سبق أن كتبنا في مقال سابق عن القمة العربية التي لم تقم ولن تقوم لها قائمة.. الآن، وبعد شهرين من الأخذ والرد، انعقدت قمة “الأمل” مخيبتا كل الآمال التي كانت عند بعض من كانت لديهم بذرة أمل في” زعماء” العرب.. وتأكد بالملموس أنه لن تقوم لقمة العرب أية قائمة، و تأكد بما لا يدعو مجالا للشك أن الزعماء وجامعتهم العربية صاروا مسخرة على لسان شعوبهم، ومادة دسمة في حديث كل المحللين والمراقبين، بل وحتى لرسامي الكاريكاتير!

انعقدت إذن قمة العرب بمن حضر من العرب، وكانت ظاهرة الغياب والانسحاب والمغادرة أهم ما ميز القمة!

لم يحضر أشغال جلسة الافتتاح كاملة سوى إثنا عشر زعيما بعد انسحاب “الزعيم” الليبي في بدايتها. بينما غادر المؤتمر قبل الجلسة الختامية خمسة زعماء، أما المتغيبون فهم تسعة مثلهم الوزراء!

هذه هي القمة التي كانت من المفترض أن تجمع شمل العرب..

تعهدوا وتعاهدوا وتوافقوا، وكان قرار الإصلاح الداخلي ختاما لوثيقة العهد والوفاق. وغاب التنديد الشديد اللهجة على الجرائم الوحشية للعدو الصهيوني في فلسطين، وغابت القرارات المؤيدة للمقاومة ولإحياء جبهة الدفاع المشترك، كما غاب الإعلان عن الدعم اللوجستيكي للمقاومة.. أما العراق، بلد الحضارة والتراث، فقد ترك لتستباح أرضه وعرضه وماله! واكتفت القمة بالكلام المباح!

فكان إعلان تونس والبيان الختامي، عبارة عن إقرار لوثيقة عهد ووفاق وتضامن بين قادة الدول العربية.. وحديث عن مسيرة التطوير والتحديث في الوطن العربي.. وحلم بالتجارة العربية البينية..

لقد عرفت قمة تونس بكثرة المبادرات المقدمة، وكان الحديث قبل ذلك عن مبادرة الشرق الأوسط الكبير المقدمة من طرف الولايات المتحدة الأمريكية، المبادرة التي تركت آثارا وسلكت على منوالها مقترحات أخرى قدمت مجزأة، فكانت مبادرة الأمين العام للجامعة التي تضمنت تسعة مشاريع في إطار الإصلاح وهي البرلمان العربي ومجلس الأمن العربي ومحكمة العدل العربية والمجلس الاقتصادي والاجتماعي وإستراتيجية التكامل الاقتصادي العربي وبنك التنمية والاستثمار العربي وآلية اتخاذ وتنفيذ القرار ونظام الجزاءات والعقوبات في حالة عدم الالتزام بالقرارات، إضافة إلى مجلس عربي أعلى للثقافة.

ثم المبادرة المصرية التي تربط فيها مصر بين الإصلاح السياسي في العالم العربي وبين الثقافة المحلية والتقاليد الدينية، وإنهاء الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية. وترحب بالتعاون مع الدول الصديقة المستعدة للتفاعل على أساس من الندية الكاملة وعدم محاولة فرض نموذج معين وتجنب ما يتعارض مع التوجهات المنبثقة من الثقافة والدين والقومية.

بينما أكدت المبادرة الثلاثية المشتركة بين مصر والسعودية وسوريا أن الزعماء العرب يستهدفون استنهاض المواطنين عن طريق توسيع المشاركة السياسية وإنجاز الإصلاحات الضرورية في المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، لكن المبادرة لم تشر إلى الديمقراطية، ولا إلى إجراء انتخابات حرة ونزيهة.

لتبقى المبادرة الأمريكية التي عرفت باسم “الشرق الأوسط الكبير” والتي تقوم أولوياتها على الإصلاح عبر تنمية المنطقة، هي أصل كل المبادرات الأخرى المقدمة والتي تتحدث عن الديمقراطية عبر تشجيع الانتخابات الحرة، و الحكم الصالح يشكلان الإطار الذي تتحقق داخله التنمية، والأفراد الذين يتمتعون بتعليم جيد هم أدوات التنمية، والمبادرة في مجال الأعمال هي ماكينة التنمية. مع التركيز على مكافحة الفساد وإصلاح التعليم…الأمر الذي لخصه إعلان تونس وثمنه البيان الختامي في مجمل نقاطه.brبالإطلاع على محتويات ما أقره الزعماء الحاضرون الغائبون، يتأكد لكل سادج أن الاستمرار في الرضوخ للإملاءات الأمريكية، والمطالبة بالتزام اتفاقيات السلام – أو بالأحرى الاستسلام- أمام العدو الصهيوني، ما هي إلا انبطاحات جديدة في وقت تتشبث فيه الشعوب بخيار المقاومة.

لقد أبانت مقررات المؤتمر العجز الرسمي العربي، وحتى إن التزمت بما أسمته القمة ” التطوير والتحديث والإصلاح”، فهل سنشهد في المستقبل القريب استقالات جماعية للمسؤولين العرب وإقرارهم بالعجز وفضحهم للمؤامرات الطويلة التي هم مساهمون فيها؟

هل سنشهد إصلاحا في سياساتنا الداخلية ونعيش الحرية والديمقراطية التي توصل إلى محاكمة وعزل الزعيم؟ وهل التنمية التي أكد وتعاهد وتوافق عليها الزعماء، ستؤدي إلى محاسبة الزعماء الذين يتحكمون في أرزاق شعوبهم من خلال التحكم في خيرات بلدانهم؟ هل سيكون بوسعنا مطالبة الزعماء وكل من يتربع على كرسي من ذهب أن يعيد للشعب ما للشعب؟

لقد توافق وتعاهد العرب على تعزيز الممارسة الديمقراطية وتوسيع المشاركة في المجال السياسي والشأن العام، وتعزيز دور مكونات المجتمع المدني كافة في المشاركة، ودعم برامج التنمية الشاملة وتكثيف الجهود الرامية إلى الارتقاء بالأنظمة التربوية، وتحقيق التكامل الاقتصادي بين الدول العربية، وتكريس قيم التضامن والتكافل، ثم الإسهام في إطار الجهود الدولية المبذولة لمكافحة ظاهرة الإرهاب..

يجب إذن أن نستبشر خيرا، على الأقل فإن حالنا الداخلي – بعد تعهد وتعاهد وتوافق  مجمع الزعماء، سيكون على ما يرام إن شاء الله، وما ذلك على الله بعزيز.. وبعد ذلك يمكن أن نمعن النظر في واقع حالنا مع أعدائنا !!

يقول الله العزيز في منزل تحكيمه( له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم وإذا أراد الله بقوم سوءا فلا مرد له وما لهم من دونه من وال ) “الرعد 11″. صدق الله العلي العظيم، وصدق رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم حينما قال: ” يُوشِكُ الأُمَمُ أَنْ تَدَاعَى عَلَيْكُمْ كَمَا تَدَاعَى الأَكَلَةُ إِلَى قَصْعَتِهَا ». فَقَالَ قَائِلٌ وَمِنْ قِلَّةٍ نَحْنُ يَوْمَئِذٍ قَالَ « بَلْ أَنْتُمْ يَوْمَئِذٍ كَثِيرٌ وَلَكِنَّكُمْ غُثَاءٌ كَغُثَاءِ السَّيْلِ وَلَيَنْزِعَنَّ اللَّهُ مِنْ صُدُورِ عَدُوِّكُمُ الْمَهَابَةَ مِنْكُمْ وَلَيَقْذِفَنَّ اللَّهُ فِى قُلُوبِكُمُ الْوَهَنَ ». فَقَالَ قَائِلٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا الْوَهَنُ قَالَ « حُبُّ الدُّنْيَا وَكَرَاهِيَةُ الْمَوْتِ “.