اعلم أنه لو لم يكن بين يدي العبد المسكين كرب ولا هول ولا عذاب سوى سكرات الموت بمجردها، لكان جديرا بأن يتنغص عليه عيشه ويتكدر عليه سروره ويفارقه سهوه وغفلته، وحقيقا بأن يطول فيه فكره ويعظم له استعداده، لا سيما وهو في كل نفس بصدده كما قال بعض الحكماء: كرب بيد سواك لا تدري متى يغشاك وقال لقمان لابنه: يا بني أمر لا تدري متى يلقاك استعد له قبل أن يفاجأك. والعجب أن الإنسان لو كان في أعظم اللذات وأطيب مجالس اللهو فانتظر أن يدخل عليه جدي فيضربه خمس خشبات لتكدرت عليه لذته وفسد عليه عيشه، وهو في كل نفس بصدد أن يدخل عليه ملك الموت بسكرات النزع وعنه غافل، فما لهذا سبب إلا الجهل والغرور. واعلم أن شدة الألم في سكرات الموت لا يعرفها بالحقيقة إلا من ذاقها، ومن لم يذقها فإنما يعرفها إلا بالقياس إلى الآلام التي أدركها الاستدلال بأحوال الناس في النزع على شدة ما هم فيه. فأما القياس الذي يشهد له: فهو أن عضوا لا روح فيه فلا يحس بالألم، فإذا كان فيه الروح فالمدرك للألم هو الروح، فمهما أصاب العضو جرح أو حريق سرى الأثر إلى الروح فبقدر ما يسري إلى الروح يتألم، والمؤلم ينفرق على اللحم والدم وسائر الأجزاء، فلا يصيب الروح إلا بعض الألم، فإن كان في الآلام ما يباشر نفس الروح ولا يلاقي غيره فما أعظم ذلك الألم وما أشده!.

والنـزع عبارة عن مؤلم نزل بنفس الروح فاستغرق جميع أجزائه، حتى لم يبق جزء من أجزاء الروح المنتشر في أعماق البدن إلا وقد حل به الألم، فلو أصابته شوكة فالألم الذي يجده إنما يجري في جزء من الروح يلاقي ذلك الموضوع الذي أصابته الشوكة، وإنما يعظم أثر الاحتراق لأن أجزاء النار تغص في سائر أجزاء البدن، فلا يبقى من العضو المحترق ظاهرا أو باطنا إلا وتصيبه النار فتحسه الأجزاء الروحانية في سائر أجزاء اللحم.

وأما الجراحة: فإنما تصيب الموضع الذي مسه الحديد فقط، فكان لذلك ألم الجرح دون ألم النار، فألم النزع يهجم على نفس الروح ويستغرق جميع أجزائه فإنه المنزوع المجذوب من كل عرق من العروق وعصب من الأعصاب وجزء من الأجزاء ومفصل من المفاصل ومن أصل كل شعرة وبشرة من الفرق إلى القدم، فلا تسأل عن كربه وأنه، حتى قالوا: إن الموت لأشد من ضرب بالسيف ونشر بالمناشير وقرض بالمقاريض لأن قطع البدن بالسيف إنما يؤلم لتعلقه بالروح فكيف إذا كان المقاول المباشر نفس الروح؟ وإنما يستغيث المضروب ويصيح لبقاء قوته في قلبه وفي لسانه، وإنما انقطع صوت الميت وصياحه من شدة ألمه لأن الكرب قد بالغ فيه وتصاعد على قلبه، وبلغ كل موضع منه فهدّ كل قوة وضعف كل جارحة فلم يترك له قوة الاستغاثة.

أما العقل: فقد غشيه وشوشه، وأما اللسان فقد أبكمه، وأما الأطراف فقد ضعفها. ويود لو قدر على الاستراحة بالأنين والصياح والاستغاثة ولكنه لا يقدر على ذلك، فإن بقيت فيه قوة سمعت له عند نزع الروح وجذبها خوارا وغرغرة من حلقه وصدره، وقد تغير لونه واربدّ حتى كأنه ظهر منه التراب الذي هو أصل فطرته، وقد جذب منه كل عرق على حياله، فالألم منتشر في داخله وخارجه، حتى ترتفع الحدقتان إلى أعالي أجفانه، وتتقلص الشفتان، ويتقلص اللسان إلى أصله، وترتفع الأنثيان إلى أعالي موضعهما، وتخضر أنامله.

فلا تسل عن بدن يجذب منه كل عرق من عروقه! ولو كان المجذوب عرقا واحدا لكان ألمه عظيما فكيف والمجذوب نفس الروح المتألم؟ لا من عرق واحد بل من جميع العروق. ثم يموت كل عضو من أعضائه تدريجا فتبرد أولا قدماه ثم ساقاه ثم فخذاه، ولكل عضو سكرة بعد سكرة وكربة بعد كربة حتى يبلغ بها إلى الحلقوم، فعند ذلك ينقطع نظره عن الدنيا وأهلها ويغلق دونه باب التوبة وتحيط به الحسرة والندامة، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “تقبل توبة العبد ما لم يغرغر”. وقال مجاهد في قوله تعالى: “وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت الآن” قال: إذا عاين الرسل فعند ذلك تبدو له صفحة وجه ملك الموت فلا تسأل عن طعم مرارة الموت وكربه عند ترادف سكراته! ولذلك كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: “اللهم هون على محمد سكرات الموت” والناس إنما لا يستعيذون منه ولا يستعظمونه لجهلهم به فإن الأشياء قبل وقوعها إنما تدرك بنور النبوة والولاية، ولذلك عظم خوف الأنبياء والأولياء من الموت حتى قال عيسى عليه السلام يا معشر الحواريين ادعوا الله تعالى أن يهون علي هذه السكرة  يعني الموت- فقد خفت الموت مخافة أوقفني خوفي من الموت على الموت، وروي أن نفرا من إسرائيل مروا بمقبرة فقال بعضهم لبعض: لو دعوتم الله تعالى أن يخرج لكم من هذه المقبرة ميتا تسألونه؟ فدعوا لله تعالى فإذا هم برجل قد قام وبين عينيه أثر السجود قد خرج من قبر من القبور فقال: يا قوم ما أردتم مني لقد ذقت الموت منذ خمسين سنة ما سكنت مرارة الموت من قلبي. وقالت عائشة رضي الله عنها: لا أغبط أحد يهون عليه الموت بعد الذي رأيت من شدة موت رسول الله صلى الله عليه وسلم. وروي أنه عليه السلام كان يقول: “اللهم إنك تأخذ الروح من بين العصب والقصب والأنامل. اللهم فأعني على الموت وهونه عليّ”. وعن الحسن: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر الموت وغصته وألمه فقال: “هو قدر ثلاثمائة ضربة بالسيف”، وسئل صلى الله عليه وسلم عن الموت وشدته فقال: “إن أهون الموت بمنزلة حسكة في صوف فهل تخرج الحسكة من الصوف إلا ومعها صوف”، ودخل صلى الله عليه وسلم على مريض ثم قال: “إني أعلم ما يلقى ما منه عرق إلا ويألم للموت على حدته”، وكان علي كرم الله وجهه يحض على القتال ويقول: إن لم تقتلوا تموتوا والذي نفسي بيده لألف ضربة بالسيف أهون علي من موت على فراش. وقال الأوزاعي: بلغنا أن الميت يجد ألم الموت ما لم يبعث من قبره. وقال شدّاد بن أوس: الموت أفظع هول في الدنيا والآخرة على المؤمن، وهو أشد من نشر بالمناشير وقرض بالمقاريض وغلي في القدور، ولو أن الميت نشر فأخبر أهل الدنيا بالموت ما انتفعوا بعيش ولا لذوا بنوم. وعن زيد بن أسلم عن أبيه قال: إذا بقي على المؤمن من درجاته شيء لم يبلغها بعمله شدد عليه الموت ليبلغ بسكرات الموت وكربه درجته في الجنة، وإذا كان للكافر معروف لم يجز به هون عليه في الموت ليستكمل ثواب معروفه فيصير إلى النار. وعن بعضهم: أنه كان يسأل كثيرا من المرضى كيف تجدون الموت؟ فلما مرض قيل له: فأنت كيف تجده؟ فقال: كأن السموات مطبقة على الأرض وكأن نفسي يخرج من ثقب إبرة. وقال صلى الله عليه وسلم: “موت الفجأة راحة للمؤمن وأسف على الفاجر”، وروي عن مكحول عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: “لو أن شعرة من شعر الميت وضعت على أهل السموات والأرض لماتوا بإذن الله تعالى لأن في كل شعرة الموت ولا يقع الموت لشيء إلا مات”، ويروى: “لو أن قطرة من ألم الموت وضعت على جبال الدنيا كلها لذابت”، وروي أن إبراهيم عليه السلام لما مات قال الله تعالى له: كيف وجدت الموت يا خليلي قال: كسفود جعل في صوف رطب ثم جذب. فقال: أما إنا قد هونا عليك. وروي عن موسى عليه السلام أنه لما صارت روحه إلى الله تعالى قال له ربه: يا موسى كيف وجدت الموت، قال: وجدت نفسي كالعصفور حين يقلى على القلى لا يموت فيستريح ولا ينجو فيطير، وروي عنه أنه قال: وجدت نفسي كشاة حية تسلخ بيد القصاب. وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان عنده قدح من ماء عند الموت. فجعل يدخل يده في الماء ثم يمسح بها وجهه ويقول: “اللهم هون علي سكرات الموت”، وفاطمة رضي الله عنها تقول: واكرباه لكربك يا أبتاه! وهو يقول: “لا كرب على أبيك بعد اليوم”. وقال عمر رضي الله عنه لكعب الأحبار يا كعب حدثنا عن الموت؟ فقال: نعم يا أمير المؤمنين إن الموت كغصن كثير الشوك أدخل في جوف رجل وأخذت كل شوكة بعرق، ثم جذبه رجل شديد الجذب فأخذ ما أخذ وأبقى ما أبقى، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: “إن العبد ليعالج كرب الموت وسكرات الموت وإن مفاصله ليسلم بعضها على بعض تقول: عليك السلام تفارقني وأفارقك إلى يوم القيامة”.

فهذه سكرات الموت على أولياء الله وأحبابه. فما حالنا ونحن المنهمكون في المعاصي وتتوالى علينا مع سكرات الموت بقية الدواهي.