طلع علينا المجلس الاستشاري في نسخته الجديدة منتصف هذا الأسبوع (الثلاثاء 15 يونيو 2004) بباكورة عمله هذه السنة من خلال مجموعة إنتاجات وإنجازات منها التقرير السنوي عن حالة حقوق الإنسان بالمغرب 2003؛ وهذا أول تقرير من نوعه تختص بصياغته مؤسسة (رسمية تقوم بمهام استشارية للسلطة الحاكمة بالبلاد، وقد كان بمثابة جس نبض لمدى مصداقية هذه المؤسسة وصدق التصريحات التي رافقت تأسيسها. فهل كان هذا التقرير في مستوى التطلعات والانتظارات؟

تشاء الأقدار ليكون الاختبار صعبا بحكم تزامن هذه السنة مع مجموعة وقائع حقوقية جعلتها حافلة ومثيرة (مخلفات أحداث 11 شتنبر وأحداث 16 ماي و11 مارس وتداعياتها على المغرب). حيث شملت الاعتقالات والاختطافات والمحاكمات مئات المواطنين، ولذلك ظل الكل يترقب الرد الرسمي للجهات المتخصصة على ملاحظات وانتقادات الهيئات الحقوقية الوطنية والأجنبية، سيما أن ردود وزير العدل أو مسؤولي الداخلية لم تكن مقنعة لأبسط المواطنين فأحرى أن تقنع الباحثين المتخصصين.

لن أجازف بإصدار أحكام متسرعة ولكنني أدعو المواطنين للاطلاع على مضامين هذا التقرير ليعلموا أن موضوعه شيئا آخر غير حقوقهم وبلدا آخر غير المغرب، لأن هذا التقرير اختزل وببساطة مخجلة الخروقات الحاصلة خلال هذه السنة الحساسة والتي جعلت العديد من المتتبعين (باحثين، إعلاميين، حقوقيين، سياسيين..) يستخلصون أننا بصدد العودة إلى سنوات الرصاص وعهود تازمامارت، بسبب اتساع دائرة الخروقات (تعذيب، اختطافات، محاكمات غير عادلة..)، لكن المجلس اختزلها في: “تجاوز مدة الحراسة النظرية: تسع حالات، عدم إبلاغ العائلات بإذن الاعتقال: نفس الحالات، حصول احتجازات غير قانونية: حالتان” وقد توصل المجلس الاستشاري إلى هذه الخلاصة بعد جهد جهيد قام فيه بالتثبت من خلال المقارنة بين المعطيات الواردة عليه من الضحايا أو المنظمات الحقوقية وأجوبة الجهات الرسمية (الداخلية والعدل)، وهكذا فنحن، والحمد لله الذي لا يحمد على مكروه سواه، بخير طالما أن الخروقات قليلة لهذا الحد، وهذا ما يبوؤنا مكانة، أفضل حتى من الولايات المتحدة الأمريكية التي عرفت بفضائح كوانتانامو وأبو غريب، أما عن حالتي الوفاة فيخبرنا التقرير بلغة جازمة بأن حالة عبد الحق بناصر (مول الصباط) المتهم بأنه المخطط ومنسق أحداث 16 ماي الأليمة كانت وفاة ناتجة عن مرض في القلب والكبد كما جاء في تقرير التشريح الطبي، وأما عن حالة محمد أبو النيت فيخبرنا التقرير بأن أجوبة الجهات الرسمية تفيد أن المعني بالأمر انتحر إثر ارتمائه على جنب سيارة الشرطة التي كانت تنقله إلى الدار البيضاء؟! فكيف يصدق هذا؟ وحتى إذا صدقناه افتراضا فكيف يلجأ متهم، الأصل فيه البراءة إلى أن تثبت إدانته، إلى الانتحار وهو بمستوى علمي ومكانة اجتماعية (دكتور في الفلسفة) لو تلقى معاملة إنسانية لائقة؟ كيف يفضل الموت بتلك الطريقة لو لم يعرف بأن موته محقق لا محالة؟ وليت التقرير وقف عند هذا الحد، ولكنه تجاوزه إلى استعمال لغة التبرير “ورغم أن الحالات التي حصل فيها خرق لحقوق الإنسان هي مرتبطة بمحاربة الإرهاب وبالتالي بظروف ذات خطورة استثنائية وبالرغم من كون هذه الحالات تظل محدودة مقارنة مع عدد التوقيفات والاستنطاقات والمساطر المعروضة على القضاء”.

إنها مفارقة غريبة أن يصدر هذا الكلام عن حقوقيين، وعن مسؤولين ومستشارين لدى ملك البلاد، وهم أعلم من غيرهم بقيمة الإنسان وحقوقه، فالله تعالى يقول “من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا” المائدة 32.

وبعد ذلك يبين التقرير أن أصحابه منشغلون ومطروح عليهم ضمن الأولويات:

1. إجراء نقاش حول دور وصلاحيات الأجهزة الأمنية الخاصة: ونقول ما هي هذه الأجهزة؟ ولماذا تطرحون هذا الأمر ضمن أولوياتكم؟ هل الأمر يستدعي ذلك مع هذه الخروقات البسيطة؟

2. التأكد من وجود المراكز التابعة للأجهزة الأمنية الخاصة التي كانت موضوع مؤاخذات وملاحظات المنظمات الحقوقية والتي وردت بشأنها أخبار متقاطعة في صحف متعددة: ونقول هل هذا الأمر مازال يحتاج إلى تأكد؟ هل لا تكفي كل هذه الشهادات؟ هل ما زال في الاستطاعة الانتظار حتى يتم البحث؟ ومتى؟ وكيف؟ ومن يقوم به؟ أخشى أن يعيد التاريخ نفسه فقد كان الحسن الثاني ينكر وجود تازمامارت وبعد ذلك ظهرت فظاعات تقشعر لها جلود من لازالت فيهم ذرة من الآدمية.

لا أريد الإطالة أكثر، وحسبي التنبيه وإثارة اهتمام الفاعلين الحقوقيين حتى لا يمر هذا الحدث باردا؛ وحتى لا ننهي كما بدأنا أختم بهمسة في أذن أعضاء هذا المجلس وضمنهم حقوقيون يحترمون تاريخهم ورصيدهم، إن كانوا مازالوا كذلك:

1) إن معايير التثبت المعتمدة غير عادلة لأن الضحايا يتكلمون من موقع ضعف، ولا يمكن أن يدلوا بأدلة على تعذيبهم واختطافهم وإهانتهم وهم الذين تعصب أعينهم منذ إخراجهم من بيوتهم، ووسائل التعذيب تطورت بالشكل الذي لا يترك معه أثر. وأنتم أعلم من غيركم بهذا الأمر فكيف يعقل التثبت في هذه الحالة؟ كيف لهؤلاء المساكين أن يثبتوا ما يمارس ضدهم؟

2) التأكد من مدى احترام مدة الحراسة النظرية غير ممكن طالما أن باستطاعة السلطة التلاعب في التاريخ، وأنتم أدرى بالأساليب المعتمدة في هذا الباب.

3) تقارير المنظمات الحقوقية ذات المصداقية سواء الوطنية أو الأجنبية ذكرت أرقاما وحالات بالمئات والعشرات، ولا أعتقد بأنها تعتمد معايير للتثبت أقل موضوعية من معاييركم، فما السر في ذلك؟ ولماذا فضلت أجهزة الداخلية والعدل الإجابة على أسئلتكم ولم تجب عن العديد من أسئلة المنظمات الأخرى؟ أو بالأحرى لم تقتنع باقي المنظمات بهذه الأجوبة، واقتنعتم بها؟ أأنتم أكثر حرصا منهم؟

4) عليكم التحلي بشيء من الواقعية إن أردتم الحفاظ للمجلس على بعض مصداقيته -وهي غير ممكنة على كل حال بالنظر إلى كيفية تشكيله وصلاحياته و…- وإلا فإنه لن يعمر أكثر من سابقه، والمجلس يتجدد والمخزن أصبح مبدعا في هذا المجال، ولكن مصداقيتكم ستسقط، وسمعتكم ستلوث. تذكروا هذا جيدا، واعتبروا بمن سبقكم، ولا تكونوا مسحوقا يصبن به غيركم أوساخه.

5) كان هناك تحد أمام المجلس باعتباره مؤسسة رسمية يتجلى في مدى قدرته على نسج منهجية وخطاب يميزانه عن الخطاب الرسمي الذي صار يمجه المواطنون، ولكنه من خلال هذا التقرير أثبت أنه ما زالت تحكمه خلفيات المؤسسة الرسمية التي لا تتجرأ على قول الحقائق وتتمسك بخطاب دفاعي وتبريري للأوضاع السائدة، وعدد الخروقات التي رصدها تذكرنا بنسب التصويت الرسمية أثناء الاستفتاءات: 99,99%.

6) إنكم بهذا التقرير تصطدمون مع مكونات المجتمع، وتسبحون ضد التيار، وتضعون المنظمات الحقوقية ووسائل الإعلام في قفص الاتهام دون أن تشعروا، وإلا فهل كل هذه الهيئات متآمرة؟ هل كلها تعتمد منطق التضخيم والتهويل؟

لا أراهن على أن بإمكان هذا المجلس بصيغته الحالية تغيير شيء من الوضع فلا سلطة له ولا إمكانيات متاحة أمامه والبيئة التي يعمل فيها غير ملائمة، ولكنني مازلت أراهن على مروءة لدى بعض أعضائه تمنعهم أن يكونوا أداة طيعة في يد أجهزة صارت بذكر مساوئها ومظالمها الركبان، وإن كنت أدرك صعوبة هذا الرهان لأنهم مجرد موظفين منفذين وقد رضوا بهذه الوضعية يوم قبولهم العضوية في مجلس بهذا الشكل. “إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد” صدق الله العظيم.