لكل نظام سياسي قاعدة هي الأحزاب المتعددة أو الحزب الواحد المعتمدة على إديولوجيات توحد وجهة كل منها وعلى رأي عام يحتكر مخاطبتَه الحزبُ الواحد أو تتنافس على التأثير فيه واقتناص أصواته الأحزاب الديموقراطية. وتسمى خلاصة الرأي وتصويت الأغلبية كما يسمى قرار الحزب الوحيد “إرادة الشعب”.

في النظام الإسلامي، كما نتصوره في عصرنا وما بعده، تكون قاعدة الشورى والحكم والمراقبة هي المشاركة العامة بمقتضى واجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. حيث تكون عضوية الحزب في النظامين الديموقراطي والشيوعي اختيارا ومزيَّة، وحيث يكون التصويت اختياريا، يكون واجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في دولة القرآن تجنيدا شرعيا للكافة من المومنين والمسلمين.

المعروف، كما قال الراغب الأصفهاني، “اسم لكل فعل يعرف بالعقل أو الشرع حسنُه، والمنكر ما ينكر بهما”. فواجب كل محسن ومومن ومسلم ذكرٍ أو أنثى أن يجتهد لمعرفَة الحسن العقلي والشرعي، ويأمر به، وينهى عن خلافه، ويجاهد بالفكر والقلب واللسان واليد ليُعرَفَ المعروف من الدين ويُفعل ويحترم، ولينكر المنكر في الدين ويُدْحضَ ويُبْطَلَ.

وكما يعرف إسلام المسلم والمسلمة وإيمان المومن والمومنة في خاصة فرديَّةِ كل واحد بصلاح الأعمال والأقوال،كذلك تعرفُ إسلامية المجتمع من عدمها،ودرجة إسلاميَّته، بمقدار يقظته الدينية المتجلية في معرفته للمعروف وأمره به وفرضه في السلوك العام، وفي معرفة ما هو المنكر ونهيه عنه ومحاصرته وملاحقته أنَّى وُجِد.

واجب المسلمين والمومنين فردا فردا في حق الغير أن يرعى كلٌّ رعيته بمسؤولية وأمانة. وواجبهم جماعة، واجبا عينيا يتساءلون عنه ويتراقبون، أن يأمروا بالمعروف وينهوا عن المنكر.

نقرأ في القرآن أن خِيَارَ العباد هم “الذين آمنوا وعملوا الصالحات” ونقرأ أن خير الأمم “أمة تامر بالمعروف وتنهى عن المنكر”. قال رب العزة جل شأنه: (كنتم خير أمة أخرجت للناس تامرون بالمعروف وتنهون عن المنكر). (سورة آل عمران، الآية: 110) وقال عز من قائل: (ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويامرون بالمعروف وينهون عن المنكر). (سورة آل عمران، الآية: 104) الحافظون لحدود الله الذين عليهم مدار تطبيق الشريعة هم الآمرون بالمعروف الناهون عن المنكر، وهم كافة الأمة. قال تعالى: (التائبون العابدون الحامدون السائحون الراكعون الساجدون الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر والحافظون لحدود الله. وبشر المومنين). (سورة التوبة، الآية: 112) ونقرأ أن واجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حكمة عُليا يجب أن يربَّى عليها الوليد منذ نشأته. قال الله عز وجل حكاية لنصيحة لقمان لابنه وإقرارا لها : (يا بني أقم الصلاة وامر بالمعروف وانه عن المنكر). (سورة لقمان، الآية: 17) فكما يومر الصبي بالصلاة ويربّى عليها لأنها عماد دينه في نفسه، كذلك يومر بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لأن ذلك عماد دين الأمة، لا يستقيم للأمة دين ولا دنيا ولا آخرة إلا به. ويكفي دلالة على فظاعة ترك هذا الواجب المقدس أن الله تعالى لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى بن مريم (بما عصوا وكانوا يعتدون. كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه. لبيس ما كانوا يفعلون). (سورة المائدة، الآية: 79) فعدَّ سبحانه الإخلال بهذا الواجب العظيم عصيانا له وعُدوانا على خلقه.

وإنما ماتت الأمة موت الخنُوع، وفسد نظامُها، وسقطت من مقام “خير أمة أخرجت للناس” بتركها الواجب العظيم الذي حث عليه الله عز وجل في كتابه، وأكده صلى الله عليه وسلم في مثل قوله: “ما من نبي بعثه الله في أمة قبلي إلا كان له من أمته حواريون وأصحاب يأخذون بسنته ويقتدون بأمره. ثم إنها تخلُف من بعدهم خلوف يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يومرون. فمن جاهدهم بيده فهو مومن، ومن جاهدهم بلسانه فهو مومن، ومن جاهدهم بقلبه فهو مومن. ليس وراء ذلك من الإيمان حبة خَردل”. رواه مسلم عن ابن مسعود رضي الله عنه.

معرفة ما هو المعروف وما هو المنكر شرط وجوب وشرط صحة سابقٌ على المشاركة في الأمر والنهي. المنكر الأكبر كما عينه هذا الحديث الشريف هو حكم المنافقين الذين يقولون ما لا يفعلون ويفعلون ما لا يومرون. فمَن حَمَل حملاتِ التشهير والتكفير على البدع الجزئية، بدَع العجوز الجاهلةِ والعادات السافلة، مسالما للمنكر الأكبر، مُنْكَرِ الحكم الفاسد قبل قيام الدولة الإسلامية وبعدها، فهو راتِع في دين الأمة، محرِّفٌ لسُلَّم أولوياتها بسبب اختلال علمه وعمله، إذ تصدى لمسؤولية جسيمة بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير.

واجب كل مسلم ومومن أن يتعلم ما هو المعروف وما هو المنكر قبل المشاركة في الفِعْل، كما يتعلم صفة الصلاة وأركانها وشروطها قبل القيام إليها وإقامتها. مصدر التعلم والتلقي، قبل قيام دولة القرآن وبعدَه، هم العلماء العاملون المتجندون في جماعة المسلمين المتصدية للحكم. وقد يختلف تصور العلماء للمعروف والمنكر حسب الاجتهاد أو حسب الانتماء التنظيمي إن كانت “جماعة المسلمين” في قطر ما ومرحلة ما تتكون من جماعات مستقلة الرأي والاجتهاد والكلمة. وعلى كل جماعة في هذه الحالة أن تصرح برأيها واجتهادها وأدلتها لتقنع الناس ولتتحد الكلمة وجوبا قبل الشـروع في العمل ببَنْدٍ من بنود الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وإلا تَتَّحِد الكلمة تكن فوضى وفتنة ومنكراً أعظم كمن يطفئ النار بالزيت.

إن الهدف الرئيسي من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو اجتثات الحكم الفاسد وتقويض دعائمه شرطاً لكل الشروط، وإلا استحال هذا الواجب المقدس لعبة في يد السلطان الجائر وسهما مصوبا إلى من ينافسه ويضايقه. ثم الأهداف بعد ذلك هي المحافظة على سلامة نظام الحكم، وحماية حوزته، وتزويد جَذْوته بِالجُهد الصادق لكيلا يفتر نشاطهُ وتنطفِئ شُعلته. ثم محاصرة بؤر الفساد ومنابع الشر، مؤسسات وأفراداً، لدحض الفساد وإخماد المنكر وتخميله وتنويمه والحدِّ من شره. ثم في حركة موازية مزامنة لإبطال الباطل وهدِّ المنكر، الجهاد الإيجابي لإحقاق الحق، وهو المعروفُ حسنُه بالعقل والشرع، بل بالشرع والعقل. والمعروف هو العدل والبر والمجتمع الأخوي وإنصاف المحرومين وإغاثة الملهوفين ورفع المستضعفين إلى المرتبة الإيمانية المكرَّمة التي يستحقون بها منة الله بالاستخلاف في الأرض والسيادة فيها.

إن المشاركة العامة بالباعث الديني تُعطي الأمة في ظل دولة القرآن طاقةً كبيرة، على جند الله، جماعة واحدة أو جماعات متعاونة على البر والتقوى، أن تستغلها وتُوَجهها التوجيه الحسن كما تستغل أثمن كنز. عليها أن تنسج من المجهودات العفوية الشعبية، الصاعدة قُربانا لله رب العالمين وطاعةً، صعيداً وقاعدةً بجهد الدولة المنظم، ليتلاقى الجهدان، ويتكامل العملان، أمرا ونهيا، أخذا وعطاء، دفاعا وتأسيسا، حفاظا وتنمية.

لا شك أن جهاز الدولة، عندما تتسلمه الأيدي القوية الأمينة، هو الآلة الأقدر على التنفيذ. والدعوة الماسكة بالآلة هي الجهة الأجْدرُ بقيادة المجتمع وتنسيق الجهود. فليكن هدف الدعوة وتنفيذ الدولة قاصداً إلى تحقيق حالةٍ يتقلص فيها ظل الدولة ليتولى الناس عامة شؤونهم، وليتولى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وليتولى البر والإحسان، وليتولى رعاية كل راع لمناط مسؤوليته، ما هو حالٌّ حاضر سهلةٌ مراقبتُه من الأعمال.

وليكن الرفق، لا سيما في مراحل التأسيس، رائد جند الله. هناك أشلاء النظام المقضيِّ عليه، من أحزاب ومؤسسات. هنالك الذهنيات الموروثة، والعادات، والأنانيات، والغنائم الحرام، وتربص الأعداء من داخل وخارج. وليس واجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالشيء الذي تناديه فيلبي النداء فورا ويحضر لتلَقِّي الأوامر. الإيمان بناءٌ وتربية وتوجيه وتسديد. ومن جملة شعب الإيمان الأمر والنهي، والفعل والترك.

يُترك للأحزاب حريَّةُ رفع اللافتة الإسلامية لمن شاء منها أن يستقيم. ويعامل كل منكر من منكرات الأمس على ضوء نية مجدَّدَة معلنة بعد ردِّ المظالم. ثم إن هنالك سَعَةً في سياسة المقاطعة والتبكيت، والحزم اللازم والرفق الملائم، حتى يهلك من هلك عن بينة ويحيى من حيي عن بينة، وإن الله لسميع عليم.

ارتد رجل زمان حكم أمير المومنين عمر فقتلوه. فأنكر ذلك عمر وقال: “فهلا حبستموه -قالها ثلاثا- وأطعمتموه كل يوم رغيفا، واستتَبتموه لعله يتوب ويراجع أمر الله! اللهم إني لم أحضر، ولم آمر ولم أرض إذ بلغني!” رواه مالك في الموطإ.

كانت شدة رسول الله صلى الله عليه وسلم على أعداء الله بعد أن ثبتتْ أركان دولته في المدينة شدةً بالغةً. فقد غَدَرَ ناسٌ من عُكْل بعهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقطع أيديهم وأرجلهم، وسمل أعينهم، وعطشهم حتى ماتوا عطشا. ذلك جزاء وفاقٌ كما قال الله تعالى: (إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الارض فسادا أن يقتَّلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الارض). (سورة المائدة، الآية: 33) وإن لنا في قوله وهو أرحم الراحمين: “أو ينفَوا من الارض” خيار ومندوحة عن البأس الشديد قبل أن نتمكن كما كان لعمر مندوحة في حبس المرتد عن حد الله وأمر رسوله بقتل من غير دينه من زنديق وملحد، لمصلحة رآها الفقيه الراشد عمر أمير المومنين.

قال أمير من أمراء الأولياء وسلاطينهم الشيخ عبد القادر: “قد أخبرك الله عز وجل بجهادين: ظاهر وباطن. فالباطن جهاد النفس والهوى والطبع والشيطان، والتوبة عن المعاصي والزلات، والثبات عليها، وترك الشهوات المحرمات. والظاهر جهاد الكفار المعاندين لله ورسوله صلى الله عليه وسلم، ومقاساةُ سيوفهم ورماحهم وسهامهم. “يَقْتُلون ويُقْتلون”. فالجهاد الباطن أصعبُ من الجهاد الظاهر، لأنه شيء ملازم متكرر. وكيف لا يكون أصعب من الجهاد الظاهر وهو قطع مألوفات النفس من المحرمات، وهجرانُها وامتثالُ أوامر الشرع، والانتهاء عن نهيه!

“فمن امتثل أمر الله عز وجل في الجهادين حصلت له المجازاة دنيا وآخرة. الجراحات في جسد الشهيد كالفصد في يد أحدكم: لا ألم لها عنده. والموت (المعنوي وهو المعبر عنه بالفناء) في حق المجاهد لنفسه، التائب من ذنوبه، كشرب العطشان للماء البارد.

“يا قوم! ما نكلفكم بشيء إلا ونعطيكم خيرا منه. المراد (من العباد) كلَّ لحظة له أمر ونهيٌ يخصه من حيث قلبُه. بخلاف بقية الخلق، بخلاف المنافقين أعداء الله عز وجل ورسوله. بجهلهم بالحق عز وجل وعداوتهم له يدخلون النار. وكيف لا يدخلون وقد كانوا في الدنيا يخالفون الحق عز وجل ويوافقون نفوسهم وأهويتهم وطباعهم وعاداتهم وشياطينهم، ويؤثرون دنياهم على أخراهم ! كيف لا يدخلون النار وقد سمعوا هذا القرآن ولم يومنوا به، ولم يعملوا بأوامره وينتهوا عن نواهيه!

” يا قوم! آمنوا بهذا القرآن واعملوا به، وأخلصوا في أعمالكم. لا تُراءُوا ولا تنافقوا في أعمالكم. ولا تطلبوا الحمد من الخلق والأعواضَ عليها منهم. آحاد أفرادٍ من الخلق يومنون بهذا القرآن ويعملون به لوجه الله عز وجل. ولهذا قلَّ المخلصون وكثر المنافقون.

“ما أكسلكم في طاعة الله عز وجل وأقواكم في طاعة عدوه وعدوكم الشيطان الرجيم! القوم يتمنون أن لا يخلوا من تكاليف الحق عز وجل”.