لقد حير طلب هذه الولادة قلوب المحبين، وانفطرت منه أكباد المقبلين المنقطعين، وتعبت في طلبه همم الصادقين.

يرتكس الإنسان في حمأة الغفلة والإعراض عن الله عز وجل، وينشغل ابن الحركة الإسلامية المسكين بالأحداث السياسية، وهوس العالم وهذيانه، وقلبه لم يولد بعد ونسبته لم تتحقق، فيتيه مع الحسابات الأرضية.

(1)

لقد حير طلب هذه الولادة قلوب المحبين، وانفطرت منه أكباد المقبلين المنقطعين، وتعبت في طلبه همم الصادقين.

يرتكس الإنسان في حمأة الغفلة والإعراض عن الله عز وجل، وينشغل ابن الحركة الإسلامية المسكين بالأحداث السياسية، وهوس العالم وهذيانه، وقلبه لم يولد بعد ونسبته لم تتحقق، فيتيه مع الحسابات الأرضية، بل يتسرب إليه اليأس لطول الطريق وكثرة عويصاتها ولصوصها، وتكالب الأعداء، فينقلب إلى عنف أعمى أهوج وفي أحسن الأحوال إلى سلبي غير مهتم ولا مشارك، فكيف به تغيير المجتمع وقضية ميلاده القلبية منسية وسط ركام الفتنة، ركام الكراهية، ركام الإسلام الفكري الثقافي.

نستمع إلى طود شامخ وإمام ألمعي هو ابن القيم الجوزية رحمه الله يقول ” سمعت شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله يذكر ذلك ” أي مرتبة الوجود الثاني التي هي أعلى مراتب الإحسان « ويفسره بأن الولادة نوعان: إحداهما هذه المعروفة، والثانية ولادة القلب والروح وخروجهما من مشيمة النفس وظلمة الطبع قال ابن تيمية: وهذه الولادة لما كانت بسبب الرسول كان كالأب للمؤمنين (…) قال: فالشيخ والمعلم والمؤدب أب الروح والوالد أب الجسم«(1)، هذا النص من بين النصوص المهملة في بيان هذا الرجل الدعوي لا أدري ولست أدري ما الذي دهى تلاميذ ابن تيمية  زعموا- أصحاب الفقه النفطي ألا ينصتوا إلى هذا البلاغ الدعوي الواضح من هذا الطود الشامخ التلميذ الذكي الوفي للإمام ابن تيمية رحم الله الجميع ولكن:

أسمعت لو ناديت حيا+++ لكن لا حياة لمن تناد

لماذا تظل هذه النصوص وغيرها كثير طي النسيان والمصادرة؟

وحفظ الله الأستاذ المرشد عبد السلام ياسين الذي كتب كتاب “الإحسان” في جزئين بلحمه ودمه ناصحا مشفقا مناديا: من هنا الطريق، من هنا البداية، كاشفا بأفصح عبارة وأدق أسلوب عما ظل منسيا مطمورا، مقترحا على الحركة الإسلامية سلوكا جهاديا: سلوك الرسول صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام.

لا أفتأ أذكر في مقالاتي بالعودة إلى كتابات هذا الرجل، بل صحبته في زمن قل فيه من يسمعك ويذكرك بالله عز وجل.

الميلاد السعيد لك يا ابن الحركة الإسلامية أن تتقدم إلى والدك الروحي، من هو؟ ابحث عنه؟ أين ستجده؟ ومن سيدلك عليه إنه الله سبحانه وتعالى توجه إليه بقلب خاشع، ابك عليه يدلك على أحبابه وأوليائه المقربين من خلقه، استمع إلى الإمام عبد القادر الجيلاني قدس الله سره فهو لك ناصح أمين يقول:” إذا أشكل عليك الأمر ولم تفرق بين الصالح والمنافق فقم من الليل وصل ركعتين ثم قل: يا رب دلني على الصالحين من خلقك، دلني على من يدلني عليك، ويطعمني من طعامك، ويسقيني من شرابك، ويكحل عين قلبي بنور قربك، ويخبرني بما أرى عيانا لا تقليدا” (2) وقال: إذا أردت أن تصحب أحدا في الله عز وجل، فأسبغ الوضوء عند سكون الهمم ونوم العيون، ثم أقبل على صلاتك تفتح باب الصلاة بطهورك، وباب ربك بصلاتك، ثم اسأله بعد فراغك: من أصحب؟ من الدليل؟ من المخبر عنك؟ من المفرد؟ من الخليفة؟ من النائب؟ هو كريم لا يخيب ظنك، لا شك يلهم قلبك، يوحي إلى سرك، يفتح لك الأبواب، يضيء لك الطريق من طلب وجدَّ وجد” (3). يقول الأستاذ المرشد عبد السلام ياسين حفظه الله في إطار تعليقه على كلام الإمام عبد القادر الجيلاني قدس الله سره يقول:” يقول المعترض الخلي من هم الله وهم نفسه وعمره: ما بالنا وبال الشيخ! الشيخ! الشيخ! القصد معروف، وطريق الآخرة واضحة، والكتاب والسنة بين أيديناـ يقول ذلك وهو في دار الغفلة راقد، طاب له المأكل وهنأ له المشرب، مجنون بالدنيا وبنفسه مغرور بهما لمثل هذا أحمل رسالة من الشيخ عبد القادر رحمه الله يقول فيها:” تعلق برجال الحق، أنتم مجانين غرقى في بحر الدنيا رجال الحق يداوون المرضى، وينجون الغرقى، ويرحمون أهل العذاب. كن عنده إذا عرفته، فإن لم تعرفه فابك على نفسك!”(4).

ابك عل نفسك إن لم تلحق بالرجال، وتكون لها في يوم من الأيام حاجة عند الله عز وجل، ابك على نفسك إن لم تولد الولادة الروحية التي تحدث عنها الإمام ابن تيمية رحمه الله من قبل، ابك على نفسك الحائرة البائرة الشاكة المشككة القاعدة لك في طريق الحق.

(2)

لا تكاد تجد في كتابات الإسلاميين حديثا عن هذه الولادة، عن هذا الميلاد الجديد، وكأن الوارد على الحركة الإسلامية يكفيه أن يؤثث عقله بقال فلان وقال علان وتبقى قضية قلبه: القضية الكبرى مسكوتا عنها، وتبقى الأصنام معششة في قلبه ومد الشيطان يغلب عليه فتكثر نكباته، وتنشأ الأمراض المهددة للصف، ويبرز حب الرئاسة والظهور، وتتحول الحركة الإسلامية إلى نادي للفكر والجدال، لكن أن تسأل عن حياة القلوب بالصحبة والذكر وتسعى في طلب هذا الأمر العزيز فذاك لا تظفر به إلا نادرا.

استمع مرة أخرى إلى هذه العبرات يرسلها هذا الرجل وكأنه اطلع على حال ابن الحركة الإسلامية المسكين، يقول الإمام ابن القيم رحمه الله متأسفا متحسرا ونقول معه: ” فواأسفاه واحسرتاه ! كيف ينقضي الزمان، وينفذ العمر، والقلب محجوب، ما شم لهذا رائحة، وخرج من الدنيا كما رحل إليها، وما ذاق أطيب ما فيها، بل عاش فيها عيشة البهائم وانتقل منها انتقال المفاليس، فكانت حياته عجزا، وموته كمدا، ومعاده حسرة. وواأسفا، اللهم فلك الحمد، وإليك المشتكى، وأنت المستعان، وبك المستغاث، وعليك الثكلان، ولا حول ولا قوة إلا بك.”(5)

كيف يطيب لابن الحركة الإسلامية أن يخرج من هذه الدنيا وهو لم يظفر بالكنز، وهو لم يفز بالله عز وجل، لا حد لحسرته، لا حد لإفلاسه، اللهم ارحمنا بصحبة أوليائك وارزقنا حسن الأدب معهم لا راحم إلا أنت سبحانك.

روى الشيخان عن النعمان بن بشير أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: ” … ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فشدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب”.

توشك هذه العروة القلبية أن تتلاشى في هذه العصور التي هبت فيها عاصفة عنيفة فأطفأت ما كان مشتعلا من كوانين القلوب ومجاميرها، ولذلك يتحدث الأستاذ المرشد حفظه الله على أن المطلب الإحساني في هذه العصور ينبغي أن يكون أسبق المطالب في سلم الأولويات (عند أبناء الحركة الإسلامية)، ويكون فقه القلوب وطبها أهم علم وتطبيقه أهم عمل، وما ذلك إلا لأن القلب كما يضيف الأستاذ المرشد حفظه الله مكمن الداء، فإن صح وسلم فهو مركز الإشعاع وهو العنصر الحاسم في معادلة وجود الأمة وانبعاثها(6)، ولذلك ما الحديث عن الخلافة، وعن التغيير المنشود إلا أحلام طائشة إن لم تشتد قلوب الأمة باشتداد قلوب أبناء الحركة الإسلامية.

يقول الإمام ابن عطاء الله السكندري رحمه الله في حكمه:” كيف يشرق قلب صور الأكوان منطبعة في مرآته؟ أم كيف يرحل إلى الله وهو مكبل بشهواته؟ أم كيف يطمع أن يدخل حضرة الله وهو لم يتطهر من جنابة غفلاته؟ أم كيف يرجو أن يفهم دقائق الأسرار وهو لم يتب من هفواته؟ “.

يا أيتها الحركة الإسلامية استمعي إلى عبرات الرجال وزفراتهم, بل ما اسمك وما مكانك بينهم، آه لقد سبقك الرجال وتهت في أزقة الغفلات.

(3)

ما الذي دهى الحركة الإسلامية وجعلها تغفل عن هذا الركن الأصيل من الدين (الإحسان) فيصبح أبناؤها عرضة للضياع، عرضة لإسلام فكري ثقافي يتآكلون تحت لوائه يوما بعد يوم ويصطلون بناره حتى لا يبقى من إسلامهم إلا الاسم، فكيف بإيمانهم وإحسانهم لا خبر عنه؟ تعالى معي يا ابن الحركة الإسلامية وتواضع لندخل جميعا كُتَّاب الإمام عبد القادر الجيلاني قدس الله سره نتعلم شيئا ما عندنا عليه خبر، استمع يا أخي ثم استمع، وابحث عن كتاب الفتح الرباني واقرأه في ثلاثة أيام يأتيك الخبر، نستمع إلى الرجل وهو يفتح كتابه ويصيح: ” تعالوا يا عباد الله عز وجل في الأرض، ويا زهادها ! تعلموا مني شيئا ما عندكم منه خبر!

أدخلوا كتابي حتى أعلمكم شيئا لا تجدونه عندكم، للقلوب كتاب، وللأسرار كتاب، وللنفوس كتاب، وللجوارح كتاب، هي درجات ومقامات وأقدام معدودات. القدم الأولى ما صحت لك! كيف تصل إلى الثانية! الإسلام ما صح لك فكيف تصل إلى الإيمان! الإيمان ما صح لك، فكيف تصل إلى الإيقان! الإيقان ما صح لك فكيف تصل إلى المعرفة والولاية! كن عاقلا ما أنت على شيء”(7)

ما الذي دهى الحركة الإسلامية وجعلها تغفل على أن الدين إسلام وإيمان وإحسان؟ سلوك وترق وطلب للدرجات العليا.

يا سيدي إن مسؤولية من يتصدى للدعوة، وتوجيه الشباب مسؤولية عظيمة: قيادات غافلة مغفلة لا تذكر بالأمر العظيم، وأدبيات لا تكاد تجد فيها حديثا عن الأمر العظيم: معرفة الله عز وجل وكيفية الوصول إليه، لا تجد فيها إلا إسلاما فكريا عقليا ممزوجا، وأخرى محاكمة للناس ومكفرة للمجتمع معلنة الحرب عليه، لا يا سيدي لم يكن المنهاج النبوي في يوم من الأيام هكذا بل هو دعوة ورحمة ودلالة على الله، وأسمع من بعضهم حديثا عن الحرية من داخل الحركة الإسلامية: الحرية أن تطلق سراح نفسك المسكينة سجينة الغفلة والبعد عن الله عز وجل، سجينة البعد عن الصحبة والذكر لتنطلق عضوا فاعلا معطاء غير ملتفت لهذه الترهات التي يثيرها المتربصون بين الفينة والأخرى، وأعتقد أن غياب القيادة الربانية: أي غياب المحسنين الذاكرين المذكرين بالله عز وجل يعرض الحركة الإسلامية للخطر، وينزع منها التوفيق والتأييد الإلهي وتلك هي طامة الطوام، وذلك هو المصاب الذي لا دواء له نعوذ بالله، ويجعل منها حزبا سياسيا يتسابق فيه الناس إلى احتلال الكراسي، ويتطلعون إلى حرية مزعومة، ولو أنهم أعادوا النظر في منطلقات عملهم والأسس التي انبنى عليها تحركهم لوجدوا أن الخلل الحاصل هو من غفلتهم عن نقطة الارتكاز ومنطلق البداية الصحيحة: التربية أولا، والتربية وسطا،والتربية دائما. إن مختلف الأمراض والعاهات تأتي من فساد الابتداء، وصحة الابتداء: تربية إيمانية إحسانية جهادية. عد إلى الأستاذ محمد أحمد الراشد حفظه الله فقد تحدث عن صحة الابتداء فأجاد وأفاد كما هي عادته حفظه الله.

فمتى تتنبه الحركة الإسلامية إلى ذلك وتستوعب الدرس؟ ورحم الله الإمام البنا فقد أنذر وحذر في آخر أيامه قائلا:” لو استقبلت من الأمر ما استدبرت لعدت بالإخوان إلى أيام المأثورات” آه كم كان البنا رحمه الله ملهما.

زفرة قيادي حكيم ورباني ملهم، وأب حنون، لكن يبدو أن الحركة الإسلامية لم تستوعب الدرس جيدا، فجنت و لا زالت تجني خروج تيارات عنيفة منعزلة غير صابرة مستعجلة للنصر ولم تتحقق بعد أهم شروطه.

وهاهي أيضا تجني يوما بعد يوم تيارا عريضا يعتبر الحركة الإسلامية حركة فكرية ثقافية، حركتها أشبه ما تكون بحركة حزب سياسي مقطوع ومن هنا تأتي الهزيمة، وسأعود في مقال لاحق لأتحدث عن الإمام البنا رحمه الله ومذكراته، مذكرا أبناءه بضرورة أن يكون المطلب الإحساني عندهم في سلم الأولويات, ولعل الدرس الذي لم يتحدث عنه الكثيرون في استشهاد الشيخ أحمد ياسين رحمه الله هي الحالة التي لقي عليها الشهيد ربه: اعتكاف ورباط في المسجد، بل وإحياء لليل داخله، وصيام اليوم الذي استشهد فيه، وهذا يعطي درسا عميقا لأبناء الحركة الإسلامية ويجعل المطلب الإحساني الإيماني في سلم الأولويات لأن النصر على العدو لا يتأتى بكثرة العدد ولا بالمهاترات والمجادلات الفارغة، بل بقدر عملك وإقبالك على الله عز وجل يقبل عليك، ويقبل بقلوب العباد إليك، وارجع إلى محمد أحمد الراشد حفظه الله وحديثه عما سماه حركة أصداء الورع في سفره القيم المسار. فيوم أن فرط أبناء الحركة الإسلامية في الصلاة في المسجد، و صيام الاثنين والخميس، والأيام البيض، وقيام الليل، وعقد الأخوة، والرباطات لإحياء الربانية في صفوفهم، واعتكافات العشر الأواخر…حدث ما حدث مما تعلمه من مآس ونكبات.

وكم أحزن عندما أقرأ لإسلامي يتصدى للدعوة، وهو يكتب مغفلا للناس متحدثا عن البديل الحضاري مفرغا الإسلام من جوهره الحقيقي ألا وهو التربية الإيمانية الإحسانية والتي إن غابت فهي الكارثة، هل يستطيع ابن الحركة الإسلامية المسكين أن يخرج من كبريائه ويأتي زحفا على الركب كما فعل سلطان العلماء الإمام عز الدين بن عبد السلام رحمه الله طلبا لصحبة من يدله على الله ويجعل لحياته اتجاها ومعنى، نستمع إلى الأستاذ المرشد عبد السلام ياسين حفظه الله في كتابه التحفة ” الإحسان” يروي لنا الحكاية نقلا عن طبقات الشافعية للإمام السبكي رحمه الله يقول:”…من أجلهم سلطان العلماء شيخ الإسلام والمسلمين وإمام عصره بلا مدافعة الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر الذي كان في عصره ملاذ الأمة وحاميها من الحكام الظلمة. إنه عز الدين بن عبد السلام الصائل بعلمه في المجالس، الصائل بشجاعته في الحق، يهجم بكلمة الزجر والتأنيب على دواوين الحكام مواقفه تشرف كل منتسب للعلم في كل زمان. كان رحمه الله أعبد الخلق واتقاهم، حكى عنه ابن دقيق العيد أحد الأكابر علما وتقى، أنه: لبس خرقة التصوف من الشيخ شهاب الدين السهروردي وأخذ عنه، وذكر أيضا أنه كان يقرأ بين يديه رسالة القشيري فحضره مرة الشيخ أبو العباس المرسي لما قدم من الإسكندرية إلى القاهرة، فقال له الشيخ عز الدين: تكلم عن هذا الفصل، فأخذ المرسي يتكلم والشيخ عز الدين يزحف في الحلقة ويقول:”اسمعوا هذا الكلام الذي هو حديث العهد بربه”(8).

ويضيف الأستاذ المرشد عبد السلام ياسين معلقا “هل كان فطاحلة علمائنا بهاليل مجانين حتى يزحفوا في الحلقة إعجابا بكلام العارفين وهم كانت ترتعد خوفا منهم فرائص الجبارين في الأرض؟ أم أنهم لم يجدوا في كتب الرقائق والمواعظ ما يروي الغلة حتى ينقادوا للمشايخ ويتتلمذوا بأدب؟”(9)

فهل يسمع إسلامينا المسكين، هذا ما نرجوه، أم أنه سيظل سجين كبريائه، “لكن كيف يعترف عليل القلب، وداؤه مستور عن الأبصار، أنه مريض! داء العجب يمنعه عن الاعتراف، أم كيف يقصد رجلا مثله يأكل الطعام ويمشي في الأسواق يقول له: داوني! الكبرياء وسوء الظن يمنعان من ذلك، حجب بعضها فوق بعض وظلمات، ويموت مريض القلب بدائه، لم يعرفه، أو عرفه ولم يرض بعرضه على أصحاب البصائر، وتسمعه يقول: هذا كتاب الله وهذه سنة نبيه، وما عنده علم بالمصيبة الجلى التي أصابت قلبه وسره فمنعته من ملامسة نور الكتاب ونور السنة، ألا وهو مصيبة الرين والحجاب(10) يقول الإمام أحمد الرفاعي قدس الله سره(11):”أي بني! اعلم أن أعظم مصائب السر حجابه عن الله تعالى، فكل من حلت به هذه المصيبة فقد تلاشت سائر مصائبه في جنبها، فإن المحجوب سكران، والسكران لا يجد حالة سكره وجع المصيبة، فإن أفاق وجد الألم … ومصيبة المحجوب لا تجبر أبدا إلا بتجريد السر عن كل ما دون الله تعالى، ولا وعيد في القرآن أصعب من قوله تعالى:” كلا بل ران على قلوبهم”(12)

اللهم يا رب إنا نسألك أن تقينا ظلمة الحجاب، وأن توقفنا بين يديك وقفة الأحباب، وأن تفتح لنا الباب. آمين.

(4)

إسلامي سجين لإسلام فكري ثقافي، وآخر أكبر همه محاكمة الناس وتكفيرهم، شعاره” لا يجوز”، وديدنه شن الغارة تلو الأخرى على عقائد الناس وتوجهاتهم، وليثه شن ولو غارة واحدة في عمره على نفسه الخسيسة البائرة الحائرة، والتي هي أخبث من سبعين شيطانا.

إن غياب التربية الإيمانية الإحسانية، وانعدام الولادة الروحية هو الذي ينشئ هذه الويلات في صفوف من يزعم أنه يتحرك من أجل الإسلام. عد أخي واستمع إلى رجل مبارك محبوب، كتب كتيبا قيما عنونه ب: “سلوك المرأة المسلمة”، إلا أن فيه دررا وغررا تفيد الجميع، يتحدث هذا الرجل المبارك بشكل صريح عن هذا الفقه المغيب، فقه ترقيق القلوب ودوره البارز في رسم الخطة والمسار والحفاظ على توازن وسير الفرد في سلوكه إلى الله عز وجل، إنه الأخ الحبيب اللبيب: الحبيب الجفري حفظه الله، استمع إلى هذا الرجل الذي بخرته وطيبته الصحبة فوقف مدافعا منافحا عن علم سيرته الغفلة والهجمة الوهابية في عداد المفقودين. بارك الله فيه من رجل محب امتلك الحكمة اليمانية والإيمان اليماني، وكم هي حاجة الحركة الإسلامية لمثل هؤلاء الرجال المحبين بتفكيرهم المتوازن، انزل من كبريائك واستمع وأنصت لمثل هؤلاء الرجال فصحبتهم ترياق مجرب والبعد عنهم سم قاتل.

إننا لا نشك لحظة أن الغد القريب بإذن الله عز وجل سيكون إسلاميا، لكن الله عز وجل يختار من جنده من يشاء لتحقيق وعده وإنجاز فعله، وتخطئ الحركة الإسلامية يوما إن اعتقدت أنها قادرة على الفعل، وتنسى أن الفاعل الله سبحانه وتعالى، وأن لجند الله مواصفات ذكرها الله سبحانه وتعالى في محكم كتابه.

يقول الأستاذ المرشد عبد السلام ياسين حفظه الله، وأنا أدعوك مرة أخرى ناصحا مشفقا للاستماع وصحبة هذا الرجل الذي ما فتئ يدعو إلى السلوك الجهادي مستحثا للهمم داعيا إلى بلوغ القمم يقول: “لماذا يخرج أمثال الغزالي عن الجاه العريض، والرياسة العلمية، ويترك الأهل والوطن ليلقى “متبوعا مقدما؟” لماذا يزحف سلطان العلماء العز بن عبد السلام أمام المشايخ وهو الذي ترتعد منه فرائص الملوك ويجثو بين يديه الأمراء والكبراء ومن هو السيوطي الذي يشيد الطريقة الشاذلية ويتتلمذ للصوفية؟

تمر بين عيني القارئ السالي الفارغ الفؤاد راحة من طلب المعالي أمثولات الرجال فلا يتحرك فيه حس المنافسة ولا خشية أن يفوته الأمر الجلل الذي تزاحمت عليه الفحول، وتخاصمت، وتناظرت، وتسابقت.

فهل من همم عالية تسمع، وتهب، وتلتاع؟”(13)

ولا إخالك أخي إلا ملتاعا صاحب مشروع وقضية تؤرقك.

اللهم إنا نسألك زيادة من عندك.

والله من وراء القصد وهو يهدي السبيل.

المنابع:

(1) مدارج السالكين، ج 3، ص 326.

(2) الفتح الرباني، ص 119.

(3) نفس المرجع، ص333.

(4) الإحسان، ذ.عبد السلام ياسين، ج 1، ص 221.

(5) طريق الهجرتين، ابن قيم الجوزية، ص268.

(6) الإحسان، ج1، ص 24.

(7) الفتح الرباني، ص 233.

(8) الإحسان، ج1، ص 56.

(9) نفس المرجع، ص57

(10) نفس المرجع، ص283.

(11) حالة أهل الحقيقة مع الله، الإمام أحمد الرفاعي، ص133.

(12) سورة المطففين، الآية 14.

(13) الإحسان، ج1، ص74.