خلال صيف 1998 كان مخيم أبو النعائم قد ضم حوالي 30 ألف مصطاف، وكانت التجربة فريدة من نوعها في العالمين العربي والإسلامي.. وفي العام الموالي انتقلت التجربة الفريدة من شاطئ أبو النعائم إلى شاطئ لغويرگات بالجديدة، ثم إلى مجموعة شواطئ مغربية أخرى شمالا وجنوبا، بحيث عاش المغرب آنئذ على إيقاع 6 مخيمات شاطئية ملتزمة تشرف عليها جماعة العدل والإحسان.. إلا أن السلطات رأت في ذلك “خطرا إسلاميا”، وقررت في صيف عام 2000 منع قيام هذه المخيمات.. الأمر الذي جعل “العدل والإحسان” تتخذ حينها قرار النزول إلى الشواطئ العادية مع باقي فئات الشعب، فكان صيف القمع والاعتقالات والمحاكمات شكل حدثا وطنيا ودوليا بامتياز..

شاطئ أبو النعائم المحاصر..

منطقة تبعد بحوالي 60 كلم من البيضاء في تجاه أزمور على الطريق الساحلي، هي اليوم عبارة عن مخيم محروس وتحت رقابة أعين السلطة.

بالأمس القريب، كانت منطقة أبو النعائم عبارة عن مصطاف بديل يمنح لكل مواطن السكينة والراحة النفسية والروحية، وكان الزائر للمخيم يجد نفسه أمام مجتمع إسلامي ينشد تحقيق معاني الإيمان والإحسان، وذلك بحفاظه على المبادئ التربوية الإسلامية، وباحترامه للشعائر الدينية جنبا إلى جنب مع مختلف الأنشطة التي تروم الترويح عن النفس ومنح الجسد ما يستحقه من الراحة والاستجمام..

حين تجوالك على طول الشاطئ كانت تواجهك لافتات عليها آيات تذكرك بعظمة الخالق سبحانه وتعالى، وكانت تتراءى لك الأحاديث النبوية الشريفة التي تحيي فيك روح البذل والعطاء، وعلى طول الشاطئ كانت مكبرات صوت تصدح بنفحات أريج الطيب وسط برامج ثقافية وتربوية وترفيهية هادفة..

لقد كانت مساحة شاطئ أبي النعائم تناهز الأربعة كيلومترات، وكانت بمثابة مدينة شاطئية نموذجية أظهرت مدى إمكانية تحقق الالتزام بالأخلاق الإسلامية حتى في الشاطئ.. حيث كان للتربية في المخيم دور أساسي كما للترفيه، فكان التكامل بين التربية والترفيه يتوج بمسابقات تثقيفية هادفة، وبإلقاء محاضرات تتحدث في جميع مناحي الحياة، الأمر الذي كان يعطي للمصطاف حينها نكهة خاصة للاصطياف.. التجربة التي عممت على 6 مخيمات أخرى في العام الموالي، تلك التي رأت فيها السلطة حينها أمرا خارجا عن المألوف، وجاءت التعليمات بمنع المخيمات الملتزمة!

للتذكير فقط.. “حرب الشواطئ”

بعد منع السلطات جماعة العدل والإحسان من إقامة مخيماتها الشاطئية، تم التفكير في صيغة جديدة تمثلت في تنظيم خرجات يومية وأسبوعية إلى الشواطئ العمومية المتواجدة بكل المدن المغربية كان أهمها الدار البيضاء بشاطئيها عين السبع وعين الذئاب، مدينة الجديدة، والمهدية بالقنيطرة، وتطوان وأگادير.. بينما أصبحت منطقة أبو النعائم مطوقة بقوات الحرس المتنقل وقوات الدرك التي كانت حينها تراقب كل ذي لحية وكل ذات حجاب، وبالتالي منعهما من وصول منطقة طريق أزمور..! فتم الإعلان الرسمي من طرف الدولة عن “حرب الشواطئ” في مواجهة العدل والإحسان..

مع بداية شهر يوليوز من العام 2000، وهو الشهر الذي كانت تنطلق فيه المخيمات الملتزمة، وبعد المنع المباشر للسلطات المغربية لهذه المخيمات، جاءت تذكرة المصطاف الموجهة من مجلس إرشاد جماعة العدل والإحسان إلى أعضاء الجماعة، حيث أكدت على ضرورة الالتزام بالغرض الذي من أجله يكون الذهاب إلى

الشاطئ: “الترفيه عن النفس والرغبة في الاستجمام”، وأكدت المذكرة على ضرورة الحرص على راحة المصطافين واحترام قناعاتهم، وضرورة تجنب المنفر من الهيئة واللباس والمستفز من الكلام، والتزام اللين والرفق المعهودين في أعضاء جماعة العدل والإحسان، والدعوة بالحال قبل المقال، وبحسن الخلق ومراعاة الذوق واللباقة، وتجنب الشعارات والمسيرات داخل الشواطئ، وأن يتجنب العضو في العدل والإحسان الرد على ما قد يصدر من عناصر السلطة، والحرص على نظافة الشواطئ وأن يجعل كل عضو في الجماعة اصطيافه مناسبة للتواصل والتعارف وتقديم يد المساعدة إلى كل من يحتاجها رجالا ونساء وأطفالا، وأن يتذكر العضو قوله تعالى: “إن الصلاة كانت على المومنين كتابا موقوتا”، وقول المصطفى صلى الله عليه وسلم: “جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا”..

وبدأت العدل الإحسان في تنظيم خرجات لأعضائها إلى الشواطئ العادية الموجودة وسط المدن، إلا أن السلطات لم تتقبل الأمر وبدأت حينها التعزيزات الأمنية والتدخلات والاعتقالات والمحاكمات في بعض المدن، بينما بقيت سلطات الدار البيضاء تراقب شاطئ عين الذئاب وشاطئ النحلة نظرا لموقعهما الاستراتيجي بالنسبة للمدينة.. فكانت الأجواء عادية جدا بكلا الشاطئين، وكانت المراقبة حاضرة على جميع الأصعدة، سواء بواسطة سيارات الإسعاف التي كانت تجوب الشاطئ، أو بواسطة رجال الأمن بالزي العادي.

مقابل ذلك، عرفت منطقة المهدية أحداثا مؤسفة جعلت الإعلام آنئذ يتحدث عن “حرب الشــواطــئ”، حيث بدأت عمليات القمع والاعتقالات، بل والمحاكمات بسبب ارتياد الشاطئ! فكان من الطرائف أن باشا مدينة القنيطرة حينها قام باستدعاء أعضاء جماعة العدل والإحسان بالمدينة وأبلغهم أمر الوالي القاضي بعدم السماح لهم رجالا ونساء وأطفالا بالنزول إلى المنتزهات والمصطافات العمومية، مع تحمل كامل المسؤولية فيما قد ينجم عن ذهابهم إلى الشواطئ!!!

السلطات تمنع الصلاة في الشواطئ!

من مميزات المخيمات التي كانت تقيمها جماعة العدل والإحسان هي إقامتها الصلاة في أوقاتها.. وبعد المنع الذي لحق تلك المخيمات، حافظت العدل والإحسان على نهجها التربوي الإيماني، وكانت الصلاة حاضرة حتى في الشواطئ العمومية التي كانت تنزل بها، الأمر الذي استفز السلطات وكان حدثا بالنسبة لجميع وسائل الإعلام في تلك الفترة..

لقد نزلت التعزيزات الأمنية وبدأت المضايقات والمتابعات من أجل الصلاة في الشاطئ لأنها فـتـنـة!! ولعل تصريح الميداوي وزير الداخلية وقتها، كان واضحا عندما قال: “… والذي أراد أن يعبد الله فليذهب إلى منزله أو إلى المسجد أو يختلي بنفسه لعبادة الله (…)”. فنزلت قوات التدخل السريع في مدينة الجديدة وفي تطوان مدججة بالعصي أمام كل المصطافين من أجل تنفيذ التعليمات..!

العدل والإحسان تفوت الفرصة على أصحاب الخيار الأمني.

مع حلول صيف العام الموالي، وبينما كان الجميع ينتظر نزول العدل والإحسان إلى الشواطئ، قرر مجلس الإرشاد من خلال بيان له صدر في 30 يونيو 2001 “تفويت الفرصة على أنصار

الخيار الأمني”، وأكد البيان قرار الجماعة بعدم النزول إلى الشواطئ العمومية: “.. إذا كانت الجماعة، في السنة الماضية، قد أربكت حسابات المتخبطين بمشاركتها المواطنين في الشواطئ العمومية، فها هي ذي هذه السنة تقرر إفشال ما يدبر ويخطط..”.

ودخلت الجماعة بعد ذلك في برنامج جديد يروم تربية وتكوين أعضائها داخل رباطات صيفية.

حداثة العهد الجديد..

بعد منع العدل والإحسان من الاصطياف الملتزم، وبعد الحملة التي لعب فيها أنصار الخيار الأمني دورهم الاستئصالي وبالتالي محاربتهم كل مظاهر الأخلاق والالتزام.. وبعد أحداث 16 مايو المؤلمة التي زادت من تنطع الاستئصاليين، أطلق العهد الجديد العنان لدعاة الحداثة والحداثيين، وبدعوى “الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان”… أطلق العنان لمزيد من التفسخ الأخلاقي، وإلى مزيد من الانحلال وانتشار الميوعة في شواطئنا وشوارعنا وحياتنا اليومية..

وكثرت مهرجانات ظاهرها “الترفيه” وباطنها الفساد الذي استشرى في كل دواليب العهد الجديد.. وبدأت لوبيات الحداثة تصطاد في ثوابت المغاربة المتمسكين بعاداتهم وتقاليدهم المحافظة، وسمح بالتهجم على كل ما يمت للدين بصلة، بل وبدأت أصوات أقل ما يمكن وصفها أنها مريضة وشاذة، تتعرض للعلماء وتسفه خطبهم لا لشيء سوى أنهم قالوا قول حق..” ألا إنهم هم السفهاء ولكن لا يعلمون “.