إذا كان الإنسان الموصوف بالضعف سرعان ما يُضَيع نعمة الله في خلقه : ” لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم ” (التين ـ 4 ) فإن السبب في ذلك يرجع بالدرجة الأولى إلى إهمال روحه ووجدانه وما يحتاجانه من تغذية دائمة توفر له التوازن والتوافق المطلوبين بين طينيته وروحانيته .

والإحساس بالجمال هو إحدى الملكات الإنسانية العظيمة التي فطرها الله عز وجل في عباده وجعل منها منهلا للوجدان ومنهاجا لتربية النفس البشرية وتطهيرها من أمراضها وعيوبها لأن التكوين النفسي للذات البشرية يمكنها من التفاعل مع أي لوحة أو مشهد فني يُعرض عليها . والآيات الكريمة تشير إلى هذا بما يقارب التصريح حينما تتحدث عن امتنان الله تعالى على الإنسان بما يلبي حاجاته الضرورية وحاجاته الجمالية وذلك في أكثر من موضع من كتاب الله الكريم .

ففي بيان الحقيقة والواقع قال تعالى في سورة القصص : “وما أوتيتم من شيء فمتاع الحياة الدنيا وزينتها” . فإذا كان المتاع هو ما يُتمتع به من ضرورات وحاجيات فإن الزينة هي التعبير عن الجمال وما ذاك إلا تلبية لما استقر في النفس الإنسانية من مشاعر فنية جمالية .

قال الإمام أبو حامد الغزالي رحمه الله في الإحياء : “والطباع السليمة قاضية باستلذاذ النظر إلى الأنوار والأزهار والأطيار المليحة والألوان الحسنة النقش المتناسبة الشكل …ولا أحد ينكر كون الجمال محبوبا بالطبع ” .

وقال الإمام ابن تيمية رحمه الله في الاستقامة : ” إذ الإنسان مجبول على محبة الحسن وبغض السيئ فالحسن الجميل محبوب مراد ” .

هذا وإن عمق الرصيد الذي يملكه الجمال في فطرة الإنسان جعل تأثيره على النفس عظيما ، هذا التأثير يتم عبر مراحل :

أولا الإدراك الجمالي : ويتم بالنظر إلى المشهد و تدبره والتفكر فيه و إعطاء تقييم جمالي له ، والتمييز بينه وبين غيره وهو ما يُحدث لدى الإنسان استمتاعا وشعورا بلذة الجمال . يقول محمد قطب : ” لا شك أن هناك حاسة في باطن النفس تفطن للجمال وتحسه وتستجيب له ” .

ثانيا الانفعال الجمالي : فبقدر ما يحققه الإنسان من إدراك جمالي لمشهد ما بقدر ما يتيح له فرصة أفضل للانفعال معه، وبقدر تذوقه لجمالية المشهد يتحرر من الجمود الذي أصاب وعيه ومن التحجر الذي أصاب فكره فيتحرر من طينيته للحظات. ذلك أن الانتباه للجمال وإدراك تناسقه وتوازنه وتكامله يحدث عند الإنسان انفعالا وجدانيا . تقول أميرة حلمي في كتاب مقدمات في علم الجمال : ” الصورة الفنية تمتاز بأنها ثمرة انتقاء وتهذيب للمادة المحسوسة المستمدة من الطبيعة أو الحياة الإنسانية وغاية هذا الانتقاء هو إثارة التأثير أو الانفعال الجمالي ” .

ثالثا الاندماج الجمالي : إن الانفعال الجمالي يدفع الإنسان للبحث عن مكانة لذاته وسط ذاك التناسق بشكل لا يخدش جماله ورونقه وهو ما يحتاج معه إلى الترفع عن جمود الأُلف وينزهه عن مشاغل جسده ليندمج في إدراك واع مع جمالية المنظر بشكل لا يصبح فيه مجرد مستمتع بلذة الجمال ولكن إحساسه يرتفع إلى مستوى تغيير ما بنفسه حتى تتكامل الصورة الجميلة .

في سورة النمل حدثنا الله تعالى عن قصة إيمان بلقيس ملكة سبأ التي أوتيت من كل شيء ولها عرش عظيم ؛ حينما دعيت لمقابلة سليمان عليه السلام وجدت نفسها أمام جمال أخذ بلبها وهو قصر عظيم بني من زجاج فوق الماء الجاري ، قال تعالى : ” قيل لها أدخلي الصرح، فلما رأته حسبته لجة وكشفت عن ساقيها. قال : إنه صرح ممرد من قوارير ، قالت :رب إني ظلمت نفسي وأسلمت مع سليمان لله رب العالمين ” .هكذا يأتي إسلامها أثرا مباشرا لإدراك جمالي “فلما رأته حسبته لجة” ثم انفعال جمالي “رب إني ظلمت نفسي” ثم اندماج جمالي “أسلمت مع سليمان لله رب العالمين ” إنه دليل قاطع على سلطان الجمال على النفوس .

وكما أنه يمكن لأي فطرة أن تُوَظف وتُستَغل سلبا فأيضا الإحساس بالجمال يمكن أن يكون وسيلة لغير ما أوجدها الله تعالى من أجله ذلك أن تيمة التطهير الوجداني التي يطرحها الجماليون هدفا عاما من وراء أي عمل فني تجعلنا نقف عند سؤال يجلي لنا الأمر أكثر وهو : التطهير من ماذا ؟

عند البحث في الأجوبة المحتملة عن هذا السؤال سنكتشف أن للتطهير معنى نسبيا وفق ما يروم عارض اللوحة الجمالية تحقيقه من أهداف وإيصاله من أفكار ومواقف ؛ فمثلا إذا كان يرى أن الحياء عقدة وكبت فإنه يعرضه ويتفنن في إبرازه على أنه مرض حقيقي لابد أن يتطهر المتلقي منه حتى يكون عنصرا سويا ،والعكس إذا نظر للحياء على أنه فضيلة وجب التمسك بها فإنه يدفع المتلقي إلى التطهر من عدم الحياء . وفي الحالتين معا توظف حاسة الإحساس بالجمال وهو القالب الفني الذي يلبس هذه الفكرة أو تلك . الذي يهمنا في هذه المقالة هو التدليل على أن المشاهد الجميلة وتذوقها قد تربي الإنسان على قيم ما بغض النظر عن سلبيتها أو إيجابيتها .

ومن أجل ذلك نسوق مثلا بفن المسرح أو الدراما المسرحية بما هي فعل يحاكي الواقع وظف على مر الحضارات كوسيلة من وسائل التطهير من الأمراض البشرية كما ينظر إليها المؤلف أو المخرج .

تحمل الكلمة اليونانية كثارسيس CATHARSIS التي تعني التطهير بعدا دينيا وطبيا .فقد ورد في المعجم الفلسفي ” المعنى الديني وارد عند الفيثاغورسيين ويراد به أن تكون النفس منسجمة مع ذاتها والموسيقى هي الوسيلة لتحقيق هذا الانسجام ” الموسيقى هنا بمعنى ما يمكن أن يحدثه مشهد من تناغم وتوافق وتكامل وانسجام . أما البعد الطبي فقد ورد في كتاب السفسطائي حيث يقول سقراط عن فنه :” إنه تطهيري بمعنى أن التطهير هو إزالة شيء من النفس ” وعموما فإن التطهير هو الهدف النهائي المرصود للمحاكاة المسرحية وليس مجرد الاستمتاع الذاتي ذلك أن الفعل المرئي والمسموع هو جسد الدراما وصورتها الناطقة بينما تكمن روحها في حمولة الحكاية .

ومن ناحية أخرى لا سبيل إلى تحقيق التطهير إلا من خلال عملية الفرجة والتي تشترط ضرورة استغلال ملكة الإحساس بالجمال وذلك بإبداع لوحة فنية محبكة بشكل يجلب وجدان المتلقي .إنها باختصار جودة التوصيل بين طرفين: من جهة الممثل / الفعل ACT وهو كل ما له علاقة منطقية بالظرفية الخيالية الخاصة التي ينقلها الممثل خلال العرض والتي ترمز إلى حال من أحوال الطبيعة الإنسانية ومن جهة ثانية الجمهور / الانفعال وهو كل ما يبديه المتلقي من إدراك ثم انفعال ثم اندماج جمالي مع القالب الفني المقدم له .

ولعل ما يدعى بالتطهير هنا هو السر الكامن وراء القدرة التي يتمتع بها الممثل الذي يتخذ وضع الطبيب المعالج لأهواء النفس وانفعالاتها المكبوتة .وإن كان هو في الواقع مجرد وسيط يستخدمه الكاتب المعالج الأصلي في الاتصال بمرضاه الذين يتأثرون بموسيقى المشهد، موسيقى الكلام والحركة التي تنتج إيقاعا مستمرا يتفنن المخرج في إبرازها لتسبب ذوبانا تغيب فيه الحواس الظاهرة عن الإدراك كأنه الفناء أو التلاشي .وهذه النظرة سارية المفعول ليس في المسرح فقط بل في السينما والدراما التلفزيونية التي تعتمد جميعها على المغالاة في إحداث الإيهام التطهيري فيما تقدمه من أعمال تذهب إلى أقصى مدى إخافتنا من ذواتنا في الوقت الذي تحرص فيه على تقديم سلالة من الأبطال يجسدون قيم العصر الحديث التي يجب الامتثال لها .

إنها النزعة التدميرية التي تصيب النفس داعية إياها إلى رفض الصورة الآنية الواقعية أو المجتمعية لوجودها والهروب إلى عوالم الخيال من خلال صراع درامي ينتج تيارا فكريا معينا .

ولنا في القرآن الكريم مثالا على ذلك كله .

قال تعالى في سورة القصص : ” فخرج على قومه في زينته، قال الذين يريدون الحياة الدنيا : يا ليت لنا مثل ما أوتي قارون ، إنه لذو حظ عظيم .وقال الذين أوتوا العلم : ويلكم ثواب الله خير لمن آمن وعمل صالحا ولا يلقاها إلا الصابرون ” .

هذه الآية تصف لنا قارون الذي أوتي من الكنوز ما إن مفاتيحه لتنوء بالعصبة أولي القوة ، وقد اتخذ من مظاهر الزينة والزخارف ما يتناسب مع هذا الغنى فإذا الناس من قومه أمام هذا المشهد فريقان :

الفريق الأول : أخذ المشهد بمجامع قلوبهم فإذا آثار ذلك تخرج من أفواههم تمنيا ورغبة أن يكونوا مثله .

الفريق الثاني : لم يؤثر فيهم المشهد ، لا لأنه غير مؤثر و إنما لوجود الإيمان الذي يجعل الإنسان لا يقف عند ظواهر الأمور بل ينفذ إلى جوهرها ويعلم أن هناك ما هو أعلى قدرا وأسمى مكانة … ثواب الله .

هذه هي النفس البشرية في مثاليين حيين تهوى الجمال وتشغف به فإما أن يدفعها للإيمان برب السماوات والأرض أو تغفل عنه .

هذه الآيات الكريمة تؤكد على حقيقة أساسية من حقائق الفطرة الإنسانية وهي أنها فطرة ذواقة للجمال وقادرة على الاحتكام به والاحتكام إليه لكن للإيمان الذي نور الله تعالى الإنسان به دور ينجينا من الإغراق في الذوبان في أي مشهد .إنه نوع من التحكم في حاسة الجمال حيث تعبر الروح الإنسانية عن تحررها في مواجهة العوائق والصعاب التي تحاك ضدها.

لقد دعا الله خلقه أن يبحثوا عنه في صفحة الكون الواسع فقال عز وجل : ” إن في خلق السماوات والأرض، واختلاف الليل والنهار ، والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس ، وما أنزل الله من السماء من ماء فأحيا به الأرض بعد موتها ، وبث فيها من كل دابة وتصريف الرياح والسحاب المسخر بين السماء والأرض لآيات لقوم يعقلون ” (البقرة ـ 163 ) . ونبه عباده لإدراك التناسق في المشهد الجمالي: ” ما ترى في خلق الرحمان من تفاوتت : ،فارجع البصر هل ترى من فطور ؟” ( الملك ـ 3 ) ، والتوازن : “والأرض مددناها ، وألقينا فيها رواسي ، وأنبتنا فيها من كل شيء موزون ” ( الحجر ـ 19 ) ، والتكامل : “والشمس وضحاها والقمر إذا تلاها والنهار إذا جلاها والليل إذا يغشاها والسماء وما بنهاها والأرض وما ضحاها ونفس وما سواها ” ( الشمس 1 ـ 7 ) .

إن القرآن الكريم وظف الإحساس بالجمال بشكل جلي وواضح حيث جعل منه برهانا عقليا على وجود الله تعالى ودليلا وجدانيا على طريق الإيمان به وإقرارا ساميا على ألا استقامة للوجود الإنساني فردا وجماعة إلا في الإيمان بالله والعمل بشريعته ، وعلى الإنسان ألا يجعلها تزيغ عن الهدف من خلقها .