إخوتي الإسلاميين، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أرجو أن تمعنوا النظر في هذه الصفحات.

تجديد الإسلام

أخرج الطبراني بسند حسن وغيره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “إن الإيمان ليخلق (أي يبلى) في جوف أحدكم كما يخلق الثوب، فاسألوا الله أن يجدد الإيمان في قلوبكم”.

وروى الإمام أحمد بسند أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “جددوا إيمانكم”، قيل: “يا رسول الله ! كيف نجدد إيماننا؟” قال: “أكثروا من قول لا إله إلا الله”.

هذا وصف دقيق لما يعتري الإيمان من ضعف والقلوب من تنكر لقيمه، ثم وصف لما يتجدد به الإيمان من علاج يتحدد في الذكر، في قول لا إله إلا الله، لاحظ أنه قول قبل كل شيء، أي أن كلمة التوحيد الشريفة دواء للقلوب وترديده علاج ناجع لشفاء القلوب وتجديد الإيمان بها.

والحديث المشهور الصحيح في تجديد الدين هو قوله صلى الله عليه وسلم: “إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها”. رواه أحمد وأبو داود والحاكم والبيهقي والهروى في “ذم الكلام” فتجديد أمر الدين، وأهم أموره تجدد الإيمان في القلوب، لابد أن يجمع شرطين:

1. هذا الـ”من” الذي في الحديث، أي العامل البشري أي رجال الدعوة، أي طليعة الجهاد، أي أنتم يا أحبتي الإسلاميين على منابركم تقولون كلمة الحق وتدعون للحق وتبشرون بالحق، أو في سائر أوقاتكم تصبرون على أداء رسالتكم تؤلفون القلوب وتشعون الرحمة بين المؤمنين.

هذا العامل البشري قد يكون متمثلا في شخص، في عالم عامل بارز يشق الطريق ويجمع الجماعة، وقد كان سلفنا رضي الله عنهم يبحثون في كل قرن عن مثل هذا العالم البارز ليعلموا من جدد أمر الدين في عصره.

حبانا الله في هذا القرن الرابع عشر المنتهى برجال هم فرطنا على الطريق من أمثال الشيخ البنا والشيخ المودودي والشيخ سعيد النورسي والشيخ محمد إلياس والشهيد سيد قطب وغيرهم كثير والحمد لله.

فليس المهم أن نقارن ونفاضل في من سبقنا بإيمان وجهاد، المهم أن ننظر لأنفسنا ونعلم ما هي مهمتنا، وماذا ينتظر منا وقد مهد لنا أولئك الأعلام رحمهم الله طريق الدعوة المجددة، المهم أن تنبعث منا همم لتكوين هذا العامل البشري المجدد وتقويته وتنظيم جماعة المسلمين الموعودة بالخلافة في الأرض.

2. حديث بلى الإيمان في القلوب وحديث العلاج الناجع لتجديده يضعاننا أمام المهمة الأولى والمؤهل الأول للعامل البشري المحدد.

جماعة المسلمين لا وجود لها على وجه الأرض، ذلك أن دار الإسلام قسمتها الفتن التاريخية دويلات تفصل بينها حدود لا يعترف بها الإسلاميون لكنها واقع صلب ماثل في حياة المسلمين مهيمنة بما تخيله الأوهام الانفعالية المسماة قومية على حاضرنا ومستقبلنا.

الطبقة السياسية الحاكمة في بلاد الإسلام، حاشا إيران المتجددة، طبقة عينت نفسها وصية على المسلمين وتحكمت بمقاليد أمورهم تسيطر بغير رضاهم وتحكمهم بحكم الطاغوت.

وجماعات الدعوة إزاء كل هذا قلوبها متفرقة وآراؤهم غير متناسقة ومهمتها غير واضحة أمامها، كل جماعة دعوة تزعم أنها وحدها على الحق وإنها وحدها تمثل “جماعة المسلمين”، فتنظم تبعا لذلك كيانا تربطه بيعة ما حضرها ولا علمها سائر أخوتهم، فينتج التطرف والعنف وتفرقة الصف المتمزق المؤلم.

مهمتنا إذن يا إخوتي هي أن نفقه أن التجديد القائم بلسان السنة الشريفة على ركنين ثم بعد الفقه أن نتجند لتوحيد العامل البشري المجدد، هذا الـ”من” المذكور في الحديث ثم نشر الإيمان وبثه وتجديده من انكماش وغياب وبلى.

القلوب فيها تمرغ وكدر فهي بحاجة لصفاء يجمع، بحاجة لرفق يؤلف، بحاجة لأخوة تكتشف شروطها ولوازمها ومقتضياتها ونتائجها المحتملة.

في بلاد الإسلام جماعات دعوة، بعضها بلغت شئوا كبيرا في الميدان وقطعت أشواطا مهمة في تأليف نواة جماعة المسلمين بالقومة المتأججة حماسا في إيران وبالعمل الدؤوب الصابر في باكستان مثلا.

الهدف في التأليف هو قيام “جماعة المسلمين” القطرية، والغاية توحيد المسلمين على الأرض وإقامة “جماعة المسلمين” حقا. مرحلتان نركز على أولاهما.

ها نحن أولاء في المغرب مثلا لنا جماعات، فماذا تريد هذه الجماعات؟ ماذا تنوي أن تفعل؟ بأي ذهنية تواجه الواقع السياسي؟ في أي برنامج تفكر لإعادة البناء الجذري في ميادين التعليم والاقتصاد والاجتماع؟

قد يكون لكل جماعة من جماعات الدعوة إرادة ونية وذهنية ما وموقف وبرامج.

لكن أهم مهماتها جميعا أن تسعى لتكوين “جماعة المسلمين” القطرية، وهذا يقتضي علما وعملا، فقها وجهادا.

وأهم مهمات كل مؤمن داخل هذه الجماعات أو خارجها أن يسعى بكل جهده ليؤلف القلوب فهذا أول الفقه وأول الجهاد.

في المغرب يطرح علينا الصديق والمتربص بلسان المقال أو بلسان الحال هذه الأسئلة: ماذا تريدون؟ وما برنامجكم وأنتم تتحدثون عن إنشاء حزب إسلامي وعمل إسلامي في إطار ديموقراطيتنا؟ ثم من أنتم قبل كل شيء؟

الصديق المتعاطف والمتربص الكائد والعدو السافر، بل  وا أسفاه !- حتى المومن الملتزم لا يرون إلا ثياب الفرقة ورموز الخلل المذهبي: هذا سلفي وهذا صوفي وهذا إخواني وأولئك تبليغيون.

ويشاء الله عز وجل أن يبتلي المؤمنين فيجمع شمل جسومهم السجن ليكتشفوا جميعا أنهم حزب الله الذي ما ينبغي له أن يتجزأ ويتفرق.

من إخوتنا الإسلاميين من يطرح مشكل التوحيد طرحا سطحيا ومبسطا تبسيطا يفوت معه العلم وتفوت معه الحكمة والفقه عندما يقول “الكتاب والسنة جامعان” هذه كلمة العقل، وهذا موقف العقل أمام النقل موقف المتأمل الخارجي أو المبرر لنيات الله يعلمها، ذلك أن من إخوتنا من يقول هذه المقالة ليتهم كل من ليس من مدرسته وتجمعه بالخروج عن الكتاب والسنة ويطرحه بعد قفض الاتهام حيث يضع الكافرين والمنافقين.

الكتاب والسنة جامعان، لكن بأي فهم، بأي فقه، وقبل كل شيء بأية إرادة؟.

أبفهمك أنت الذي ترفض مسبقا الجلوس إلى إخوتك ممن خالفك في المذهبية أو اللامذهبية أم بفهم من يبكي على الأخوة الضائعة ويتطلع فكره لفهم الإسلام وتاريخ الخلاف ووباء الخلاف وضرورة توحيد الصف.

أبفقهك أنت الذي تحسب أنك جمعت العلم من أطرافه واختصصت بالهداية من دون الناس أم بفقه هادئ لا سلطان الهوى عليه، نير بتلقيه عن الله ورسوله الأمر الصارم الواضح الحاسم الموجه للمؤمنين جميعا أنهم إخوة وأن للأخوة شروطا وأن لا إيمان ولا جنة إلا إذا أحب المومن إخوته؟

أبإرادتك أنت الذي وضعت قدمك في ساحة الجهاد فإذا بخطوتك تتحول مع مقتضيات مهمتك وعلى ضوء فقهك وفي حدود فهمك خطوة نحو الرئاسة فلفقت التهم للناس وتنكرت لمن لا يخضع لسلطتك ومن لا يعترف بهيمنتك ولا يتبع أسلوبك، أم بإرادة من يفهم أن المهمة عظيمة هي تجديد الإسلام وإقامة دولة الإسلام في الأرض وأن إقامتها يبغي توحيد الجهد وأن الله لا يرضى إلا عمن يجمع ولا يفرق، عمن يأسو ولا يجرح، عمن يكرس وقته وماله وحياته ليؤلف قلوب المؤمنين ويشيع بينهم الرحمة والمحبة حتى ينشأ بفضل جهاده ذلك الجسم العضوي المتكامل: “المومن للمومن كالبنيان” “مثل المومنين في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد”؟.

من يجدد وكيف يجدد؟

من هو العامل البشري الذي ينبعث في أحشاء هذا المجتمع الإسلامي المفتون ليوقظ النائم ويجدد الخلق ويحيى الميت ويبجج الأوهام المفرقة.

ثم ما هو العلاج الأساسي وكيف استعماله؟

هذان هما السؤالان الأساسيان. وعليهما يدور فقه التجديد.

العناصر البشرية المتاحة من القابعين في الإسلام الفردي المنزوي عن الساحة. ومن المؤهلين بالعلم القاعدين عن العمل الكسيحي الإرادة، ومن المترددين حتى المرتدين سرا وجهرا لابد لها من قيادة تتحمل مسؤولية المستقبل.

المجتمعات الإسلامية المفتونة ضحية المتعسف والأنانيات الطبقية والذهنيات المتخلفة التلميذة للجاهلية والعادات النكراء والبدع الضالة. لابد من قيادة لتحليل وفقه الواقع ثم تهييء المنهاج المجدد وتطبيقه برنامجا ماضيا يجتث الباطل من فوق الأرض ليستقر أمر الأمة من اضطراب ويتحرر من استعباد ويستقل من تبعية على هدى الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.

هذه القيادة التي يجب أن تستعد لتحمل مسؤولية المستقبل وتطبيق المنهاج الإسلامي في الأرض هي “جماعة المسلمين”. وواجب كل مؤمن أن يركز الجهد لتكوين نواتها في كل قطر. هذا هو الواجب الأول.

مع توضيح المنهاج الإسلامي ونشره والتبشير به لابد من جمع العناصر المومنة.

يفوت إخوتنا الإسلاميين أن العلم الإسلامي والثقافة الإسلامية عامل مشتت إذا كانت القراءة العابرة الكثيرة إلى درجة الاكتظاظ لا ترجع بالمومن إلى تصحيح موقفه أمام الله تعالى، أمام أوامره ونواهيه، أمام هدي الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم وأوامره ونواهيه. وأول هذه الأوامر الجمع، ومن لا يجمع ولا يسعى لجمع فهو مهدد بالميتة الجاهلية.

يقول الله عز وجل: “إنما المومنون إخوة” ويقول: “والمومنون والمومنات بعضهم أولياء بعض”.

وإنما حرف حصر لا وجود لما تجدده وتعرفه خارج ما تحصره. وهو هنا الأخوة بين المومنين.

والولاية بين المومنين تعني التحاب والتناصر والاشتراك في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

ويقول رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما رواه أبو داود عن أبي ذر رضي الله عنه: “من فارق الجماعة قيد شبر فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه”.

نعوذ بالله ! لكن أين جماعة المسلمين التي مكان التحصن في حصن الله؟ أين حزب الله الذي قال فيه الله تعالى: “لا تجد قوما يومنون بالله تعالى واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم، أولئك كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه ويدخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها رضي الله عنهم ورضوا عنه. أولئك حزب الله. آلا إن حزب الله هم المفلحون”؟

حزب الله، جماعة المسلمين، وحدة، هي الوحدة الأساسية، هي حصن الله، هي الصف الذي يضمن لي الانضمام إليه الأمن من عقاب الله ويضمن لي الأمن الأخوي ويضمن لي النصر، حزب الله هم أهل لا إله إلا الله الناطقون بها العاملون بمقتضاها كتابا وسنة وتوحيدا، ومحبة وحاكمية.

العامل البشري، أي جماعة المسلمين، ثم كلمة التوحيد  واعكس إن شئت- هما ركنا التجديد وبابا حصن الله.

أخرج ابن النجار عن علي كرم الله وجهه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال فيما يبلغه عن ربه: “لا إله إلا الله كلامي وأنا هو، فمن قالها دخل حصني وأمن عقابي”.

ما بال جماعات الدعوة إذن لا تلتقي على كلمة التوحيد؟ ثم ما بال أحدنا يدعي الإيمان وهو يخل بشروطه الواضحة الصارمة النيرة في الكتاب والسنة؟ ألا وهي الأخوة بين المومنين ولزوم جماعتهم؟

إنه الإيمان الخلق، البالي الذي سيطر الهوى معه على قلوب كدرة ممرغة، ألا وإن العلاج الأساسي هو ذكر الله، هو قول لا إله إلا الله.

وسنرجع في افتتاحيتنا المقبلة بحول الله للموضوع طويلا لنتعلم من يجدد وكيف يجدد الإسلام. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته إفشاء السلام استمطار لرحمة الرحيم الرحمان.

إذا كان العنف على المسلمين لا يقره الشرع أصلا وإطلاقا فكيف بهذا العنف في بيت الله الحرام !

إنه منذ الحجاج الذي رمى البيت بالمنجنيق والقرامطة الذين استباحوا الحرم فيه ما سمع بمثل ما فعله هؤلاء الشباب الذين فقدوا وعيهم باسم الإسلام.

ما فعل بالدعوة الإصلاحية التي قام بها الشيخ الصالح محمد بن عبد الوهاب؟

كان لقاء بين أمير شجاع ورجل صالح اتفقا على إقامة دين الله في الأرض، لكن الدعوة ما لبثت أن ضاعت معالمها في خضم أعمال الدولة وأركانها.

كان عبد العزيز بن سعود رحمة الله يمثل شوكة الإسلام أي قوة واقعية ذات اتجاه إيجابي لبناء الإسلام.

ثم خضدت السياسة ومقتضياتها هذه الشوكة وخاب أمل رجال الدعوة وتحول البأس الذي به وطدت أركان الدولة إلى بأس يهدد النظام القائم.

إن مسألة المهدوية والمبايعة بين الركن والمقام ما هي  إن صحت- إلا حماقة مضافة إلى المشكل الأساسي وهو أن معارضة إسلامية ما وجدت كيف تعبر عن نفسها إلا بوسائل العنف وبهذه الكيفية الشنيعة التي انتهكت فيها حرمة بيت الله.

المهم لا نقر العدوان على بيت الله ولا نرضى ولا كرامة !

كيف والله عز وجل يقول عن بيت الحرام: “ومن يرد فيه بإلحاد بظلم نذقه من عذاب أليم”؟ !

ما من بقعة على وجه الأرض يكون الخاطر والنية فيها إثما إلا في ذلك البيت المعظم.

وكيف إذا تجاوز الأمر النية وأفضى إلى قتل المسلمين بغير حق !

لكن مهلا حتى نعلم أصل هذا العنف المخرب والمسؤولين عنه !

يقول الله عز وجل: “ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه”.

الخطاب لجماعة المسلمين والأعداء هم المارقون عن الدين الخارجون عن الجماعة. هل كان هذا الشباب الطائش النـزق الأرعن الذي فسق في بيت الله أشد الفسوق جماعة من الخوارج المارقين؟

عندما يثبت لنا أن ثم جماعة المسلمين أمرها بينها شورى والحاكم قائم عليها برضاها يمضي فيها حكم الله يصح وصف الفجرة في بيت الله بالخوارج والمارقين.

إن هذا الحدث الفظيع حرك أفئدة المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها، فبعد الاستنكار العاطفي الذي نشارك فيه عموم الأمة لابد لنا أن نستخلص الدرس منه ونضع الأمور في نصابها.

السيف كان الآلة الأولى في إقامة الدولة السعودية، ورفض الشرك والبدع كان الفكرة الرئيسية في حركة ابن عبد الوهاب رحمه الله.

فماذا بقي من تعاون بين تلك الدولة وتلك الدعوة؟

الإلحاد والظلم هل نعززهما اليوم للدولة أم للدعوة؟

من يصح له شرعا أن يقاتل من بتلك البقاع؟ باستثناء بيت الله الحرام الذي لا يحل فيه لأحد حتى خاطر العدوان.

إن الدولة ثم وسائر الدويلات المريضة ببلاد الإسلام أمينة على الأموال والحرم، فما بال هذه الأموال التي جعلها الله قياما للأمة تتسرب إلى جيوب سفهاء مخربين لا تكفي الكلمات لوصف فسقهم؟

منذ سنوات قليلة نشرت أدوات الإعلان الغربية أن جماعة من سفهاء البترول بذورا في ليلة واحدة على موائد القمار بمنتكرل أربعمائة مليون دولار !

مال يكفي لو دفع لحركة إسلامية كحركة أفغانسنتان التي تذبح بمرأى ومسمع منا أن يزودها بالسلاح اللازم لاستمرار الجهاد.

مال لو وضع حيث أمر الله أن يوضع في عموم الأمة عبر الحدود الجائرة الظالمة لصان الأمة من الفقر والجهل والمرض وحماها من التبعية للجاهلية.

هذا المال المبذر في أيدي السفهاء هو لعنة حلت بطبقة أثرة وبالأمة كلها من خلال تصرفاتها، والدولة مسئولة عن تسرب الأموال وصرفها في غير مصارفها الشرعية.

المغرب مثلا أصبح مفسقة بعد خراب بيروت، لعنة وفساد، نعوذ بالله !الدنيا ما خور للعربي المبذر الفاسق.

وما فظيعة انتهاك البيت الحرام إلا نتيجة لتلك اللعنة وابنة لها.

غضب الشباب وفقدوا الصواب. والمشكل مشكل قيادة ومنهاج من جانب رجال الدعوة، ومشكل عمل سياسي من جانب رجال الحكم.

إما أن يفسح الحكام للدعوة مجالا لتغير وتعمل، وإما يأتي الانفجار بشكل أقل أو أكثر فظاعة.

بطش عبد الناصر بالإخوان المسلمين لم يحل مشكلا وإنما تسبب في تردية مصر في الهاوية التاريخية التي تهبط إليها على يد قيادة زنيمة ذليلة.

إيران طغى حاكمها وعنف حتى لا مجال للمزيد، وحتى أفاق الشعب كله بقيادة من هم أهل الثقة والصدق من علماء المسلمين. وكل نظام حكم لا يتعظ بتلك القومة مرشح عاجلا أو آجلا لنفس المصير الذي آل إليه أمر الشاه الذليل المسكع.

باكستان صبر فيها الإسلاميون وقاسوا الشدائد وجاهدوا حتى أصبحوا الحكم الذي يستمع إليه بعد فشل النظم الجائرة الكافرة العنيفة المتعاقبة.

وها هو الإسلام يعبر عن نفسه بقوة في إيران وبعنف أثيم في السعودية. والعالم من حولنا يحسب حساب الإسلام المنبعث، فنأمل ألا يكون حساب الحاكمين حساب قمع الدعوة وملاحقتها فقط، وإلا فهم يبحثون عن حتفهم بظلفهم.

ارجعوا إلى الله، خافوا الله، اخشوه وراقبوه يا حكام المسلمين ! اخشوا عقابه يوم لا تجزي نفس عن نفس

شيئا !

نقول هذا لمن لا تزال منهم في قلبه جذوة إيمان !

أما المنافقون والكافرون من الذين يعذبون المومنين بالذبح والتقتيل أو يهينونهم في السجون بالتنكيل فحسبهم أن يبقوا بلداء لا يستطيعون التعامل مع الإسلام الناهض إلا ردا عنيفا داميا.

في إيران حاكم المسلمون بقيادة الإمام الخميني وقاع الإجرام التاريخي الفريد الذي أيدته أمريكا بمساندة الطاغوت المخلوع إلى حكم الله وقانونه. أمريكا والاستعمار الغربي والشرقي تواضعوا على نظام الحصانة الدبلوماسية وهو مبدأ إنساني ويتفق ومبادئ الإسلام، لكن القانون العام الذي بمقتضاه يتحكم الاستعمار الجاهلي فينا ويستنـزف خيراتنا وقوانا قانون جائر. وما الحصانة الدبلوماسية إلا فصل صغير منه، ذلك إن لم تتحول السفارات، كما هو حال سفارة أمريكا في إيران، عشا للمخابرات وتدبير الشر وتدعيم الظلم لا شن لها إلا ذاك، ومن ثم لا حصانة تستحقها بأي ميزان من موازين الأخلاق ولا السياسية ولا الإنسانية.

قامت الآن الصحافة الحرة في الغرب وفي أمريكا بالذات بفتح ملف الشاه الممقوت وشرعت في محاكمته وإدانته. وكأنها تقارن بين مساندة أمريكا شاهها بالمال والخبرة البوليسية والعسكرية وبالسلاح في حربه الإبادية لشعبه وبين الاحتجاج الذي شخصه الطلبة المسلمون بحجز الرهائن، وكأنها وجدت أن جرائم الشاه، وهي جرائم أمريكا والصهيونية، لا يكاد حجز الرهائن يكون شيئا مذكورا أمامها.

في إيران قومة إسلامية تعاني من تحركات غير منضبطة من دواعيها الألم الممض الناتج عن أعمال الشاه الدموية وعن سرقاته وعتو أسرته، ومن دواعيها القومية الرابضة التي يوقظها لمصالحهم عملاء الشرق والغرب.

أما في السعودية فهي ثورة عنيفة ركب الغضب الأرعن فيها قلوبا ممرغة وعقولا فجة.

وللحكام في بلاد المسلمين الخيار بين التمادي في التعسف إلى غاية الثورة العنيفة أو القومة الإسلامية وبين التوبة على نموذج عمر بن عبد العزيز. وهيهات !

كفى بجريمة الاعتداء على البيت الحرام نذيرا لرجال الدعوة والدولة