خصصت جريدة المستقل في عددها الصادر يوم 16 يونيو الجاري، ملفا خاصا بالحركات الإسلامية بالمغرب.. وقد استجوبت الأستاذ فتح الله أرسلان الناطق الرسمي لجماعة العدل والإحسان، حول واقع الحركات الإسلامية بعد 16 ماي و 11 مارس وقضايا أخرى، فكانت الأجوبة كالآتي..

1. ما تقييمكم لواقع الحركات الإسلامية بالمغرب بعد أحداث 16 ماي بالدار البيضاء و11 مارس بمدريد وأيضا بعد تصريحات المدير العام للأمن الوطني وإصرار الولايات المتحدة الأمريكية على دفع كل الأنظمة العربية والإسلامية للانخراط في استراتيجيتها المتعلقة بمحاربة ما تسميه بالإرهاب الدولي؟

الحركات الإسلامية بالمغرب، والحمد لله، في تنام وتوسع وتطور، ويمكن للمتتبع أن يلحظ هذا بجلاء من خلال المناسبات التي تتاح لها سواء الوقفات أو المسيرات أو الندوات أو ما شابه ذلك. وهذا ليس بسبب قوتها أو قدراتها ولكن بسبب أصالة المشروع الذي تحمله وتجدره وسط الشعب بمختلف شرائحه وفئاته؛ والتجارب عبر التاريخ أثبتت أن المحن لا تزيد الإسلاميين إلا ثباتا ونباتا، والتضييق لا يساهم إلا في تعطش الناس لما عندهم. ولعل نتائج الانتخابات الأخيرة، التشريعية والجماعية، خير شاهد على ما نقول، رغم الكثير مما يقال حولها شكلا ومضمونا.

أما فيما يخص واقعها بعد الأحداث التي ذكرت في السؤال، فلا أعتقد بأن هناك كبير تأثير لأن الحركات الإسلامية في المغرب، أي تلك المعروفة لدى الجميع، تميزت منذ بدايتها برفض العنف ولم تستدرج إلى هذا المستنقع، ولا أقصد بالطبع بعض المتحمسين الذين لا علاقة لهم بالحركة الإسلامية، بل إن هذه الحركات كانت ضحية لسوء فهمهم للإسلام، وهذا صار مما يعرفه الخاص والعام في الداخل والخارج، ولهذا لم يشر أي من الباحثين أو السياسيين بأصابع الاتهام إلى الحركة الإسلامية باستثناء بعض الاستئصاليين الذين حاولوا استغلال الحدث لتصفية حساب عجزوا عن تصفيته بالوسائل المشروعة التي ما فتئوا يطبلون بها ويدّعون الاحتكام إليها. والحمد لله أن النتائج تكون دائما عسكية “يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم والله متم نوره ولو كره الكافرون” (سورة الصف آية 8).

2. هل يمكن القول بأن الحركات الإسلامية، ومنها جماعة العدل والإحسان، تواجه بعض الصعوبات بع هذه الأحداث؟

أعتقد أن الصعوبات التي تواجه الحركة الإسلامية، وبصفة خاصة جماعة العدل والإحسان، ليست وليدة أحداث 11 شتنبر أو أحداث 16 ماي، لأن الجماعة منذ تأسيسها عرفت أشكالا من الحصار والتضييق. فلا يخفى على أحد طلبة العدل والإحسان الإثنا عشر المحكوم عليهم بعشرين سنة سجنا ظلما وزورا، كما لا يخفى على أحد الحصار غير القانوني الذي مورس على مرشد الجماعة لسنوات، بالإضافة إلى الاعتقال الجماعي لمجلس إرشاد الجماعة لمدة سنتين واعتقال عشرات الإخوة من الجماعة لفترات متفاوتة…

أما منعنا من حقوقنا السياسة، فهذا أمر أصبح معروفا لدى القاصي والداني، ولا أدل على ذلك من منعنا من حقنا في الإعلام، ومصادرة جرائدنا بطرق غير قانونية بلغت حد مهاجمة المطابع واختلاس مطبوعاتنا في ظلمة الليل…

هذه الصعوبات تعرضنا لها قبل الأحداث، أقصد أحداث 11 شتنبر وأحداث 16 ماي، وبعد الأحداث، الأمر الغريب هو أن بعض الجهات حاولت بكل ما أتيح لها من إمكانات خاصة وعامة، أن تلطخ سمعة الحركة الإسلامية عموما، وسمعة جماعتنا بصفة خاصة، وذلك بمحاولة حشر بعض إخوتنا في ملفات وهمية، إلا أن غياب الحجج والأدلة، والموقف الواضح للجماعة في رفضها للعنف خيبا ظن بعض المتآمرين.

في كلمة واحدة: الصعوبات التي تعترضنا تتلخص في التضييق والحصار ومصادرة حريتنا في التعبير.. وكل ذلك بغرض التقليص من الريادة التي يمكن أن نقوم بها في سبيل إنقاذ بلدنا من أوحال الظلم والفقر والجهل والاضطراب، هذه الأمراض التي تزداد حدتها يوما بعد يوم وللأسف الشديد.

3. ماذا عن مستقبل الحركات الإسلامية على ضوء ما عرفه العالم من أحداث، وخاصة جماعة العدل والإحسان؟

عرف العالم في السنوات الأخيرة أحداثا هامة، أعتقد أنه سيكون لها ما بعدها، فإذا كان الواقع العالمي اليوم يتسم بسمات ليست في مصلحة الحركة الإسلامية ولا الأمة ولا البشرية جمعاء، من مثل التراجع عن بعض القيم الإنسانية التي راكمتها البشرية عبر تاريخها الطويل إذ أصبحنا نلاحظ هذا الاستخفاف الواضح بحقوق الإنسان وكرامته، لا أدل على ذلك مما حدث في سجن أبو غريب، من قبل دولة صنفت نفسها حامية للديمقراطية ولحقوق الإنسان. ومن مثل الشعور العام وسط المسلمين بالذل والهوان، من جراء ما يحدث من تقتيل وتنكيل يوميا في فلسطين والعراق وأفغانستان وغيرها، ومن مثل هذا التشويه الممنهج للإسلام ولقيمه العالية الغالية..

إذا كانت هذه بعض السمات البارزة لعالم اليوم، فإن هذا العالم في رأي العديد من المفكرين، ما يزال في مخاض، وفي اعتقادنا أن المستقبل سيكون للإسلام، فمن شأن هذه الأحداث أن تساهم في إنضاج الفكر الإسلامي، وأن تقوي جبهتنا الداخلية، ومن شأن هذه الرجة التي تتعرض لها الأمة أن تكون سببا في إيقاظها من أجل الريادة في المستقبل. كما أن خيار بعض مستكبري الغرب لعداء الإسلام ومحاربة المسلمين ستثبت الأيام أنه سبب عدم استقرارهم، وأن الحل الأمثل يكمن في اتخاذ مواقف موضوعية من الإسلام، بعيدا عن حمولة الحروب الصليبية أو حمولة حرب الحضارات، وقد بدأنا نسمع في الآونة الأخيرة أصواتا من الغرب في هذا الاتجاه..

وتبقى المسؤولية، كل المسؤولية، على العاملين للإسلام وعلى المسلمين عموما، فصناعة مستقبل الإسلام لا تكون بالعنف أو الاستعجال، صناعة مستقبل الإسلام مشروع ممتد في الزمن يبتدئ بتربية الإنسان على معرفة الله تعالى وحب أخيه الإنسان، ويبتدئ بالإعداد العلمي والعلومي…

ومع إعداد القوة والكفاءة في مختلف المجالات، ينبغي أن لا ننسى أن وزننا الأساسي يتمثل فيما نحمله من دعوة، تعرف الإنسان، كل الإنسان، بربه ومآله، وتعرفه بأخيه الإنسان حتى يرحمه ولا يظلمه ولا يستخف به، وتعرفه بنفسه وبمغزى وجوده في هذه الحياة..

إن الإسلام هو المنقذ من شعور فقدان المغزى الذي تعيشه الإنسانية اليوم، والذي جر عليه الكثير من الويلات من مثل الانتحار والجنون والمخدرات والصراعات والجرائم..