مأْخذنا الجوهري على الديمقراطية

لا نستطيع طي المسافات، ولا مقاومة الضغط السيطري للقيم الحضارية الغربية العاوية الهاوية، إلا بتربية إيمانية تستهدف أجيالا راجعة إلى فطرتها. تربية تخلصنا من عقدة الدونية أمام العقل المعاشي المخترع الذي يزعم بمنطق «علمي» أن الإنسان استثناء في هذا الكون. إن كان كل ما في الكون له معنى ومنفعة فالإنسان وحدهُ على رأس الخليقة آلة للذة ومُرَكب للمتعة، لا معنى له ولا منفعة وراء ذلك.

كما لا يمكن أن نتحدث عن الديمقراطية دون أن نتتبع منابتها ومعاقلها ومعاقدها بالعقل والعقلنة، فالديمقراطية عقلنة للحكم، كذلك لا يمكن أن نتحدث عن الشورى دون النظر في منابتها ومعاقلها ومعاقدها بالإيمان والصلاة، إذ الشورى حكم يقيمه المومنون المصلون كما يقيم الديمقراطية عقلاء مواطنون صالحون.

الديمقراطية عقلنة للحكم، وحكمة إنسانية، وزبدةُ تجربة، وما شئت من فضائل حقيقية أو وهمية. كنا نبحث، ونحن في الحوار والمطارحة النظرية، عن عيوب الديمقراطية (وإن لها لعيوبا وعاهات) لولا أن مأخذنا عليها الجوهري ليس من كونها عقلنة للحكم في حاجة لاستكمال، وحكمة إنسانية تشينها الأخطاء اللازمة لكل اجتهاد بشري، وزبدة تجربة جرت وقائعها في مناخ اجتماعي تاريخي غير مجتمعنا وتاريخنا، فهي لذلك نبتة غريبة أنّى لها أن تستنبت في أرض غير أرضها.

مأخذنا الجوهري على الديمقراطية ليس من قبيل الكيف لكن من قبيل المعنى. الديمقراطية – لمن لم يتخذها وصفة جاهزة تستنسخ – هي خير ما وصل إليه الغرب لكيلا يتظالم الناس، ولكيلا تهضم حقوق الناس. نغض الطرف هنا عن فعل الديمقراطية الغربية بحقوق الإنسان في العالم. فذكر ذلك مما يُدمي القلوب. أكتب هذا وبالأمس ارتكب الصرب مجازر جديدة في سِرِنبرنتسا ومدينة جيفا محاصرة، يقنبلها النصارى الصرب الغربيون « الإنسان » ويُبِيدُونَ المسلمين البوشناق، لا تسكب الديمقراطية الغربية إلا دموع التماسيح، راضية في الصميم عن بطش من ينوب عنها في إبادة نبتة وَقِحة تعلن أنها مسلمة في قلب مهد الحضارة والديموقراطية : أوربا.

مأخذنا الجوهري على الديمقراطية أنها فكرة وحكمة وعقلنة هدفها أن يعيش الإنسان -بعض بني الإنسان- حياة ذكية رَخيّة. مأخذنا عليها أنها لا تقترح على الإنسان مخرجا من الكفر، وهو الظلم الأكبر، فتُبيح ديانتها أن يموت الإنسان غبيا لا يعرف ما ينتظره بعد الموت. تبيح ديانتها ذلك وتسكت عنه لأنها عقلنة رأسٍ مدبِّرٍ لشؤون الدنيا تدبيرَ المستكبرين في الأرض، مدبِرٍ معرضٍ عن الله، جاهلٍ جاحدٍ.

لولا الله والدار الآخرة ومستلزمات السياق الشوري الذي سردنا منه سبعة بنود، لكانت الديمقراطية التي تنظم للمحظوظين اقتصادا لبراليا يتيح الرخاء والترف والمتعة واللذة والصحة والسكن ورغد العيش هي مفتاح جنة الأرض. لا حرجَ -والتقدير غَبِيٌّ يقول: لا إله ولا آخرة- أن تكون الأرض جحيما على ثمانين في المائة من بني الإنسان، محرومين بؤساء، عزاؤهم وسَلوتُهم أن هنالك مطمعا يوما ما في اللحاق بالركب الحضاري، وإقامة ديمقراطية هي كلمة الإنسان للإنسان، ومفتاح النعيم.

لا يخطر ببال المحروم البائس الجائع الجاهل أن يتفرغَ لحظة، وزمنه مرهون بالكدح في أوحالِ التخلف، ليبحث عن خلاصٍ من الموتة الغبية، موتة من خرج من الدنيا ولم يعرف ما ينتظره، ولم يعرف من خلقه، ولم يعرف ما يُسعده عند الله.

كاد الفقر أن يكون كفرا. كلمة مأثورة، بل حديث نبوي، يشير إلى مكمن الإغْرَاء الذي يقع فيه المتطلعون إلى تنمية ورخاء، وإلى ديمقراطية لبرالية معابدها السوق والبُرصة والبنك، وصلاتها الاستثمار والاستعمال الأليق للتكنولوجية الأليق. وهي وحدها، لا غيرها منذ سقوط الاشتراكية، الدواء للمريض بأمراض التخلف، يحمِلُها ويلخصها مرض غياب الديمراطية.

تُخْرِجُ البائس المحروم الجائع الجاهل، وتخرِجُ معه المناضل الفاضل الديمقراطي ـ ولو كان مصليا تلك الصلاة ـ من نسق إلى نسق، من جو إلى جو، من ذهنية إلى ذهنية. ما ذكر الصلاة ونحن بصدد الحوار في نظام حكم ؟

أوحوْا إلينا منذ طلائع الاستعمار الاستحمار فتلقيْنا، وعلمونا فتعلمنا، ثم استأنسنا، وتبنينا، وتعصبنا لآراء معلمينا. ويُعْلموننا بطوفان معلوماتي رقمي مُنْصَبٍّ من السماء بميازيب المقعرات عِلْمَ ما يجري في العالم، وما يخُبّ فيه، وما يزحف. يُعْلمنا كلُّ ذلك بانتهاء عصور الصلاة والإيمان، وحضور قوة شاهَدْنا بَرْقَ صواعقها على العراق، وبَأس المدللين من صربها على سِرِبْرِنِتْسَا، وعربدة وكلائها اليهود على العرب الفلسطينيين.

المصلون ضُعف وهزيمة، والديمقراطية قوة وبأس وعزة وكرامة.

الصلاة لا تضمن الخبز اليومي والعمل والكرامة وشرط كل ذلك وهو التنمية. فما الحديث عن الصلاة في الحوار الديمقراطي المنْصَبِّ اهتمامه على تدبير شؤون الحياة إلا هُراء في منطق المتدينين بدين الديمقراطية / اللاييكية.

التنمية مطلب حيوي والعَوَز عقبة. الرخاء الاقتصادي هدف والديمقراطية وحليفتها اللبرالية الاقتصادية وسيلة ضرورية. ففيم الهروب إلى الغيبيات ؟

إن لدى الفضلاء الديمقراطيين رواسب وطنية، قومية، إديولوجية، وخليطا ثقافيا تتغالب فيه الأصالة والمعاصرة نزَعاتٍ وطموحات وتقليدات وتأثّرات بالأحداث الفاجعة. لدى بعض الناس انفصام في الشخصية وتقابُل لا يخلص إلى جهة ولا يلتزم بمنهجية. لذلك يرى بعض الناس أن لا علاقة ممكنةً بين الصلاة واختيار نظام الحكم.

انفصام وتقابل ورواسب. فنحن عرب، بربر، ترك، أكراد، مواطنون، وطنيون. مسلمون، قوميون، اشتراكيون، ديمقراطيون ما يجمع كل هذا، وما يوحده في الوعي، ويؤصله في السلوك ؟

تجمع في السياق الإسلامي  ونظامه الشوري- الصلاة. الصلاة أداء لمراسيم العبودية لله الواحد الأحد.

وفي الديمقراطية وتعددها وذكائها وانفتاحها إلخ جامع آخر ومؤصل آخر، نرجع إليه بعد حين إن شاء الله في تفصيلنا للمساق الإنساني وأحسن صور نظامه الديمقراطية.

يعترض الفاضل الديمقراطي محتجا بما يفعله المصلون في أفغانستان وغير أفغانستان، وفي تاريخ المسلمين الذي سفكت فيه دماء المسلمين بسيوف المسلمين أكثر مما سفكت بأسلحة غيرهم.

نزلنا إذاً من المِثال القرآني والهدي النبوي إلى حقائق الأرض لنجد أن المسلمين المصلين درجات، وأن من المسلمين من لا تنهاه صلاته عن الفحشاء والمنكر، وأن الصلاة الفردية “المُؤليكة” المفصولة عن الأمر العام بموجب نقض عرا الإسلام، إن كانت تشبه شكلا الصلاة الكاملة الرافعة من مكانها الوسَطِيِّ ومكانتها الرفيعة فُسْطاط الدين، فهي لا تحيى بحياة الخشوع والخضوع والطاعة لله ورسوله وأولي الأمر منا.

وأضع سطرا تنبيهيا تمييزيا على كلمة منا: منا.

انقض الساطون على الحكم من بني أمية فأطاعوا العصبية القبلية، ومشوا في ركب حب الدنيا، والغفلة عن الآخرة، وضحالة الإيمان، والاتكال على العنف والقوة والحيلة والكذب بذل التوكل على الله.

لم يجتنبوا كبائر الإثم والفواحش بل ارتكبوها جهارا ومحادَّة واستفزازا وتحديا لمشاعر المسلمين. ولم يُحركهم في مجازرهم وفتكهم بالحسين بن على رضي الله عنهما إلا الغضب المنتقم الفظيع. لم يستجيبوا لله ربهم بل استجابوا للنعرة الجاهلية.

لا جرم تكون صلاة من صلى منهم نسخة مزيفة من الصلاة المطلوبة التي تنهى عن الفحشاء والمنكر، والزَّيْفُ لا يكون عماداً لفسطاط دين الآحاد ودين الجماعة، ولا يكون بحق أحد بنود سياق الشورى.

لم تكن محطات السياق الشوري، الذي نحن بصدد ترتيبه، التزامات صادقة. فتقلصت الصلاة من معناها القرآني، وتزحلقت من سلك المنظومة الشورية، وكان الحكم عضا لا شورى، وامتسخت الشورى وشوشة ووسوسة تحت ظل السيف الذي أعلن أنصار الأموية منذ ميلادها قانونه الرهيب. من قال برأسه هكذا قلنا له بسيفنا هكذا.

أعمال ومشاركة في البناء

8- ونصل إلى البند الثامن في السياق الشوري بعد أن فهمنا البنود السبعة السابقة على أنها اختيار حياتي والتزام بين ذمم مسؤولة في موقف أخروي تومن به، بل توقن، وتتهيأ، ويعمل المومن والمومنة في أداءِِ واجباته فردا وواجباته العامة استعدادا ليوم لا ريب فيه. ذلك اليوم وموقفي فيه أمام الخالق الدّيان سبحانه هو أمر حياتي. أي أهم شأن من شؤونها. الأمر في العربية هو الشأن المُهم.

هذا الأمر، والمراقبة الحذرة لكيلا أزيغ عنه، يقتضي مني أعمالا واعتقادا ومشاركة. هذا الأمر عندما يؤذن المؤذن للصلاة هو أن أخِفَّ إلى المسجد لألبِّي داعي الله؟ هذا الأمر يُذكرني بالله وبالآخرة الباقية وما عند الله فيها؟ يضع شؤون الحياة الدنيا في موضع نِسبيٍ كما يوضع المتاع الذي يتخذ وسيلة لهدف أسمى. يقوي ثقتي بالله فأتوكل على الله عملا دائبا صالحا بمعيار الإيمان والتقوى. يخوفني عقاب ربي فأجتنب كبائر الإثم والفواحش، وأستغفر الله وأكفر عن ذنبي في الفلتات. يعطيني من الطمأنينة والصبر ما أزم به غضبيّتي إن ثارت، فأغفر وأصفح وأكون رحمة للناس لا نقمة عليهم.

هذا الأمر العظيم، مصيري إلى الله ومقامي عند الله يهيمن على سلوكي فلا أتحرك إلا استجابة لربي، وبنيّة صالحة مخلصة، وباستقامة على ما أمر الله ونهى. بنيات صالحات لا بأمنيات طامحات.

هذا الأمر في شؤون الحكم يسمى شورى.

بُني نظام الحكم الإسلامي القرآني على مقدمات سبع، تكون الشورى قبة البناء. فإذا بنيت بناء ما وسميته إسلاما وهو شكل فارغ، ومسرح ونفاق، ثم وضعت على قمته قبة سميتها شورى، فأنت في مسرح ونفاق أساسا ونهاية. قاعدة وقمة.

إن رجلا حلب الدهر أشطُرَه مثلَك أخي المناضل الديمقراطي المثقف يدرك بتجربته وبحوثه العلمية أن التغيير، الذي تستهلك الأحزاب السياسية قاموسه، إن هو إلا سباحة لفظية في فضاء رحب يتنفس السياسيون هواءه.

إن تكلمت عن البناء الإسلامي، وعن سياق الشورى، فلكي أنظر إلى مستقبل ضرورته إعادة تربية أنفسنا، وإعادة تربية أجيال.

استعملت عبارة ملطخة بفظائع « إعادة التربية » في جولاج ستالين وحقول ماو.

الإسلام بشرى للإنسان، واختيار لا إكراه فيه، ورفق وحنان على الإنسان ورحمة. وكل هذا يطلب تأنيا وطول نفس ومثابرة.

لا ينظر المنغمسون إلى ما بعد غد!

لا يحسِبْ الفضلاء الديمقراطيون الأذكياء أننا من الغباء بحيث نعُد التّصديَ للحكم في الظروف الحالية للأمة نزهة مُريحة، أو غنْماً يتسابق إليه الإسلاميون السُّذج. الأحوال كارثية بشهادة من نصبوا للكوارث الأثافي وأوقدوا النار وطبخوا العلقم.

فلا مناص للمخلصين من أبناء الأمة وبناتها أن يصيروا إلى تفاهم لمعالجة ما يرثه الأبناء والبنات بعد الطوفان من حطام كارثي.

دعونا في كتاب « حوار مع الفضلاء الديمقراطيين » إلى ميثاق إسلامي يدخل فيه الصادقون اقتناعا لأن الإسلام هو الجامع لا الوهم التاريخي المبثوث الذي يحاول الحكام أن يجعلوا منه المقدّس الأعظم.

ما فهمني كثيرون يعيشون الفترة الراهنة منغمسين في الهموم السياسية للساعة، من قبيل التداول على السلطة، وتقوية معارضة برلمانية، والتنديد بالتزييف الانتخابي، والمطالبة بمراجعة الدستور.

لا ينظر المنغمسون إلى ما بعد غد، ولا يتوقعون. لذلك تفوتهم فرصة بناء جسور مع المستقبل. أستغفر الله، بل يفوتهم اتخاذ عهد مع الله. لذلك يأنفون وتأخذهم الحمية أنْ ذَكَرْتُ توبة تجمعنا وإياهم على كلمة سواء. بل رفض بعض كتبتهم رفضا واضحا اللقاء مع أيّ كان على أرضية إسلامية. نلتقي إذاً على ماذا ؟ ويجمعنا ماذا ؟

بعضهم لا يحب ولا يقدر أن ينفصل على مألوف تفكيره الركيك. ونحن عاجزون عن اصطناع خطاب ينحط بالكلمة العربية القرآنية المبينة رأفةً بمن لا يعرفون حقيقة العربية ومجازها، وبلاغتها وبيانها، وأساليب الخطاب العربي الإسلامي.

فاعجَبْ لأبناء أمة واحدة، وقطر واحد، يحتاجون لتراجمة يُفهمون بعضهم ما يقول بعض ! يجمعنا ماذا بعد تبخّر الأوهام التاريخية إن لم يجمعنا الإسلام؟ على أية أرضية نلتقي إن لم نلتق على أرضية الإسلام؟ إنها «القدّيسة لاييكية» التي علّمت أن السياسة أمن عام وتدبير معاش وصيغة للتساكن الحضاري والتداول على السلطة. ولا مدخل للدين في كل هذا. فرغ من تصفية أوهام الدين المفكرون فلاسفة الأنوار، وفرغ من تصفية الكهنوت الديني ثوار فرنسا منذ قرنين، الذين طبقوا أفكار فلاسفة الأنوار، وطردوا القساوسة.

المثقفون المبدعون المتحضرون سرعان ما ينقلون حكما تاريخيا نَقْلَ التلاميذ الأذكياء المرضيّين، فيسحبون كلمة «دين» على كل مؤسسة كنَسية، ويتمثلون في الدين. والدين عند الله الإسلام. الصورة التاريخية التي آلتْ إليها النصرانية الكاثوليكية التي نقضها فكرا وفلسفة أمثال روسو وفلتر ومنتسكيو، ونقضها بناءً ودعامة للحكم الثوار الفرنسيون منذ قرنين.

تلامذة الغرب الأذكياء جدا يقاتلون في معركة منقولة مسحوبة ثورة التّأليك ليفكوا رقاب الناس من ربقة التآمر « العلماني » الملكي الحاضر الشبيه المماثل للتآمر الكنسي الملكي على عهد لويس السادس عشر.

يُقاتلون في معركة التحرير التأليكية بنفس الاقتناع أن كل دين خرافة، وكنيسة تتجر في الأوهام، وتبيع صكوك الغفران، وتكذب على الناس.

لئن كان وضع التآمر المزمن بين علماء القصور وحكام القصور في زمننا شبيها ومثيلا من حيثُ التواطؤ بين الواعظ الرسمي والحاكم المطلق في فرنسا القرن الثاني عشر، فإن المثلية الكئيبة المتخلفة التابعة العاجزة فِكرا، واعتبارا بالتاريخ، وتمييزا بين مجتمع ومجتمع، ودين و « دين »، وعصر وعصر، لهي أشد اعتقالا وارتهانا لحاضرنا ومستقبلنا.

تقترح « القديسة لاييكية » المعصومة المترجمة حرفيا إقصاء الإسلام من ساحة الحكم كما أقصيت الكثلكة بفعل ثورة أمنا فرنسا.

لو كان لمثقفينا اللاييكين، المقتنعين بها المناضلين بالظفر والناب من أجل نصرها مُسْكة من تمييز، وبقية من صراحة مع الذات، وقدرة على مواجهة الذات، لأدركوا أن الفرنجة والفرنسة والإدمان على عصير فكري واحد يتجرعه دِهاقا المتفرنجون عقلا ولسانا، ويمتصه من أنابيب الترجمة المعرّبون، هو ما وضع على عيني الفكر غمّاضتين تمنعان من التمييز ومن الصراحة، وتَفُتّان في عَضُد العقل كلما صحا صحوة، فيمنعه الخوف من خرق الإجماع، وتمنعه هيبة فلسفة الأنوار، وهَدّة الثورة الفرنسية في التاريخ أن ينبس ببنْتِ شفة.

لو كان مثقفونا يرطنون بلغة غير الفرنسية، ويقرأون لكتاب غير فلاسفة فرنسا ومفكري فرنسا وروائيي فرنسا ومثقفي فرنسا الملتزمين، لعلموا أن معركة « التأليك » لا تُضرمها اليوم إلا الأم فرنسا الابنة البِكر للكنيسة قرونا، الثائرة على أمها منذ قرنين.

في أنجلترا دخلت الكنيسة تحت جناح الدولة منذ قرون. في ألمانيا لا يزال الألمانيون يؤدون ضرائب خاصة تمول الكنيسة. هناك لا توجد معركة تأليك ولن توجد. المثقفون المسلمون المشبعون بلغة غير اللغة الفرنسية لا تتأجج في صدورهم حُمَيّا الغضب على الدين، ولا حَمِيّة حرب إقصاء الدين.

استراح الناس خارج نطاق التأثير الثقافي الفرنسي وأراحوا. فيفهم الناس الديمقراطية فهما لا يحمل كل هذا العداء للدين. وتغلب عندنا الفرنجة، لذلك نتوجس خيفة من تَدليس المتَّجرين في الأوهام من الطبقة السياسية، ويتامى الإديولوجية الماركسية من المثقفين المتحولين على استحياء إلى دين الديمقراطية الجميلة الذكية المنفتحة إلخ طبْعا، اللاييكية شرطا ووُجوبا وبديهة.

» الأمر «

(وأمرهم شورى بينهم) جملة قرآنية تتوِّجُ في السياق الشوري سلوك المومنين الديني الذي يُرتِّب حياتهم في الدنيا والآخرة بنظام حكم هو من صميم الدين.

الأمر لغة، كما قلنا، الشأن المهم؟ الأمر مضاف إلى ضمير «هم». فمن هم هؤلاء الذين تستحق مشاوراتهم المنظمة أن يكون لها اعتبار الشأن المهم، بل الأهم ؟ أهم كل جماعة من العقلاء تواضعوا على شكل معين ونظام معين لتسيير شؤونهم ؟ أم يسقط الاعتبار في حساب الإسلام بسقوط الشروط في نفس المشاركين : مومنون هم ؟ مستجيبون هم لربهم ؟ مصلون هم ؟ إلى آخر مفردات السياق. أم هم مجرد عقلاء تواضعوا على نظام زمني لصوْن مصالح وإشاعة الأمن العام في المجتمع، وإيجاد الفرص للعيش الآمن الكريم ؟

الاختلاف بين شورى على قواعد القرآن وديمقراطية على قواعد عقد اجتماعي اختلاف جوهري.

ما الشأن المهم الأهم في نفوس فاعلي الشورى وفاعلي الديمقراطية ؟

» أمر » المومن القاعدي فوزه في الدار الآخرة، ومشاركته الفاعلة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر  أي في سياسة جماعة المسلمين – واجب يُلعن تاركه، ويقرب الوفاء به إلى الله زلفى.

» أمر » الديمقراطي القاعدي مواطنة يعتز بها، وحقوق مدنية، وحرية يضمنها القانون، وفرصة للعيش الكريم.

ماذا بين « أمر » هذا وهذا من توافق وتناقض ؟

التوافق في حاجة كل منهما إلى كرامة هي الشغل والعيش الكريم. التوافق في التوق إلى الحرية وضمانة السلطان.

ويستقر التناقض في المطلب الجوهري، وبالتالي في المرجعية التشريعية والأهداف العليا.

توافق فيما يفتقر إليه البشر في حياتهم هذه وفيما يدبره العقل المعاشي.

وتناقض وتدابُر فيما وراء ذلك بين قلوب مومنة بالقرآن وأخرى زمنيّة التنظيم دهرية العقيدة، أو على الغالب ضبابية الولاء فاقدة الهوية.

ما هو « أمرهم » جماعة في هذا الفريق وذاك ؟ ما هو الشأن الأهم؟ ضمير « هم » في جماعة المسلمين يشمَل الداخلين في الوَلاية العامة بين المومنين كما فصلها القرآن، وكما نقرأها في سياق سورة الشورى.

ضمير « هم » الديمقراطي يشير إلى مجتمع مدني، كائن بالفعل قائم، أو هو مطلب نضالي وأنشودة جميلة.

الرابطة إيمانية هنا، مدنية مواطنية هناك.

(وأمرهم شورى بينهم) تشير إلى تراضٍ عام بين مومنين، وإلى اندماج عاطفي قلبي إيماني. ثم إلى أمور وشؤون تابعة للغاية الأخروية يتشاور فيها، ويتراضى على الرأي الأسَدِّ.

أمرهم الديمقراطي يشير إلى اندماج سياسي، وإلى تراض يضمن الأمن والتعايش التعددي. ويتيح أيضا للأعْلَيْن في « المجتمع المدني » فرص التحرك الاجتماعي، وإثبات الذات، وتسلق السلم السلطوي. نضالاً أو تصالحاً. ومن شرط هذا الاندماج والتعايش التعددي وما معه من حُمولة سياسية أن يُترك الدين في بُرجه العاجي مبجّلا محترما، لا نلوث الدين بالسياسة.

أخي الفاضل الديمقراطي. لعل المُنْعرجات غير الأكاديمية في كتابتي يعيَى بها الحليم من العقلاء. ولعل تكريري لأوجه الكلام وتقليبَه تُمل المنطِق المألوف. لكن ما حيلتي إن كان بعضهم يقرأ بعض ما أكتب فيقول. إني عدو الديمقراطية ساخر بالديمقراطيين. ما حيلتي إلا أن أكرر وأقلب أوجه الكلام عل الناس يفهمون أن عدائي للكفر لا للديمقراطية، للخيانة العظمى التي يرتكبها تجار الأوهام السياسية من المثقفين حين يسكتون عن اللازمة الزمنية اللاييكية للنظام الديمقراطي ؟

أخي الفاضل الديمقراطي. ماذا أنت قائل غدا وما أنا قائل والوَلاية بين المومنين مزقتها الأحداث التاريخية، وأوهنها الجهل بالإسلام، وحرفها المتاجرون في الإسلام ؟

ما العمل لتحقيق الانسجام المدني والاندماج السياسي اللذَيْنِ لا تكتمل ديمقـراطية إلا بهما كما لا تكتمل شورى إلا في سياقها ؟ ما العمل والناس في بلادنا في حيرة وانقسام منذ اليوم، وهم غدا أشد حيرة عندما تخر الأصنام والأوهام الجامعة إلى الأذقان ؟

لا عمل أرجى إلا إخراج الناس من الغموض الفكري، بل التعتيم المبَرْمج، ومن الخوفين. خوف عواقب الكلمة المسؤولة، وخوفٍ آخَرَ هو أخزى وأضل سبيلا. خوف المثقف من خرق إجماع المندمجين المحترمين في الثقافة العالمية التي تقول بلسان واحد. لا دين إلا حقوق الإنسان، ولا خلاص إلا بالديمقراطية.

هل الديمقراطية كفر في حد ذاتها ؟

هل الشورى مجرد انتخاب وبرلمان، بقطع النظر عن المتعاقدين القاعديين ؟

أمُرُّ سريعا لأنْهي بنود السياق، أو قل شروط العقد والعهد بين الله تعالى والمومنين. ثم أرجع إلى الديمقراطية لأستعرض معك بنودها وشروطها. فلعلَّ تتضحُ معالمُ الصورتين، وأصول العقدين.

الزكاة والإنفاق مما رزقنا الله

9- الشرط التاسع في سياق الشورى هو الإنفاق مما رزقنا الله. هو الزكاة أساسا يكملها الإحسان إلى الناس وتكملها الصدقة. هو العدل في قسمة الأرزاق. هو التكافل الاجتماعي. ونرجع إلى الموضوع إن شاء الله.

الانتصار على البغي

10- الشرط العاشر في سياق الشورى يجمعنا مباشرة مع كل الأحرار الصادقين الفضلاء. وهو مقاومة البغي والظلم والتحكم في مصائرنا دون رضانا. هذه الخصلة الشريفة تجمعنا مع الفضلاء الديمقراطيين، وتصلحُ رباطا وثيقا، ومقدمة لاندماج المختلف، وانسجامه، وتعاونه.

خصلة شريفة واحدة مغروسة في نفوس كل الأحرار، من بين عشر خصال هي خصال السياق الشوري. فمهما كانت مرتبة الإباء وكراهية الظلم والظالمين ومقاومة البغي والباغين، فهي لا تعدو أن تكون في الحساب العددي جزءا من عشرة أجزاء. وهي بالحساب السياسي والمواقف النضالية مؤهل رئيسي لو كنا مجرد ديمقراطيين وطنيين مناضلين.

لكننا مسلمون، ما منّا مَن يتنازل سياسيا عن إسلاميته، وإن كان الكثيرون من الطبقة السياسية لا يرون أي تناقض بين تركك الصلاة وبين ادعائك الإسلام، ولا يرون حرجا في ارتكابك كبائر الإثم والفواحش باسم حرية لا ينكرها إسلامهم، ولا يعتبرون العمل على فكر مادي لاييكي منكرا من القول وزوراً وإن كان بعضهم يلبي نداء المؤذن للصلاة فينقرُها نقرا.

تزخر صفوف الفضلاء الديمقراطيين بأصناف الناس، جمعتهم عند منشَإ حزبهم وطنية وغيرة، كانت مسلمة وطنية، ثم أصبحت وطنية مسلمة، ثم تحولت وطنية ديمقراطية. تغير الناس، وفِكْرُ الناس، وولاء الناس، ومصالح الناس، حتى امْتَحَت الفواصل بين الوطنية والإسلام والديمقراطية. فالناس خليط، والأفكار خليط. وتزخر الأحزاب الوطنية بمومنين مصلين خاشعين يعملون في نيتهم لصلاح آخرتهم، لا يخامرهم شك في سداد اختيارهم.

إليك أخي المومن المصلي الغريب في دنيا السياسة أكتب. ما أظنك إلا حريصا مثلي ومثلَ كل المومنين على أن يصلي فلان ويتوب فلان. اربَأْ بنفسك أن تكتهل وتموتَ في الطيش والطيران مع الفَراش السياسي.