في عددها 7006 و7007 ليومي الأربعاء والخميس 9 و10 نونبر 2004 نشرت جريدة الاتحاد الاشتراكي عرضا للسيد فتح الله ولعلو وزير المالية والخوصصة قدمه في الندوة الوطنية لقطاع المحامين الاتحاديين ضمنه تحليلا وإحصاءات ومعطيات تختزل المجهود الحكومي والإنجازات الحاصلة والتطور الملحوظ ووتيرة النمو التي تجاوزت التوقعات، وهذا ما يفسر اختياره جملة “المغرب يتقدم” كعنوان لعرضه.

وقد أذكى فيّ آنذاك عرضه القيم، وهو قيم على كل حال من خلال ضبط أرقامه وتسلسل أفكاره، الرغبة في التعليق، ولكن شغلتني عن ذلك شواغل قدرت أنها أولى من الانشغال بالرد على خطاب صار ممجوجا لدى الخاص والعام، ولم تعد حيله تنطلي على أبسط المواطنين، إضافة إلى محدودية تأثيره.

غير أن تقريرا جديدا صدر مؤخرا عن برنامج الأمم المتحدة من أجل التنمية حول مؤشر التنمية البشرية صنف المغرب في الرتبة 125 من أصل 177 بلدا، ولمن لا يعرف فهذا المؤشر يعتمد قياس الأمل في الحياة ومستوى الدخل والتعليم، وقد جاء المغرب متأخرا عن بلدان عربية جارة مثل ليبيا (58) وتونس (92) والجزائر (108) ولم يتقدم فيما يخص البلدان العربية إلا على السودان واليمن وموريتانيا. وللإشارة فالمغرب لم يغير هذا الترتيب منذ مدة.

لاشك أن المطلع على هذا التقرير يلحظ تناقضا بين خلاصاته وبين الخطاب الرسمي، وخطاب السيد فتح الله ولعلو السابق عينة منه فقط. فمن نصدق؟ ومن نكذب؟ وهل المشكل في المقاربة المعتمدة من قبل كلا الطرفين؟

فمنذ مدة ونحن نسمع عن الأوراش المفتوحة، والخطط المطروحة، والبرامج المصادق عليها، والاعتمادات المرصودة، والجهود المبذولة، والخطوات المنجزة، ومنذ مدة ونحن نبشر بالفتح القريب والحل الأمثل والنهاية السعيدة، بل في كل مرة نسمع خطابا وتقدم لنا إحصاءات تفيد بأن ثمة تقدما، ولكننا لا نلمسه، ولا نرى له أثرا، ولا نشم له رائحة كما لا نتذوق له طعما، ثم سرعان ما نفاجأ بمعلومات أو معطيات أو إحصاءات أو تقارير تنبؤنا عن حقيقتنا التي لا هم للبعض إلا طمسها من أمامنا، وتبصرنا بعيوبنا “ورحم الله امرؤا أهدى إلي عيوبي”، فهذا تقرير حول مؤشر التنمية البشرية، وذاك تقرير عن حقوق الإنسان، ثم تقرير عن الفقر، وآخر عن الأمية، وبعد تقرير عن البطالة .. وكلها سواد في سواد، وخراب في خراب، وجميعها يشير إلى اختلالات وثغرات ويدق ناقوس الخطر. ومسؤولونا يعتبرونها إيجابيات ويخلصون منها إلى أن المغرب يتقدم!! من نصدق إذن؟

هل نصدق أرقام فتح الله ولعلو، وتطمينات بوزوبع ووعود جطو، أم نصدق حقائق الواقع المتمثِّلة في عزلة العالم القروي، وقلة الماء الشروب وتفشي البطالة والأمية ومعاناة المواطنين وفشل التعليم والقائمة يستحيل حصرها ولا تكفي صفحات لعرضها.

قد تكون تلك الأرقام والإحصائيات صحيحة، وقد يكون أصحاب تلك الوعود والمبشرات صادقين، وقد يكون الحديث عن البرامج والخطط صحيحا، ولكن ماذا ينفع الناس من هذا وذاك؟

إن الإنسان هو الأساس، وإن الحقيقة ما يُرى لا ما يُسمع، وإن التقدم يقاس بما تقدمه هذه البرامج والخطط من مكاسب للإنسان، ولذلك فمؤشر التنمية البشرية هو الأصلح لقياس التقدم التنموي بالبلاد، وهذا ما خلص إليه الجميع، فالدول تقسم إلى متقدمة ومتأخرة بالنظر إلى ما تقدمه من معنى ومن نوعية حياة للإنسان وليس بالنظر إلى ما تراكمه من أموال وما تنجح في تحصيله من معدلات. ونحن بهذا المعيار متخلفون لا يجادل في ذلك إلا من يعيش في مغرب آخر صنعه لنفسه وتقوقع داخله، ويكفيه جولة واحدة في الأماكن الشعبية أو المستشفيات أو الأسواق أو القرى .. ليرى الحقائق المرة.

إننا متخلفون ولا ضير في ذلك لأنه واقع لا يجب أن نهرب منه، ولكن علينا العمل على الخروج منه، وأول ذلك توزيع عادل لثروات البلاد، وقطع مع كل مظاهر الفساد، وإعطاء معنى وقيمة للإنسان.

بدون ذلك نبقى هملا متسكعين في عالم يتحول بسرعة، ويوشك هول هذا التحول أن يجرفنا إلى حضيض الحضيض ولا حول ولا قوة إلا بالله.

لا يسعنا إلا التوجه إلى الله عز وجل بأن لا يعذبنا بما فعل السفهاء منا وأن يبرم لنا أمر رشد يذل فيه المفسدون ويعز فيه المصلحون.