-1-

تحدثنا عن هياكل التنظيم، وسلم إمارته، ومجالسه، وأجهزته. كل ذلك جسم التنظيم وحسه أما روحه ومعناه، فنذكرهما هنا. إن الولاية بين المؤمنين التي بدأنا بها الفصل ما هي رباط خارجي، وحركة أجسام في مجالس، وأوراق وأرقام في مكاتب وأجهزة.

الولاية قرب ونصرة وجهاد. والجهاد يقتضي سياسة قلوب المؤمنين وعقولهم وجهودهم بما يضمن لكل منهم نيل رضى الله عز وجل، ويضمن للأمة العزة بالله ورسوله، ويضمن لدين الله وكلمته الظهور على الدين كله.

إذا كان المؤمنون جواهر نفيسة كل منهم على حدة فإنهم إن انتظموا في عقد ازدادوا نفاسة. وتسمي الروابط المعنوية التي تكون روح التنظيم نواظم لقرب المبنى بين كلمة تنظيم وكلمة نواظم. فلا تنظيم إلا بنواظم.

وإن عمدنا -ومن هنا نبدأ وإليه نعود- إلى قول رسول الله صلى الله عليه وسلم وعمله وتربيته نجد أن تنظيمه صلى الله عليه وسلم وتربيته لم تكن ربط الرجال بروابط خارجية فقط، بل كان أصحابه جماعة عضوية، يألم بعضهم لألم بعض، وينصر بعضهم بعضا على الحق، في جادة الجهاد الطويلة الصاعدة عبر العقبة إلى الله.

قال صلى الله عليه وسلم: “مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسم إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى” رواه الإمام أحمد ومسلم عن النعمان بن بشير.

فجماعة المسلمين بناء عضوي، ظهر في هذا الحديث الشريف خاصية من خصائصه وهي المحبة في الله والتعاون والتراحم. وفي كتاب الله عز وجل وسنة رسوله خاصيتان أخريان تضافان إلى هذه. فيكتمل البناء العضوي القادر على التعاطف والتفاهم والعمل الجهادي الجماعي.

هي ثلاث نواظم: الحب في الله، والتناصح والتشاور في الله، والطاعة لله ولرسوله ولأولي الأمر. ثلاث نواظم لا تقوم إحداها مقام الأخرى، ولا يقوى جسم إسلامي على جهاد إسلامي إلا بها.

فإن بقينا -ونحن نبقى لا نستبدل- مع الجسد كما مثل الحبيب صلى الله عليه وسلم، فيتراءى لنا أن جسم الجماعة المجاهدة يتكون من لحم ودم ومن هيكل عظمي ثم من سائر الأجهزة من مخ وعصب وما سواهما.

فالمحبة في الله في نظرنا لحم الجسد ودمه. وهو بها وحدها جسم رخو لا يقوم لجهاد. والهيكل العظمي هو التناصح والتشاور لما فيهما من صلابة في الحق تشبه صلابة العظم في الجسم. والتناصح والتشاور بلا محبة تغطي العيب، وتتجاوز عن الهفوة، فقعقعة آراء، وأنانيات، وتأجيج خلاف. ثم لا يكون الجسد حيا إلا برئيس يقوده، وأجهزة تنفذ أوامر الرئيس، فالرئيس في جسد اللحم والدم والعظم العقل الآمر، والرئيس في جسم الجماعة المؤمنة العضوية الأمير ومعه سلم الإمارة بمثابة أجهزة الجسد.

الناظمة الأولى: الحب في الله

جسم الجماعة إذا لم يكن بسوده الوئام الكامل، والوحدة الوجدانية العقدية والتحاب في الله عز وجل، لا يستطيع أن يؤثر في مجتماعتنا الفتنوية الفاسدة التي يسطر عليها الحقد الطبقي، والخلاف الحزبي، والنعرات القومية.

هذا الوئام يأتي من لين المؤمنين بعضهم لبعض وتراحمهم. قال الله تعالى يصفهم: (محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم). (سورة الفتح، الآية: 29)

ومن التحاب في الله واللين للمؤمنين يبدأ التأليف. قال الله تعالى يخاطب رسوله المصطفى: (فيما رحمة من الله لنت لهم. ولو كنت فظا غليظ القلب لا نفضوا من حولك(.(سورة آل عمران، الآية: 159)

ومن التحاب في الله واللين للمؤمنين تتألف عناصر القوة الجهادية، وعناصر الدفع في وجه العدو. قال تعالى: (أشداء على الكفار رحماء بينهم(. ما قدروا على تلك الشدة إلا بوجود هذه الرحمة.

وقال عز وجل من قائل: (يا أيها الذين آمنوا من يرتدد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم). (سورة المائدة، الآية: 54) الذلة السهولة واللين. وجهاد الكافرين بصلابة من لا يخاف في الله لومة لائم إنما يتأتى لمن أسند ظهره لله ولإخوته في الله.

الإيمان والتقوى في القلب منبعهما، والحب في الله في القلب منبته. فتربية القلوب على محبة الله ورسوله والمؤمنين أول خيط في حبل الله المتين. وقد جعلنا حب الله ورسوله وحب المؤمنين أهم شعب الإيمان المندمجة تحت الخصلة الأولى: “الصحبة والجماعة”.

فلا جماعة إلا بتحاب في الله وصحبة فيه. وإن شر ما يفرق جماعات المسلمين غفلتهم عن الله حتى ينسوه فينسيهم أنفسهم، فتقسوا القلوب من ترك ذكر الله. وتتمثل هذه القسوة في تباغض المسلمين فلا جماعة ولا إيمان.

دستور الأخوة في الله وبرنامجها العملي في قول الله عز وجل، كما أخبر عنه خليله صلى الله عليه وسلم، قال: “حقت محبتي للمتحابين في، وحقت محبتي للمتزاورين في، وحقت محبتي للمتبادلين في، المتحابون في على منابر من نور، يغبطهم بمكانهم النبيون والصديقون والشهداء” رواه الإمام أحمد والطبراني والحاكم وهو حديث صحيح عن عبادة بن الصامت.

قال الله تعالى: (إنما المؤمنون إخوة). (سورة الحجرات، الآية: 10) فرباط الأخوة والتحاب في الله هو الطاقة التي لا تغلب. لكن الأخوة في الله لا تعرف حدود القطر واللغة، ولا تستقيم مع الائتماءات الجزئية لجماعة من المسلمين دون جماعة. فإذا تحدثنا عن تنظيم قطري فليس ذلك لنحصر الأخوة في فئة دون فئة، لكن لنصرف الطاقات الأخوية في قنوات موجهة للمهمات المرحلية ريثما يتم تحرير أقطار الإسلام. فناظمة الأخوة في الله والحب في الله تسلك جميع المؤمنين على وجه الأرض في سلك الذين أنعم الله عليهم فأعطاهم منابر النور والمكان المغبوط عليه. تبقى الناظمتان الأخريان، تخص كتائب من جند الله دون كتائب إلى يوم الخلافة الموعود إن شاء الله.

ألا وإن الرئاسة تذهب التقوى وتخرب الأخوة. فلين المحبة بين المؤمنين مهما كانت المكانة شرط ليكون التنظيم إسلاميا وليكون المؤمنون إخوة حقا وفعلا لا قولا وادعاه.

قال الله تعالى يأمر رسوله ويأمرنا بعد أن ذكر منته عليه: (فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر). (سورة آل عمران، الآية: 159)

عند الانتقال من الناظمة الأخوية إلى الناظمة الشورية لا بد من إلحاح أخير على تغليب المحبة وتسبيقها. اعف عنهم حتى يأنسوا بعطفك، واستغفر لهم حتى يعملوا أنك تحمل همهم أمام الله، ثم بعد ذلك شاورهم لتكون شوراكم تفاهما أخويا لا جدلا ومواجهة بين الآراء الجافة. الأمير والمأمور من المؤمنين سواسية في الحاجة لمن يحب ويعفو ويستغفر، وفي الحاجة لمن ينصح ويشير.