أن تكون منهم.

اقتحم عقبة الإعلام المضلِّل الذي يصف الطاهرين بشتى النعوت والألقاب، واقتحم عقبة الخوف القابعة في ضميرك بفعل الفاعلين وظلم الظالمين ووسوسة اللعين نعوذ بالله. “فلا اقتحم العقبة”، هي كؤود إلا على من صمم على الاقتحام، وعزم على حسن الاعتصام، ثم كن من الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالصبر وتواصوا بالمرحمة.

“يا عبادي كلكم ضال إلا من هديته فاستهدوني أهدكم”.

فإذا أنعم الله عليك لحسن الدعاء وجميل الطلب، ومن بالهداية وحقق الرجاء وسلمت من الغضب، وذقت حلاوة الإيمان وتشربت حسن الأدب. وأدركت معنى محبة المومنين وبطل العجب، فعليك بالإنفاق مما ملكك وأعطاك الله وحباك الله “لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون”.

تحب النجاة فقد نجوت من الفتن والضلال، فأنفق يا أبن آدم ينفق الله عليك.

تحب ذكر الله وتخاف الله. فقد أنست بذكره وطاب قلبك بفضله، فأنفق ينفق الله عليك.

أنفق في أسرتك حسن السلوك، ولين الجانب، وجميل المعاشرة ينفق عليك.

أنفق في حيك ابتسامة الهداية، وحنة الأبوة، ورحمة الشفيق ينفق عليك.

أنفق في عملك جد العزم، وروح الحزم وإخلاص الهم ينفق عليك، فإن الكريم ينادي: “يا عبادي إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها، فمن وجد خيرا فليحمد الله عز وجل ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه”. فإذا تمت النعمة، وقُبلت النفقة، وزادت المنة. تذكر من علمك وصل عليه، صل على معلم العالمين الخير. صل على الذي علم من علمك، وله أجر كل من علمته خيرا، أو علم بعدك برا.

اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد.