المحور الثاني:

الدعامة الفكرية التحليلية

إذا كانت الدعامة الأولى تنحو منحا تربويا إيمانيا، بحيث يحضر في قواعدها الفعل القلبي بالأساس، فإن الدعامة الثانية تعطي للجانب التحليلي والتأمل الفكري حقه، فيلتقي التفكر القلبي بالتفكير العقلي في انسجام متكامل، لتكتسي بذلك أدوات الفهم وآليات التحليل القوة الإقناعية اللازمة.

وهذه مقومات الدعامة الفكرية:

أولا: من أعالي التاريخ

نقرأ التاريخ من أعاليه لا من أسا فله. هذا الأس له من الأهمية والأولوية التي تسعفنا بالقول: إنه أس الأسس جميعها. المقصود بهذه الآلية التتلمذ للوحي مباشرة، والتلقي عن الله ورسوله صلى الله عليه وسلم لفهم التاريخ، أي قراءة الأحداث من خلال التوجيه القرآني النبوي.

يقول الأستاذ عبد السلام ياسين: “إن تتلمذنا للرسول المعلم الناصح صلى الله عليه وسلم مباشرة… يمكننا من مراقبة الأمور من أعاليها لا من أسافلها” (31) ويقول أيضا: “يهبنا الوهاب بفضله همة عالية لننظر إلى الواقع من أعالي التاريخ لا من أسافله” (32(وللتوضيح أكثر نورد هذين المثالين:

لقد قتل سيدنا عمار بن ياسر رضي الله عنه في أحداث الفتنة الكبرى، هذا حدث من أحداث تاريخنا. القراءة المباشرة له قد تؤدي إلى تضارب الخلاصات، لكن رجوعنا إلى مطلق الوحي واسترشادنا بالتوجيهات النبوية، ينبهنا إلى أن سيدنا عمار ستقتله فئة بغت على إخوانها، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “عمار ستقتله الفئة الباغية”.

ندرك إذا أن الفئة التي بغت على سيدنا عمار فقتلته، هي نفسها التي بغت على الأمة فأسست نظام ملك بني أمية، محولة بذلك مجرى تاريخنا. ونحن جلوس بين يدي الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم يخبرنا بأن القرآن والسلطات سيفترقان ويوصينا ألا نفارق القرآن.

الخوض في وقائع التاريخ دون الاستبصار بالإخبار والوصية النبوية، قد يؤدي بنا إلى خلل الفهم وضبابية الرؤية وزيغ الموقف. لكن نظرتنا إلى التاريخ من تلك المرتفعات تعصمنا من الخلل والضبابية والزيغ. يقول الأستاذ ياسين: “من هناك تغمرنا شمس القرآن بضيائها، ويبسط علينا بدر السنة سناءه، يغطي ظلنا الواقع ولا يغطي ظل الواقع كياننا، يحكم عقلنا المستنير بنور العلم القرآني النبوي معا قد الفهم، لا يتعقد علينا الفهم” (33).

إن اعتماد هذا الأس مسألة حاسمة وجوهرية لمن أراد أن يستفهم التاريخ ويخرج بالقراءة السليمة التي عليها البناء. بل إن تغييبنا له في تحليل ماضي الأمة والتفكير في أسباب انتفاض عرى الإسلام بدونه، يؤدي لا محالة إلى الوقوع في ذهنية التقليد واعتناق دين الانقياد.

ذهنية التقليد هذه -وهي ذهنية مناقضة تماما لهذا الأس- هي تلك الذهنية التي رقد أصحابها عند قدمي فحل من فحول العلماء الماضيين إلى عفو الله إن شاء الله، جاهلين نسبية ذلك الفحل أو ذلك المذهب ومحدوديته في إطار تاريخه، وتاريخ الحكم في عهده، وملابسات اجتهاده السياسية والاجتماعية والشخصية والصراعية المذهبية التي خاضها. لا يستطيع هؤلاء أن يتخطوا التراث الفاخر ليجلسوا عند درجة المنبر النبوي” (34) إن المقلدة لا يقدرون “وهم في سجن تقليدهم للأقدمين أن يبصروا واقعهم على ضوء تقريرات القرآن وإخباره عن سنة الله”

(35(هذه الذهنية المريضة والكليلة، حسب تعبير الأستاذ، تدفع صاحبها إلى اعتناق دين الانقياد، أي الانقياد للحاكم مهما ظلم وطغى وتجبر، فقط لأن فلانا من العلماء قد رضي وقبل بعلان من الحكام، وهو اجتهاد لصاحبه الأجر أو الأجرين غير أن ركوبنا متن التاريخ يرفعنا عن التقليد المقيت لدين الانقياد.

غير أنه لكي يستقيم فهم هذا الأس، لابد له من ضابطين: