معرفة الحق

وسائل يسأل: من أي قاموس تتكلم؟ وهل يجوز شرعا ويفيد بلاغا أن تتجشم كل هذا العناء، وكل هذا التغرب في ذلك الفضاء ؟ ألا نتعرض ويتعرض خطابنا للذوبان في تلك التيارات ؟

كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قصد قوما أو قصدوه قرأ عليهم آيات من كتاب الله عز وجل، فكان فيها البلاغ، أبصرت قلوب قوم وعقولهم أم عميت. وكذلك أمره الله سبحانه حين بين له أن القرآن هو الهداية في مثل قوله: {إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم}، وبين له أن تلاوة القرآن على المومنين تزيدهم إيمانا في قوله عز من قائل: {إنما المومنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا}.

وقد وصف الله عز وجل لنا تأثير القرآن العميق في قلوب الذين سمعوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم وعقولهم. قال تعالى يخبرنا عن حال جماعة من النصارى تحولوا إلى الإسلام: {وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق يقولون ربنا آمنا فاكتبنا مع الشاهدين}. هكذا معرفة الحق تتسرب مباشرة من القرآن المسموع بالقلب والعقل، لا وسائط فكرية ولا “مفاهيم” يألفها نصارى العرب دون سائر العرب.

فأي شيء يتسرب، أي شيء يتوقع أن يتسرب، من قنوات المفاهيم والإشكالية والجهاز المفهومي؟ ألا يوشك الريح الجارف أن يلقينا إلى تلك الأجواء المختلطة حين نفتح نوافذ الحوار ليستنشق قوم هواءنا ؟.

مهلا مهلا! إن تعاملنا بمرونة الحكمة مع أساليب الفكر المعاصر يدخل في إطار -ها أنت ترى المترجم يلاحقنا!- تعاملنا مع الواقع المعاصر الكلي. كان الإسلام في مولده القوة الناهضة في العالم، لم يلبث الإسلام أن ساد جنده، فكان القرآن في تلك المراحل هو الخطاب وهو المعرفة وهو الحق. أما الآن فالمسلمون حاملو دعوة الإسلام قابعون في زاوية متواضعة منهزمة جدا من زوايا التاريخ المعاصر والواقع الحضاري المعاصر رغم أعدادهم الكبيرة. أفكار أخرى تدير الفكر البشري، وقيم، وعلوم، وتكنولوجيا.

ويبزغ في أفق التاريخ المعاصر أمل جديد للإسلام، طليعة متحفزة لا مناص لها من أن تغشى كل المنتديات، وأن تلج كل الأبواب، وأن تداخل العالم وتخالطه، وأن تخاطب بكل فصاحة وبكل آلة للبيان، شأن الواثق بذاتيته، المعتز بشخصيته. وإن نصاعة بياننا حين نعرب عما يريده جند الله وما يخططون إحداثه في حياة الأمة والعالم لمن أجل وسائل الدعوة. هاهم أولاء المثقفون والعالم أجمع يذكرون الإسلام بانبهار لما يرونه من “بطولات” المجاهدين المسلمين في جنوب لبنان. لأول مرة ينهزم جيش اليهود، لأول مرة يقوم المسلمون بحرب شعبية لا هوادة فيها ولا تراجع رغم القمع الوحشي. هذه الأحداث هي التي ستجعل المثقفين من بني جلدتنا يحترمون في قرارة أنفسهم الإسلام، فتتغير نظرتهم إليه، ويبحثون عن فهم جديد لدين الأمة مرتبطا بطموحها ومستقبلها لا بماضيها المجيد فقط ولا بحاضرها الكئيب. “بطولات” المجاهدين في أفغانستان قمة رغم فرقة ذلك الجند الكريم. أمريكا بخيلائها وكبريائها وعملائها اليهود تنهزم في لبنان، روسيا أجلبت على إخواننا الأفغان بكل ما لديها من عتاد متطور أعدته لتقاوم به وتغزو العالم المصنع والقوة المنافسة، فإذا بجماعات معها الإيمان بالله عز وجل ومعها حب لقائه بالموت في سبيله تصنع العجائب.

جسور من أجل الحوار

لسنا بحمد الله ممن يخاف عليهم أن ينـزلقوا في دروب الألفاظ فنتوحل في مستنقع يمتزج فيه كلام الخالق بكلام البشر، وتلتزج فيه معرفة الحق بـ”المعرفة الأولية بموضوع ما “. نسأل الله الحفظ فإنه لا حول ولا قوة إلا به. مستنقع الخلط بين الاشتراكية والعدل، بين الديمقراطية والشورى، بين الرأسمالية و”حرية ” التملك في الإسلام. إذا كانت قلوبنا متعلقة بالله عز وجل ورسوله وكتابه، فإن تفتحنا على الواقع إنما هو تفتح ذو مغزى، ذو دلالة، ذو وجهة. إنه تفتح على آيات الله في الكون، لا نرى العالم حركة سائبة مستقلة، إنما نراه ونرى أنفسنا في قبضة الله عز وجل. الكون مسخر لنا، ومن هذا المنطلق نكسب إن شاء الله تعالى وضوح الرؤية وثبات الخطى وسلامة التقدير.

من كان الله ربه رضا، وإلاهه طاعة، ومحمد صلى الله عليه وسلم قائده فمن مخيم الجهاد يحاور وعن الحق يترجم. فإن حاور الناس ببيان القرآن وبرهان العقل فمن موقف الذي عنده ما يعطي، ولن يهدد بيانه وبرهانه السيل الجارف الذي يغرق العالم: سيل الإعلام الملحد المنصب على الأسماع والأبصار بواسطة الكلمات والمفاهيم والصور المقروءة والمسموعة والمبصرة، تحملها تقنيات الطبع وألوانه، وإخراج المخرج، وتمثيل الممثل، وفصاحة الإذاعي، وبراعة الكاتب، وقصة الفنان، وموسيقى الإيقاع، ورأسمال تجار الكذب، واستراتيجية أجهزة الحكم.

من وسط هذا الهذيان المحموم لابد للفكر الإسلامي أن يعلو، لابد أن يخترق الطبقات المتراكمة المتكدسة من فلسفة الإلحاد، وزندقة الإباحيين، وعبث العابثين، وإديولوجيات الثورة القومية الاشتراكية التي تعيب الإسلام وتعاديه، أو تتملقه، أو تحاول الالتصاق المنافق به.

اقتحام العقبة

ما زال أئمتنا رحمهم الله يصدرون كتبهم بفقرات بوصحون فيها مقاصدهم ومصطلحهم ليكون القارىء على بينة من المسار المطلوب. من هؤلاء الأئمة الاستاذ حسن البنا رحمه الله. نراه في “رسالة التعاليم” تلك الرسالة التي تشمل، على قصرها، قواعد العقيدة والتربية والعمل. ذكر رحمه الله في أولها ما يريده بكلمة “الفهم” فسرد الأصول العشرين في العقيدة ثم قال: “أريد بالإخلاص” كذا وذكر مكان إخلاص الوجهة لله عز وجل في ربط قلب جند الله، وقال: “أريد بالعمل” كذا، و”أريد بالجهاد” كذا إلى آخر ما فصله رضوان الله عليه.

و أرى أنا العبد العاجز أن التفاهم بيني وبين قرائي الأعزاء أزداد عنه عجزا إن لم أقدم المفاهيم الرئيسية التي تشكل الحبل المنهاجي الحامل لمضمون ما أريد تبليغه بحول الله.

رأس هذه المفاهيم العبارة المقتبسة من سورة البلد: “اقتحام العقبة” إلى الله عز وجل. هذه العبارة لم آخذها صدفة، إنما توفيق الله عز وجل سبق، فإذا بالعبارة حبلى بكثير من العلم. فعل الاقتحام سبق ذكر العقبة. يعني هذا كثيرا لعقول تربت على التفكير الجدلي المتحرك. ما كان همي الأول أن أرضي الجدلية، وهي وهم تافه من أوهام الفلاسفة، المثاليين منهم والماديين، لكن جاء التأمل الثاني فإذا بالعبارة ترفع تلك الحركة الجدلية التافهة من حيث كانت متناقضات الطبيعة يحتك بعضها ببعض، ويصطدم بعضها ببعض، ويسابق بعضها بعضا، إلى حيث تكون الطبيعة، الطبيعة الكونية والطبيعة الإنسانية، عقبة يجب على الإنسان أن يقتحمها ليعرف مولاه وخالقه، وليرضى عنه، وليسعده السعادة الأبدية. جدلية الطبقات الاجتماعية هل يمكن الروغان عنها ؟ اقتحام العقبة إلى الله عز وجل ينقلنا من آفاق الثورة الطبقية والاستبداد الطبقي إلى إمكانية الأخوة الإنسانية.

اقتحام العقبة إذن تحرك إرادي تتعرض له العقبة فتمانعه ويغالبها حتى يتم الاقتحام. حركة الفرد المؤمن في سلوكه إلى الله عز وجل، وحركة الجماعة المجاهدة في حركتها التغييرية، وحركة الأمة في مسيرتها التاريخية.

الـرحــمــة والــحــكــمــة

بعد العبارة المفتاح “اقتحام العقبة”، بعد عنصر الحركة والمغالبة الإدارية للواقع، لفظتان قرآنيتان تحمل كل منهما في أحشائها العوالم الذاتية في الإنسان.

وأستعمل الكلمتين استعمالا خاصا محدودا. فأقصد بالرحمة العلاقة القلبية للعبد بربه، وأقصد بالحكمة تصرف العقل، عقل المؤمن المرحوم، أثناء فهمه لشريعة الله عز وجل، وأثناء صياغتها صياغة قابلة للتطبيق، وأثناء السهر على تنفيذ أوامرها والامتناع والزجر عن نواهيها.

الرحمة ما جاء من الله تعالى للعبد هداية كبعث الرسل إليه، والرحمة تعلق القلب بتلك الهداية، والاستمساك بعروتها حتى تنور كيانه ويتمكن في محبة الله عز وجل، تلك المحبة التي تؤدي للعمل والجهاد: {يا أيها الذين آمنوا من يرتدد منكم عن دينه فسوف يات الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المومنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم}.

أقصد بالحكمة “معرفة الدين والعمل به” كما فسر الكلمة الإمام مالك رحمه الله. قال ابن قتيبة: “الحكمة عند العرب العلم والعمل”. والعلم والعمل آلتهما العقل. فإما عقل مصدر معرفته التجربة البشرية والتخمين الفلسفي وذاك عقل مشترك بين البشر. وإما عقل يتلقى عن القلب رحمة الإيمان وهداية الوحي، ثم ينصرف إلى تنفيذ أمر الله سبحانه وتعالى في الكون، لا غنى له عن التجربة والفحص، فذاك عقل الحكمة.

الرحمة قلبية، والحكمة عقلية راجعة في معرفة الأهداف والغاية إلى الوحي، آخذة بالتجربة التي تمكن الإنسان من ضبط حركة الكون والسيطرة على تفاعلاته ليتسنى له تطبيق الشرع.

الــنــداء والاســتــجـابــة

“اقتحام العقبة” صيغة النداء الذي وجهه الله عز وجل للإنسان يهيب به أن يتحرك ويغلب العوارض ليعرف ربه ويطيعه وينال رضاه في الدار الآخرة .

يجيب المؤمن نداء ربه مرتاحا لما جاءت به الرسل، مصدقا للوحي منصاعا للأمر. يستجيب قلبا وقالبا، رحمة وحكمة، علما وعملا.

بمجموع هذه المفاهيم الثلاثة يتقابل النداء والاستجابة بتلبية العبد، فردا وأمة، نداء ربه بتحركه للتنفيذ على وعي تام بمصدر النداء وطبيعة العقبة. يتعرف الإسلام، ويتعرف الإيمان، ويتعرف الإحسان. ما الإسلام شيء بل حركة، ما الإيمان خفايا بل علاقة حية: بين العبد وربه رحمة، وبينه وبين الكون حكمة. ما الإحسان سبح في عالم الروح، بل تحسين مستمر متصاعد للعمل الصالح.

كل لفظة – مفهوم من قاموس الإيديولوجيات تؤدي معارف: الماركسية معرفة الثورة، الثورة معرفة التغيير، الديمقراطية معرفة الحرية، العلمانية معرفة الديمقراطية، الاشتراكية معرفة توزيع الثروات. وتحت كل لفظة – مفهوم فلسفة أو “فلسفة علمية” في زعمها. الإسلام، حين نفهمه حركة لاقتحام العقبة، نداء واستجابة، رحمة وحكمة، يكون هو المعرفة الشاملة، والمحرك، والقوة، والعلم، والقدرة التنفيذية في حركة الانبعاث والحياة، وفي مسار العبد من دنياه التي فيها معاشه إلى آخرته التي فيها معاده.

الهوامش:

1 الآية 9 من سورة الإسراء.

2 الآية 2 من سورة الأنفال.

3 الآية 83 من سورة المائدة.

4 الآية 54 من سورة المائدة,