في الحلقة السابقة من هذا المقال تمت الإشارة إلى المواصفات والمرتكزات الأساسية التي تحدد معالم الاختيار الذي يمكن الادعاء بأنه الوحيد الكفيل ببناء طريق الانعتاق والنهوض بين يدي هذا الواقع المرير المخزي لكنه المؤشر على أن بعد الضعف قوة.

وكان العنوان الفرعي لتلك الحلقة هو: من الدسيسة إلى السياسة، وعنوان هذه الحلقة: من السياسة إلى الكياسة.

فالعنوان الكبير هو: الطريق الأخير، إشارة إلى أنه لم يبق إلا خيار وحيد بعد أن سرنا بوعي أو بغير وعي عبر طرق شتى فما وجدنا المخرج وما كان هنالك الملاذ. ماذا بعد الهجران والوحشة والفرقة؟

إذا أضيف العنوانان الفرعيان إلى بعضهما (من الدسيسة إلى السياسة + من السياسة إلى الكياسة = من الدسيسة إلى الكياسة) صار العنوان الفرعي الجامع هو: من الدسيسة إلى الكياسة. وكأن هذا يوحي بالمراحل الأساسية لحركة الاختيار في كليته بشرط الانعكاس. بمعنى أن المطلوب من الناحية العملية والأصلية هو البدء بتوفر عنصر الكياسة، الذي نشير بعد إلى دلالته، للقطع مع مرحلة الدسيسة من خلال سيادة واقع السياسة بمعناها الشرعي المبني على قوائم الشورى والعدل والإحسان، وقد يكون لهذا الواقع مدخلا جامعا ذا معاني متعددة قانونية ومجتمعية وغيرها بحيث يضبط مرحلة القطيعة والعبور؛ القطيعة مع واقع الدسيسة، والعبور من ضفة الاستغراب إلى ضفة جوهر وجود الأمة التاريخي والمصيري حتى لايحصل العمل على أرضها لصالح أعدائها كما هو الواقع. وساعتها ستكون السياسة قائمة على أرض أصلية صلبة قاعدتها السياسية هي الجماعة وروحها هي الرسالة: رسالة التحرير، ومحضنها هو الأمة القوية الحرة المستقلة.

بين يدي مفهوم الكياسة نقرر الحقيقة التالية بناء على السؤال المعروض في الحلقة السابقة: “لماذا نحن العرب والمسلمون موجودون على هذه البقعة الأرضية الممتدة عبر أدق مساحة جغرافية تاريخيا وعالميا، والمنبسطة على خيرات متنوعة، والعامرة ببحار زاخرة؟”

هذه الحقيقة هي أن وجودنا العالمي مرتبط بهذه الرسالة التي هيأ الله سبحانه وتعالى جزيرة العرب والعرب واللسان العربي لاستقبالها فبعث منهم خاتم الأنبياء والرسل صاحب الرسالة إلى الثقلين.

لنفرض جدلا أنه لارسالة للعرب اليوم، فماذا سيقدمون للإنسانية، وهل في غياب تلك الرسالة كان يمكن أن يكون لهم كيان ويحولوا مسار التاريخ البشري؟ بل الله تعالى يفعل مايشاء ويحكم مايريد.

فرض الاستعمار وتبعاته ولوازمه التفريط في الرسالة بعد أن تم التفريط في الذات المتكاملة فمرضت المرض الذي حذر منه الرسول الرحيم بأمته الحريص عليها البكاء شفقة عليها صلى الله عليه وعلى آله وسلم، مرض الغثائية وتداعي الأمم عليها، وهو مرض لايمكن أن يكون مع وجود القوة المترتبة على قوة الجسم المجموع الموحد، إذ كان، أي المرض، نتيجة طبيعية للتفريط في الجماعة وضياع معانيها الحقيقية النبوية.

ومتى كانت هناك جماعة بلا جامع وهو مصدر التربية الجامعة الجماعية. الجامعة لأشتات الفهوم والإرادات والهموم، والجماعية بما ينبني عليها من قوة عضوية كلما اشتكى عضو تداعى له سائر الأعضاء بالسهر والحمى بسبب الارتباط العضوي لا بسبب الشعور العاطفي الساذج البسيط العابر.

مصدر التربية الجامعة الجماعية هو عين الرسالة. كان هو الرسول المعلم الكريم على الله تعالى زمن النبوة، وكان الصحابة من بعده العالمون بمراده ومقاصده؛ وهي مقاصد الدين والشريعة وكلياتهما، ثم من بعدهم من وفقه الله فكان من الوارثين للحقيقة المحمدية. لكن لعوامل كثيرة غلبت الوراثة الجزئية لا الكلية، فكان التطابق من حيث الواقع؛ غلبة الوراثة الجزئية وغلبة التجزؤ في الفهم والإرادة والأرض.

ومتى كان هذا الواقع مصدر قوة جامعة ومحررة؟

مر حوالي أكثر من قرن على تجربة الحركة الإسلامية من أجل التجديد. كان زمنا عامرا بالتجارب والاجتهادات من أجل أن ترجع الأمة لتعيش قضيتها كما كانت في أصلها على صفائها ووضوحها، كما كان عامرا بالمعاناة. بل عاشت الحركة الإسلامية من جهة حكام ما بعد الاستعمار المباشر معاناة ليست إلا جرائم سيجلها التاريخ كما سجل سوابقها ويسجل لواحقها بعد فشل هؤلاء الحكام الذريع في النهوض الذي وفر فرصا ثمينة وجديدة لينقض الخصم الخارجي ويبطش بطشا شبيها من حيث بشاعته وصوره بما فعله كثير من الحكام في حق الدعاة إلى القسط من أبناء الأمة.

فشل الحكام والنخب المتحالفة معهم في النهوض، بل ورثوا الانتكاسات تلو الانتكاسات. كما فشل من الرافضين للظلم والحيف أولئك الذي انطلقوا من أرض الغربة فكرا وممارسة في ذلك أيضا، وإن كانوا جغرافيا على أرض أمتهم. وفي المقابل ظهر أن الحركة الإسلامية، على الرغم من المعاناة، تزحف وتحتل المواقع ضمن حركة المجتمعات العربية والإسلامية، بل في الغرب نفسه، لكن لحد الآن، وبالنظر إلى واقعها التفصيلي، لازالت تعاني من التمزق والتشتت، وهو واقع لا يسمح ألبتة بتجاوز الواقع العام المعيش.

فهل هناك من يسأل عن السبب الجوهري في ذلك؟

لو كان الأمر صراعا بين حركات سياسية ومجتمعية مختلفة المشارب والتوجهات لكان هذا مبررا ضافيا وشافيا لقبول الواقع الذي عليه الحركة الإسلامية اليوم، ولكان القبول بأية قوة توحد ولو كانت مستبدة متسلطة عنفا أمرا مبررا، لكن الأمر أعظم من ذلك وأخطر: إنه دعوة الناس إلى الله تعالى وتحقيق رجوع الأمة الكامل للأصل، ألا وهو أصل العبودية لله تعالى، وأن الإنسان عبد لله مخلوق لذلك، وأن الدنيا فانية والميعاد حق.

هذا مصدر شفقة ورحمة فلا يمكن بحال أن يكون مصدر دروشة أو عنف، ففي الحالتين انحراف عن الجادة، إذ لايمكن أن يجتمع في قلب واحد عنف ورحمة أو دروشة وشفقة على العالمين، لأن الرحمة تتعارض والعنف، ولأن الشفقة والرحمة المحمدية كانت للعالمين: (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين) فكان من ضمنها السعي والكد جهادا ودفعا لكل عوامل الظلم الأصغر والأكبر. فلينظر جهاده صلى الله عليه وسلم في كليته وحقيقته، إذ كانت القوة في السمت التي مصدرها ماعمر القلب الرحيم الشفيق الخاضع لجلال المولى العظيم، فحصل بذلك الأثر البليغ في الواقع الذي غير مجرى التاريخ البشري.

إن الحركة الإسلامية اليوم بين يدي سؤال كبير يمكن صياغته على الشكل التالي: هل قوة الرمح (ترميزا للقوة المادية في المدافعة) تنبني على قوة التأثير الإيماني الحق الذي مقره القلب أم العكس هو الصحيح؟

قال الله تعالى: (وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى). كان الرمي فعلا بشريا، لكن رده الله تعالى إليه.

لماذا؟

لأن القضية التي من أجلها كان الرمي هي لله تعالى من حيث حقيقتها وطبيعتها، وهي أن يعبد سبحانه وحده لما في ذلك من مصالح لاتعد ولا تحصى للإنسانية في إطار الاختبار والابتلاء الذي شاء سبحانه أن يكون هو موضوع عملية العبور من الدنيا إلى الأخرى. أي لما في ذلك من تيسير ليقتحم الإنسان عقبة الدنيا فيفوز ولا يسقط في الافتتان فيضل ويشقى هنا وهناك. كما نسب الله تعلى الرمي المسدد إليه رغم أن الرامي بشرا، لأن هذا الأخير صارت صفته اللازمة والكلية هي تلك القضية، فهو عبد لله جعل كليته هي هذه القضية مع الصفاء الكامل والوضوح الشافي. فنت ذاته فيها فصارت وصفه الذي يتميز به، بل صارت حقيقة وجوده. ومع هذا فقد أعد الرمح ورفعه وسدد: أعد القوة اللازمة والممكنة.

إن الواقع المعيش الذي أفسد على المسلمين حياتهم يجر إلى غير هذا، إذ يظهر أن الملح فيه هو البحث عن القوة المادية كأولوية الأولويات، أو القوة الفكرية للتمكن من فهم ما جرى ويجري. لكن الحقيقة أن البحث الحثيث من أجل امتلاك كل وسائل القوة المادية والفكرية لايمكن أن يكون مفيدا ولو شيئا يسيرا ما لم ينبني على تحقيق القوة المؤثرة حقيقة في الواقع، ألا وهي هيمنة الحقيقة الإيمانية الإحسانية الكاملة على تفاصيل الأمور ومجرايات تنفيذ مقتضيات العمل، وهي القوة الوحيدة الكفيلة بجمع الشتات لتأتي معها وفي سياقها القوة المادية والفكرية فاعلا إيجابيا لاسلبيا كما فعل الحكام بقواتهم المخذولة في جميع معاركهم التحررية الوهمية، وكما يفعل مفكروا العرب اليوم بمفاهيمهم المستوردة كما استورد الحكام السلاح وبطشوا به، (لو أنفقت ما في الأرض جميعا ما ألفت بين قلوبهم ولكن الله ألف بينهم إنه عزيز حكيم). (ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك).

لكن ينبغي أن لا يفهم هنا أن القوة الإيمانية وسيلة خادمة للقوة المادية. فليس المقصود ذلك. كما أنه من حيث الواقع لايحصل الفلاح والنجاح، لأن في هذه الحالة (تسخير القوة الإيمانية لخدمة القوة المادية) يكون الأمر معكوسا. وهناك قاعدة مقررة في الفقه الإسلامي: المعاملة بنقيض القصد: ومعناه هنا أن من يمكر بالقوة الإيمانية ليوظفها في خدمة أهدافه المادية لن ينال إلا عكس ما قصد إليه، وهو ما نعيشه وسنعيشه مع حكام ونخب الدسيسة، لأن قضية الإيمان هي أمر إلهي والله تعالى خير الماكرين، (وإن يريدوا أن يخدعوك فإن حسبك الله هو الذي أيدك بنصره وبالمؤمنين وألف بين قلوبهم). بل المقصود تحقيق الوضوح الكافي والفهم السليم والعلم الصحيح والتمكن الكلي لحقيقة الإيمان والإحسان في القلوب والواقع ليحصل التمكن المادي خادما فاعلا إذ يكون الأمر كله لله تعالى فيكون الرمي سديدا لأنه على بصيرة (قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني وسبحان الله وما أنا من المشركين). وهنا ينبغي الرجوع إلى السرد القرآني لقصة سيدنا يوسف عليه السلام. فلم يحصل له التمكين ولم يخضع له الخصوم إلا حين أصبح معلوما عند القاصي والداني، عند الخصم والعدو والصديق: (إنا نراك من المحسنين).

فما السبيل إلى هذا كله، وهو المدخل الحقيقي الذي يؤسس للمداخيل السياسية والقانونية والمجتمعية والفكرية والاقتصادية وغيرها؟

ينبغي هنا أن نضع بكل وضوح تجربة “الإخوان المسلمون” بالنظر إلى مرحلتين في ما مر من تاريخها: مرحلة حسن البنا رضي الله تعالى عنه، ثم المرحلة الثانية بعد وفاته رحمه الله. وسنقتصر هنا على ما يرتبط بموضوعنا هذا.

فالمعروف أن شخص حسن البناء رحمه الله كان محوريا في بناء جماعة الإخوان المسلمين التي تعد أكبر الحركات الإسلامية وجودا وأثرا خلال القرن العشرين الميلادي. وقد حققت هذه الجماعة نجاحات باهرة منذ بداياتها على الرغم مما عانته سواء زمن الاستعمار أو زمن عبد الناصر وبعده، ومن المعروف كذلك أن شخص البنا كان يتميز بقوة التأثير التربوي الإيماني الإحساني، وهو ما يعبر عنه البعض بقوة التأثير الروحي، وإن لم تصحبه قوة فكرية تفصيلية، لكن معالم سير الجماعة وأسس عملها تميزت بالوضوح والحكمة البالغة فيما كتبه رحمه الله أو صرح به في مناسبات عدة سواء بين يدي أعضاء الجماعة أو غيرهم. لقد كان عمل الجماعة بناء على ضوابط عملها وأصوله يرتكز على الحقيقة الإيمانية الإحسانية الكامنة في كيان الرجل رحمه الله، وهو ما أعطى قوة ميدانية للجماعة المباركة من خلال سريان معاني “المأثورات”، سواء في ميدان القتال في حرب 1948م، أو في ميدان المدافعة بمصر.

أما بعد حسن البنا فقد لوحظ أن الجماعة اتجهت كثيرا إلى جوانب أخرى هي من حاجات الدعوة ولا شك، لكن قد غلبت هذه الجوانب على الجانب الذي رعاه الشهيد رضي الله تعالى عنه.

ولئن كان هذا أمرا طبيعيا نظرا لتطور الجماعة وتوسع مجالات وجودها عالميا، فإن الملاحظة المركزية على سير الجماعة هو تراجع روح التجديد على المستوى التربوي من حيث رعاية روح المأثورات كما كان الأمر عهد البنا رحمه الله. ففي الوقت الذي توسعت الاهتمامات الحركية والتنظيمية لم يظهر أن الجماعة ركزت على ضرورة رعاية أصل قوتها وإشعاعها. فهي تعيش في هذا الجانب على بقايا الأثر المؤسس لها إذ كان من المفروض أن يكون هناك توازن كبير بين تطور السير وتعقد المطالب والطوارئ وبين ذلك الأصل الكلي. وهذه هي الثغرة الكلية في سير جماعة “الإخوان المسلمون” اليوم. ومع هذا فهي من الجماعات الأم التي شاء المولى عز وجل أن تكون مصدر تجديد في واقع المسلمين اليوم ومدرسة تخريج الرجال. والحمد لله رب العالمين.

أما النموذج الثاني الذي ينبغي أن يخضع للدراسة والبحث الدقيق في الباب فهي تجربة جماعة العدل والإحسان في المغرب. فبالإضافة إلى الوقائع العملية التي أنجزتها الجماعة في الواقع السياسي والمجتمعي في المغرب في زمن قياسي بالمقارنة مع جل الحركات السياسية والمجتمعية رغم أنها تعرف حصارا منذ وجودها، يمكن الرجوع إلى ما قاله وما كتبه الأستاذ عبد السلام ياسين، خاصة كتاب “العدل” وكتاب “الإحسان” بالإضافة إلى كتاب “المنهاج النبوي” وكتاب “تنوير المؤمنات”. كما أن تجربتها في فلسفة التنظيم انسجاما مع حقيقتها الوجودية يعد تجربة متميزة من حيث المضمون والشكل. وهذه دعوة إلى ضرورة أن تجلس القيادات الإسلامية في العالم العربي والإسلامي إلى دراسة هذه التجربة من جميع جوانبها الكلية والتصورية مع لحظ الجوانب العملية الميدانية لما تحمله من جدة في العمل الدعوي السياسي والمجتمعي. بل قد تكون الدعوة صادقة إلى أن الرجوع إلى هذا الرجل في استنباط كنوز علمه الواسع ودرايته العميقة بالواقع ومطالبه فرصة عظيمة للاستفادة كما استفاد هو من جل التجارب الإنسانية السابقة.

ليست هذه عواطف وتحيز أعمى، كما ليست هذه الدعوة بديلا عن الرجوع إلى أصل الأصول المبعوث رحمة للعالمين سيد الأولين والآخرين، لكن، وأمام ادعاء الكل أن البديل عن الواقع المعيش هو الرجوع إلى كتاب الله تعالى وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم فنحن في حاجة ملحة إلى من يقول من خلال اجتهاد علمي وعملي جوابا على سؤال: كيف الرجوع ولماذا هذا الرجوع؟ فالتقريرات والمناقشات العلمية التي تزخر بها تجربة هذا الرجل في ميدان الدعوة والتربية عميقة حيث تشكل اجتهادا فريدا في إعادة قراءة السيرة النبوية بكل تجرد مع استلهام الحقيقة القرآنية والنبوية مع فقه دقيق للواقع.

وفي انتظار أن تتاح الفرصة للوقوف على هذه التجربة بتفصيل كافي يمكن الإشارة إلى أهم مرتكزاتها:

المرتكز الأول: هو التجديد. والتجديد هنا ليس بمعناه السائد الذي تغلب عليه الجزئية، وليس معناه التبديل والتغيير، بل تجديد كلي وشامل يزيل الحجب عن صفاء الأصل ووضوحه، وهو ينبني على:

1-تجديد الإيمان الذي مقره القلب.

2-تجديد الدين الذي جاء جبريل عليه السلام وجلس بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم مع حضور صحابته وعلمه لهم: إسلام ثم إيمان ثم إحسان.

وهو التجديد الذي أخبر به الرسول صلى الله عليه وسلم في حديث: إن الله ليبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها.

3-وضوح أفق الريادة وهو أفق الخلافة الثانية التي وعد بها رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ملك عاض ثم جبري.

وهذا المشروع التجديدي يتنافى ويتعارض جوهريا مع كل أشكال العنف والتجزؤ والغموض والخوف.

المرتكز الثاني: إعادة بناء جماعة المسلمين، لأنه أصل ضاع مبكرا، وهو مطلب شرطي اليوم في عملية تجديد السير الفردي والجماعي. كما أنه وسيلة هامة في لم الشمل وتوحيد الجهود. وهناك فرق كبير بين السعي لبناء تنظيم ذي صبغة إسلامية وبين إعادة بناء جماعة المسلمين. وعدم التفريق بين الأمرين من الناحية التصورية والعلمية والعملية هو ما ترتب عليه كثير من الغموض والارتباك واللبس في عمل كثير من العاملين في حقل الدعوة والعمل الإسلامي.

المرتكز الثالث: ريادة الغاية الإحسانية: أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك. ومن مقتضيات ذلك أن تكون القيادة لأهل الإحسان الذين هم أهل البصيرة كما كان زمن النبوة والخلافة الأولى. ودون ذلك فقه ومقاصد، وعلم ووسائل. (واتقوا الله ويعلمكم الله). (ومن يتق الله يجعل له مخرجا).

عود على بدء..

ربما تهيمن على شباب المسلمين اليوم حيرة وهم ينظرون إلى ما يعيشه المسلمون من معاناة وما هو مسلط عليهم من عذابات وابتلاءات على يد غيرهم، وما يعرفونه من تشتت وضعف مخزي، وهزالة في اجتماعات الحكام ومهازل صراخهم وعويلهم وانفضاح أمرهم وانكشاف عمالتهم وولايتهم المطلقة لمن يعرض عنهم متى شاء ويرضى عليهم متى شاء. حتى أنه ملك الجرأة أن يملي عليهم الإصلاحات الضرورية جهارا بعد أن كان يمليها سرا وتلميحا.

ما العمل وما السبيل؟

كل متأمل في كتاب الله تعالى ومتمعن في السنة المطهرة وقارئ لكتاب العالم من خلال آيات القرآن الكريم لايحصل له إلا الاطمئنان، لكنه ممزوج بالأسى والألم القلبي والحسرة على أمة هي خير الأمم لما أوصلته إليها دسيسة حكام ليسوا منها تسلطوا على رقابها زمنا طويلا حتى سلموها لقمة سائغة لمن تربص بها منذ أن كانت أمة رسالة.

رغم الأسى والألم فهناك الاطمئنان:

1-لأن هذا الدين تكفل الله بحفظ أصوله وفروعه.

2-لأن هذه الأمة مرحومة بالنص القطعي. ومن رحمته تعالى بها أنه تكفل سبحانه ببعث من يجدد لها دينها، وذلك فضل الله يؤتيه من ويشاء. وما على المرء إلا أن يسأل فضل الله وأن يكون من جند الله.

3-لأن قضيتنا عظيمة، وكل قضية عظيمة يكون مخاض انباعتها وظهورها عسيرا بحجم عظمتها، و أي شيء أعظم من قضية الإيمان والدعوة إليه. لكن هذا العسر هو علامة على اليسر. كيف لا وقد قال الله تعالى: (إن مع العسر يسرا إن مع العسر يسرا). فقال العارفون: ما غلب عسر يسريين.

4-لأن هذا الذي نعيشه كله علامة على أن هذه الأمة علمت أن خلاصها في دينها ورجوعها إليه.

5-لأن التاريخ علمنا أن شراسة الغافل في البطش دلالة على قرب نهايته الحتمية.

6-لأن التجربة علمتنا أن الأشياء تعرف بضدها. بهرتنا حضارة الغرب زمنا طويلا حتى سرقت منا أبناءنا. وها قد انكشف عوارها، كانت مجرد سراب خادع فكشفت عن ساقيها: عنف على الإنسانية وصد عن الله. فلعل ذوي العقول الراجحة من المغربين يرجعون كما رجع الكثير منهم، ولعل ذوي العقول الراجحة في الغرب ينبهون إلى حقيقة المقابل الذي هو الإسلام.

7-لأن هذه الدنيا فانية ولا تساوي عند الله جناح بعوضة، وما هي إلا معبر إلى الآخرة، دار البقاء والخلود مما يدفعنا إلى التشمير والاستعداد لإصلاح نفوسنا واكتمال توبتنا لعرض الإسلام عرضا سليما وقويا لعل الله أن يهدي بنا من أضلته هيمنة حضارة مقطوعة عن الله جاهلة بحقيقة الإنسان وبحقيقة وجوده.

(إن الدين عند الله الإسلام).

(والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا)

(ومن جاهد فإنما يجاهد لنفسه)

(هذا ببلاغ للناس ولينذروا به وليعلموا أنما هو إله واحد وليذكر أولوا الألباب)

(لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم، فإن تولوا فقل حسبي الله لاإله إلا هو عليه توكلت وهو رب العرش العظيم)

صدق الله العظيم

والحمد لله رب العالمين

مراكش، مبارك المساوي، في 10/05/2004