بعد انتظار طال شهورا، وجولات من المفاوضات انتهى مسلسل التعديل الحكومي ليبدأ معه التعليق والتحليل والارتسامات و…

كما أن هذا التعديل فتح الباب مجددا للحديث حول أسبابه وجدواه وخلفياته ومراميه.

التأطير الدستوري للتعديل الحكومي:

ينص على ذلك الفصل 24 “يعين الملك الوزير الأول ويعين باقي أعضاء الحكومة باقتراح من الوزير الأول. وله أن يعفيهم من مهامهم”.

الأسباب الموضوعية للتعديل الحكومي:

كثيرة هي الأسباب الموجبة لإجراء تعديل حكومي، ويمكن اختزالها في:

1. غياب الانسجام بين أعضاء الحكومة مما يضر بالتآزر والتضامن الحكومي وكذا الاستقرار.

2. غياب التناغم بين أولويات كل وزارة أو وزير مما يوحي بأن الحكومة تعمل بدون خطة أو برنامج.

3. فضيحة أو حادثة ترتبط بوزير أو أكثر مما يوجب التخلي عنه أو يقدم الاستقالة من تلقاء نفسه.

4. اختلاف الموقف بشأن قضية طارئة بين مكونات الحكومة، وخاصة فيما يخص الحكومات الائتلافية.

5. ظهور مستجدات تقتضي تغيير الأولويات حيث يلزم تبعا لذلك إجراء تعديلات فيما يخص الوزراء بناء على قاعدة “الرجل المناسب في المكان المناسب”.

6. اتضاح عدم كفاءة وزير معين أو أكثر أو عدم قدرته على إنجاز المطلوب منه.

أنواع التعديل الحكومي:

بالنظر إلى الأسباب السالفة الذكر يمكن التمييز بين نوعين من التعديلات الحكومية:

أ- التعديل التقني: وهو الذي يستبدل أشخاصا بأشخاص دون أن يمس ذلك برنامج الحكومة أو مكونات الائتلاف الحكومي، واللجوء إلى هذا النوع من التعديلات، وخاصة حين يتم الإكثار منه، يفيد عدم توفق رئيس الحكومة في اختيار طاقمه.

ب- التعديل السياسي: وهو الذي يدخل تعديلات على برنامج الحكومة أو مكوناتها ويستدعي تبعا لذلك تغيير أشخاص بآخرين.

أسباب التعديل الحكومي الأخير:

منذ أن تشكلت حكومة جطو في 7 نونبر 2002 وكل المتتبعين ينتظرون وقت نهايتها، بل هناك من راهن على أن مدتها لن تفوق سنتين، وسيتم الرجوع إلى روح الفصل 24 الذي يقتضي تعيين وزير أول من الحزب الحائز على أغلبية الأصوات، ولهذا فلم يستغرب أحد التعديل في حد ذاته، بل اعتبره الجميع متأخرا بالنظر إلى الضجة الإعلامية التي واكبته.

أما الأسباب المعلنة فوضحها خطاب الناطق الرسمي باسم القصر الملكي: “ويهدف التعديل الوزاري ذو الطبيعة التقنية إلى تكييف بنية الحكومة وتشكيلتها مع الأولويات والبرامج التي على الحكومة أن تضطلع بها طبقا للتوجهات السامية لجلالة الملك”.

وهذا يدفعنا إلى طرح السؤال: إذا كانت الأولويات نفسها لم تتغير، وقد كانت حاضرة منذ تشكيل الحكومة، هل كان ضروريا كل هذه المدة (من 7 نونبر 2002 إلى 9 يونيو 2004) وكل هذه الأحداث (جزيرة ليلى، 16 ماي، زلزال الحسيمة..) لنكتشف أن بنية الحكومة وتشكيلتها لا تتلاءم مع الأولويات والبرامج؟ وما هو الأساس الذي تشكلت عليه الحكومة إذن؟.

* التعديل إذن يرتبط بالأولويات، فهذه ليست من اختصاص الحكومة بل يعلن عنها الملك في خطاب افتتاح الدورة البرلمانية، وهي التي حددها الخطاب الملكي في أربع أولويات: التعليم النافع والسكن اللائق والتشغيل المنتج والتنمية الاقتصادية والاجتماعية.

* التعديل بين أن الهاجس الذي يحكم الوزير الأول بعد الانتخابات وأثناء تشكيل الحكومة هو تجميع أغلبية عددية مريحة ولو على حساب المبادئ والمنطق، وباعتماد منطق الترضيات التي سرعان ما تكشف الممارسة عدم جدواها فتضيع سنتين  وهذا نفس الأمر الذي حصل مع حكومة اليوسفي- وكل هذا يطرح أسئلة استفهامية حول نمط الاقتراع المعتمد والذي يستحيل أن يحصل من خلاله حزب أو حزبان على أغلبية مريحة فيكون الوزير الأول مضطرا لتجميع 7 أحزاب أو أكثر، وكل حزب يريد نصيبه ومن هنا تبدأ المشكلة حيث يكون الهاجس هو إرضاء هذا أو ذاك مراعاة للتوازنات الحزبية وليس خدمة المصلحة العامة أو اعتماد نمط التدبير الجيد.

أما الأسباب الخفية للتعديل فيمكن تلمسها في:

1. إضفاء نوع من المصداقية على القرارات الملكية، حيث إن الملك يتدخل دائما ليضع حدا للتهاون، وقد اتضح هذا من خلال استجواب الملك مع Paris Match، وكذا من خلال ما تسرب من أخبار عن غضبة الملك على الوزراء أثناء مجلس وزاري، وكذا بمناسبة زلزال الحسيمة.

2. إضفاء نوع من الحيوية والدينامية على مشهد سياسي فاتر، وإشغال الساحة السياسية في ظل فراغ قاتل، وغياب إعلامي لعدد من الوزراء، وكذا التوقف الملفت للعديد من الأوراش الإصلاحية وتخلف وتيرتها مقارنة بالانتظارات الشعبية والوعود التي تدفقت حول الحكومة إبان تشكيلها.

3. حرص التعديل الجديد على جمع قطاعات متقاربة في أقطاب كبرى مع تحميل المسؤولية لحزب واحد، وظاهر هذه العملية هو تفادي تشتيت نفس الاختصاص على وزارات متعددة مما يطرح معه مشكل التنسيق، وخاصة إذا تعلق الأمر بوزراء من أحزاب غير متفاهمة، كما أن ظاهره يوحي بإضفاء صبغة سياسية على حكومة مازالت توصف بالتقنوقراطية لأن وزيرها الأول وثلث وزرائها غير منتمين حزبيا.

ولكن الذي يجب الانتباه إليه هو أن في هذا الإجراء توريط سياسي لهذه الأحزاب وتحميلها مسؤولية قطاعات حساسة ليست لها إمكانيات وسلطات إصلاحها.

4. هناك بعض الوزراء الذين أصبحوا أوراقا محروقة، لا تصلح للاستمرار (عليوة، الخليفة، غافس..) ولذلك وجب الاستغناء.

5. يلاحظ أن أغلب الوزراء الجدد من جيل الشباب، وهم أطر تحملت مسؤوليات كبيرة، مما يدفع للاستنتاج أن هناك دورة جديدة لتشكيل نخب جديدة للعهد الجديد. فلكل عهد رجالاته، وها هي ملامح دورة جديدة تتضح.

6. كان الكل متأكدا بأن التعديل سيفجر الوضع الداخلي للأحزاب المعنية، وسيؤجج الصراع بين قياداتها، وهذا أسلوب يتم اللجوء إليه لجعل الأحزاب تحت رحمة المخزن دائما.

هل يمكن لهذا التعديل أن يحقق شيئا؟

لا ينتظر جديد من هذا التعديل للأسباب الآتية:

1. إن الأمر لا يرتبط بكفاءة وزراء ولكن بظروف عمل وهامش حرية واختصاصات& إذ أن حكومة بدون سلطة ولا اختصاصات، ما فائدة أشخاصها مهما كانت كفاءاتهم.

2. هذا يفتح المجال لإعادة طرح السؤال الدستوري حول اختصاصات الحكومة كما ينص عليها الفصل 61 من الدستور: تنفيذ السياسات العامة أم صناعتها؟

3. هناك العديد من الاختصاصات تمارسها مؤسسات معينة وغير خاضعة للمحاسبة، فإن أحسنت يُنسب إليها العمل، وإن فشلت تتوارى إلى الظل وتتحمل الحكومة المسؤولية. وهذا أسلوب يجب القطع معه إن نحن أردنا حكومة فعالة.

4. الأداة الفعالة لإنجاز المشاريع الحكومية هي المؤسسات العمومية، وهذه تتمتع بالشخصية المعنوية والاستقلال المالي ولا يخضع مديرها للسلطة الرئاسية للوزير ولذلك لا يتم تنفيذ العديد من القرارات. وهذا يحيل دائما على ضرورة حسم مسطرة تعيين الموظفين السامين، وإضراب الخطوط الملكية الجوية RAM أخيرا خير مثال حيث صرح وزير التجهيز بأن الحكومة لا تتحمل مسؤولية ما وقع.

5. الحكومات إفراز لنبض الشارع وأهم معيار لقياس هذا النبض هو نتائج الانتخابات والكل يعرف أن الانتخابات مزورة وهذا ما يجعل التجاوب الشعبي والدعم الجماهيري مفقود.

6. طريقة تشكيل الحكومات وإدخال تعديلات عليها تحاط بالسرية ولا يشرك فيها قيادات الأحزاب فأحرى قواعدها، ولذلك لا تجد الحكومة سندا جماهيريا يروج لبرامجها ويدافع عنها، بل إن أقصى ما يعبر من خلاله الحزب على وجوده في الحكومة هو التزام فريقه البرلماني بالتصويت على مشاريع الحكومة.

هكذا يتضح أن المدخل لإصلاح العمل الحكومي وتقوية الحكومة يكمن في:

1. إصلاح دستوري يعيد النظر في الاختصاصات المسنودة للحكومة في اتجاه توسيعها.

2. إصلاح انتخابي يشمل كل مراحل العملية الانتخابية حتى يمكن من فرز أغلبية مريحة ومنسجمة، مع ضرورة أخذ النتائج بعين الاعتبار أثناء تشكيل الحكومة إذ يجب احترام إرادة الشعب كيفما كانت واعتبار الانتخابات محطة مفتوحة على كل الاحتمالات.

3. تأهيل لعمل الأحزاب وإصلاح لطريقة أدائها يمكن من جعلها مؤسسات شفافة وديمقراطية تستشار هيئاتها وقواعدها في كل ما يهم الحزب والقطع مع أساليب المفاوضات السرية والنخبوية.

4. إعادة الثقة للشعب تجعله يتفاعل مع كل ما له علاقة بالشأن العام.

إن لم تؤخذ بعين الاعتبار هذه المداخل ستبقى كل مبادرات التعديل الحكومي سطحية توظف لامتصاص الغضب أو إلهاء المواطنين لفترة عن المشاكل الحقيقية، ولكنها سرعان ما تنكشف “فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض” صدق الله العظيم.