نعود بأنظارنا إلى عالم التكليف وما أمرَنا به الحق سبحانه وتعـالى من الانتصار لأنفسنا ومن الجهاد في سبيله وسبيل المستضعفـين في قوله عز من قائل: “وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله والمستضعفين من الرجال والنساء والوِلْدان الذين يقولون ربنا أخْرِجنا من هذه القرية الظالم أهلُها واجعل لنا من لَدُنْك وليا واجعل لنا من لُدنك نصيرا. الذين آمنوا يقاتلون في سبيل الله. والذين كفروا يقاتلون في سبيل الطاغوت. فقاتلوا أولياءَ الشيطان. إن كيد الشيطان كان ضعيفا”.1

نزلت الآيات في الحث على إغاثة المسلمين المحجوزين في مكة عندما كانت مكة قرية ظالماً أهْلُها. والأمر بنُصرة المستضعفين والقتال في سبيل الله وسبيلهم عام لا يخصصه سبب النزول. وظلم الكافرين في زماننا لا ينحصر في قرية بل يعم الأرض وساكنيها، ويعم الجوَّ والبحر والهواء والماء.

كانت المائة سنة الماضية أعنَف فترة في تاريخ البشرية: حربان عالميتان تطاحن فيهما الأوربيون وجرُّوا معهم البشرية المظلومة إلى مسارح القتال. ثم تصالحوا على دَخَلٍ فحارب بعضُهم بعضاً بوساطة المستضعفين طيلة بضع وأربعين سنة سمَّوْها حربا باردة، باردةً عليهم محرقة مدمرة علينا معشر المستضعفين.

في المائة سنة الماضية ترعرعت الفلسفة الماركسية فتولد عن أحلام لينين وسوط ستالين دولَةٌ قوية ظلت عقودا من الزمن أملا للمستضعفين في الأرض وسنداً ومَصدرا للسلاح. والآن انهارَ بناؤها فهي تتسكع على أبواب الأقوياء تتزعمهم أمريكا وعلى أبواب الأغنياء تمُد اليد لألمانيا واليابان.

كان الأملُ الآفِلُ في ما كان يسمى الاتحاد السوفياتيَّ تعليقا لبؤس البؤساء ونكبة المظلومين على سَراب. فلا يُزالُ ظلم بظلم، ولا يَنْصُرُ المستضعفين مَن بُنِىَ أساسه على عنف الصراعية الطبقية. وها هي الجـاهلية الموَحَّدةُ بقيادة أمريكا العسكرية وتحت المظلة القانونية للأمم المتحدة تُعَسْكِرُ على أعز بقعة في الأرض قرب مكة والمدينة تهدد كرامة المسلمين، وهم نموذج المستضعفين في الأرض، وترسُم معالمَ نظام عالمي جديد يكون المسلمون فيه هم “دولة الشر”، والمقابلَ في المِرآة، والضد المطلق.هكذا هم في خطة الاستعمار المبيتة.وفي كلمة الله وأمره الشرعي ووعده الكوني هُم محط آمال الإنسانية وإن كانت الفجوة بين الواقع والأمل تبدو لعين المرتاب سحيقة.

أمريكا وحلفاؤها تعسكر على تخوم الأرض المقدسة مؤذِنة باضطهاد أشدَّ نِكايةً فينا من أي نكبة رُبَما من عهد غزو التتار لبغداد.

أكتب هذا ليلة الأحد الثاني والعشرين من شهر ربيع الثاني سنة 1411، والحشود الأمريكية الحليفَة لليهود تهدد بشن الهجوم على القوة العربية الوحيدة التي تحسُب لها دولة اليهود ألف حساب. والأدهى من هذا أن الغزوة يمولها سلاطين النفط. العربُ يقاتلون عدوّ اليهود بأموال العرب!

أيّ مخاض هذا وأيّة هزة وأي زلزال وأي احتضار! تجرع المسلمون غصص تاريخهم الحديث كأساً أشد مرارة من كأس.وهذه هي العلقَم.المسلمون غرقَى في لُجَج البؤْس واليأس والإخفاق والفشل.فهذه ضربة أخرى من مقارع القدَر أليمةٌ، لعل المسلمين يَنفَضُّون من حَوْل الإديولوجيات الغربيـة، اللبرالية منها والتقدمية الاشتراكية، وينفضون من حول العصبية القومية ليَفيئوا إلى دين الله معتَمَدِ المستضعفين، وليبْنوا، بعد التخفف في أتُون الآلام من ركام الغثائية، ذاتاً جديدة مُخْلَصة من شوائب الجاهلية، قوية بإسناد ظهرها إلى الله عز وجل لا إلى الأمل الشيطاني، قائمة لإسقاط عرش الشاهات أعشاش البلاء.

وتلك سنته سبحانه وتعالى عند كل عُقدة من عُقَد التاريخ البشري وعند بداية كل فصل من فصول الهداية أن يُذيق الغافلين عن آياته المعرضين عن أمره مرارة الفقر والبؤس ليرجعوا . قال تعالى يخاطب حبيبه محمدا صلى الله عليه وسلم ويعَلِّمُه لنتَعَلَّمَ: “ولقد أرسلنا إلى أمَم من قبلك فأخذناهم بالبأساءِ والضَّراء لعلهم يتضرعون”.2 وقال وقوله الحق: “وما أرسلنا في قرية من نبيء إلا أخذنا أهلها بالبأساء والضراء لعلهم يضَّرَّعون”.3

كلَّفَنا سبحانه، معشرَ خيرِ أمة أخرجت للناس، أن نقاتل في سبيله وسبيل المستضعفين. فعَيْنُنا الواحدةُ على سنته وسَوْطِ قَدَره، والعين الأخـرى على التماس أسباب القوة الحسية والمعنوية لتغيير موازين القوى لصالحنا.

من أول الأسباب أن نكُف عن التعلق بالأحلام وعن إناطة مستقبل بالبطل المحرر، تداعب مِخيالَنا المكبوتَ صُوَرُ صلاح الدين، عند أقدامه نطرَحُ خيباتِ ماضينا وخسارةَ حاضرنا. من طفولة الشعوب، أو قل من هَرَف الشيخوخة، أن يُعْبَدَ البطلُ الوَثن.

كأني بالفلاسفة التقدميين والزعماء اللبراليين يعوضـون عن إفلاسهم السياسي بعد سقوط عبد الناصر وعن إفلاسهم المتوَقع الأفظع بعد ما تسفر عنه غزوة صدام البعْثي بطنطنة جديدة. إننا لا نعدو أن نكون جنوداً مستميتين في تأييد قيودنا إن استمعنا بعد نزول مقارِع القَدَر لغيْر نداء الإسلام. نشُدُّ قيودنا التاريخية إن فعلنا.

هذه الحضارة الظالمة الغازية لنا جاهلية محضة، لا يمكن أن نشق من فكرها فكراً محررا، ولا من أساليبِها أسلوبا مُنجياً. لَطالما حابَى الحكام المستكبرون من بني جلدتنا الغرب وفكره وأساليبه محاباة رخيصة. لَطالما لعِبوا بنا وساوموا على كرامتنا مع حلفائهم المستكبرين! واختلط علينا لَغَطُ اللبراليين والتقدميين نحسبُ فاشلَهُ نجيحَه، كما اختلط علينا مقالُ الحاكم المتمسلم لا نميز من رَغْوِهِ صَريحه.

هذه الحضارة الظالمة الكالحة نَهِمة لا تشبع،تدور في فلك الشهوة والأنانية والعنف والتمرد الوحشي. فمنذ خمسمائة سنة وهي تنهب خيرات الأرض وتضع الأغلال في أعناق المستضعفين، وتبيد الهنود الحمر في أمريكا تقتل منهم مائة مليون ويزيد، وتسوق الزنوج الأفريقيين في سلاسل العبودية إلى حقول القطن وعيش الهوان.

على جماجم البشر ومن أرزاق المستضعفين المشردين بنت حضارتَها وثروتها.وبفائض الثروة المنهوبة استطاعت أن ترفع مستوى معيشتها،وأن تُفرِّغَ أبناءها للتعَلُّم، وأن تشيّد صرْحَ الصناعة، وهياكل البحث العلمي، وأن تسخر العالَم ومن فيه لخدمة النفوس الشاردة الماردة.

فهي اليومَ وجهُ الاستكبار أكثر ما كان قتامة وكُلُوحا وبأسا ونهَما وشرا.

كتب أحدُ خبراء البيت الأبيض الأمريكي في تقريره عن قِسمة العالم قال: “العالم اليومَ مقسم إلى معسكرين تسوسهما قواعد مختلفة اختـلافا جذريا: الاقتصاد ينظم الشمال، بينما القوانين التقليدية للقوة العسكرية تحكم الجنوب. هناك ثلاث نقط للتقاطع بين العالمين: النفط واللاجئون والإرهاب”.

معنى الكلام أن الأقوياء الأغنياء الأثرياء المترفين المستكبرين في الأرض جالسون على مائدة الاقتصاد العالمي، لهم فَيْضُه ولَنَا غَيْضُه. وهناك في الأطراف يائسون بائسون في مخيمات صبرا وشاتلا يُقَتلون، وفي شوارع فلسطين يقتنصون، وهم بين الفَيْنَةِ والفينة يدفعهم اليأس والبؤس لمناوشة أعدائهم بسلاح الضعيف، فيمكننا أن نَمْسَح على جبيننا بدهن الأخلاقية الحضارية العالية ونشجُبَ الإرهاب.

معنى الكلام أنَّ نُقَطَ التقاطع بين العالمين النفطُ، للمحرومين من رِيعه مخيماتُ اللجوءِ ويأسُ احتجاز الرهائن، وللمُوالين للشمال الناعمِ حصة من تَرَف الجالسين على المائدة.

بعد عشر سنوات ينضُبُ مخزونُ النفط في أمريكا وأوربا. ويبقى لمخزون النفط في بلاد العرب والمسلمين قرنٌ أو قرنان من الإمكانيات، تزيد المدة أو تنقص حسب وَتائر الاستهلاك الجنوني الذي يتضاعف في البلاد المصنعة مرة في كل عشر سنوات.

نسبة الأمريكان الشماليين من سكان العالم خمسة بالمائة، وهم يستهلكون ربع الاستهلاك العالمي للنفط. يبذرونه تبذير السفيه لمال أبيه. ولا يُتصوَّرُ ولا يُقبَل أن تمتدَّ يد إلى النفط بما يهدد مستقبل الشمال بشَل عجلة اقتصاده والنقص من مستوى رفاهيته. من هنا تنكشف دعوَى حقوق الإنسان ودعوى الأخلاقية والقانونية الدولية عن كَلَبٍ شَمالي واستعداد مستميت لقتال المستضعفين وقتلهم جميعا لتحي أم الحضارات العتيدة.

للحضارة المترفة بُؤْسُها: المخدرات والجريمة المنظمة والأمراض العاهرة. سويسرا والسويد توفران لسكانهما أعلى مستوى دخل في العالم إذا استثنينا دخل العشائر النفطية العربية، وفي سويسرا والسويد يُضرب الرقم القياسي للانتحار. تقتل الحضارة المبتئسة لاجئي المستضعفين بالتفقير والتجويع والغزو المباشر. وتقتل أبناءها باليأس من حياة لا معنى لها ولا غاية ولا مذاق. ذلك الإنسان المحجوب بنمط عيشه وترف أحواله مستضعف أيضا محروم من حقه الأعلى. والإسلام هو أمل كل نوع من أنواع المستضعفـين. والله هو البَـر الرحيم. سبحانه.

1 سورة النساء، الآيتان 75-76.

2 سورة الأنعام، الآية 42.

3 سورة الأعراف، الآية 94.