علاقات متشابكة ومعقدة تاريخيا، هيمنة إسبانية ونفوذ داخل الاتحاد الأوربي، سياسة ديبلوماسية مغربية دون المستوى، مصالح شخصية تعصف بالصالح العام، سياسة تفتقر إلى النضج السياسي الذي يخدم مصالح البلدين، وغياب محاور مغربي جــاد.. فهل يمكن الحديث اليوم عن علاقات ثنائية مثمرة، علاقات يطبعها جو التعايش والتفاهم.. وهل يمكن الحديث عن إمكانية إنضاج الرؤى حول القضايا المصيرية المشتركة، خصوصا وأن إسبانيا دخلت عهدا جديدا مع حكومة اشتراكية ربما تكون متفهمة لسياسة الحوار والجوار أكثر من سابقتها اليمينية؟

يتحدث العديد من المراقبين السياسيين على أن العلاقات المغربية الإسبانية في تحسن مستمر، وأنه حان الوقت لتدارك الوقت الضائع، في إشارة إلى فترات التوتر السياسي بسبب موقف إسبانيا السلبي من قضية الصحراء المغربية، وبسبب الموقف ذاته من المنتجات الفلاحية والصيد البحري، فضلا عن قضية جزيرة تورة التي خيمت على أجواء العلاقات المغربية الإسبانية في وقت سابق من السنة ما قبل الماضية (يوليوز 2002).

فقد شهدت العلاقات الدبلوماسية بين المغرب وإسبانيا، توترا عرف بالأطول من نوعه في العلاقات الثنائية إبان حكم اليمين، وكانت الأزمة الدبلوماسية الأولى التي تركت آثارها السلبية على البلدين لما يزيد عن خمسة عشر شهرا ! وتوجت بانعقاد اجتماع اللجنة العليا المغربية الإسبانية المشتركة، ثم بعد ذلك بلقاءات كان يخيم عليها جو عدم الثقة وعدم الانفتاح على قضايا مصيرية مشتركة بين البلدين.

إن المتتبع لتاريخ العلاقات المغربية الإسبانية، لا يمكنه تجاهل الموقف الاستعماري لإسبانيا في تعاملها مع المغرب، وذلك منذ الحقب التاريخية الاستعمارية الأولى، حيث قسم المغرب إلى نفوذ استعماري برتغالي، إسباني، فرنسي.. وبدت الأطماع الإسبانية في استغلال المغرب سياسيا واقتصاديا، واضحة منذ الفترات الأولى للاستقلال..

كما لا يخفى على المتتبع وجود لوبي اقتصادي يتحكم في السياسة الاقتصادية الإسبانية التي تروم نهب خيرات المغاربة دون أي وازع أخلاقي، ودون أية مراعاة للمصالح الاقتصادية المشتركة.. الأمر الذي ولد حقدا وخطابا عنصريا تجاه المغرب والمغاربة.

فمنذ نهاية القرن الخامس عشر، عملت السياسة الاستعمارية الإسبانية على تكريس الجانب العنصري في تعاملها مع المغرب، وعملت أسباب تاريخية وعاطفية، كما أكد على ذلك المؤرخ الإسباني مارتان كوراليس في كتابه  صورة المغربي في إسبانيا – ” على تشكيل صور للمغربي في الوعي الجمعي الإسباني تقوم على أفكار مسبقة مسيئة وعنصرية وغير أخلاقية “، إضافة إلى أن الهزيمة التاريخية للأسبان في حرب أنوال، كانت السبب  حسب الكتاب – في إعادة حفر الذاكرة الجمعية الإسبانية للتنقيب عن تلك الأفكار المسيئة للمغرب.

كما أكد “مارتان كوراليس”، أنه بعد عودة الصحراء إلى الوطن الأم وجلاء آخر جندي إسباني عنها، فإنه لم يكن من المستغرب خصوصا بعد هذا العمل الطويل في تحضير الرأي العام الإسباني على كراهية المغرب والمغاربة، معاينة الغالبية الكبرى من المجتمع الإسباني تعبر عن تعاطفها مع “البوليساريو” . أما باقي الملفات ( الصيد البحري، المطالب المغربية في السيادة على سبته ومليلية، وانتفاضة المغاربة في المدينتين المحتلتين ضد قانون الأجانب لسنة 1986)، فقد وظفت جميعها كحجج من أجل الزيادة في الإساءة لصورة المغربي .

كما لا يمكن لأي متتبع لمسار العلاقات المغربية الإسبانية تجاوز الحديث عن ملف مدينتي سبته ومليلية المحتلتين من طرف إسبانيا.. ولا يمكنه في نفس الآن تجاوز الزوبعة التي اختلقتها إسبانيا في صيف 2002 باحتلالها لجزيرة تورة التي توجد داخل المياه الإقليمية المغربية، تلك التي قال عنها “أزنار” في كتابه الأخير الذي تناول فيه الحديث عن أزمة جزيرة ليلى، بأنها كانت مفتعلة وبعلم الولايات المتحدة الأمريكية!

ففي الوقت الذي تعمل فيه إسبانيا جاهدة، التقدم بمفاوضاتها مع التاج البريطاني من أجل استرجاع صخرة جبل طارق، نراها ترفض الحديث عن احتلالها للأراضي المغربية، بل والتأكيد على أن سبته ومليلية، أراضي إسبانية ! التصريح الذي أكدته وزيرة الخارجية الإسبانية في الحكومة اليمينية السابقة ” أنا بالاثيو”، في لقاء لها مع قناة الجزيرة في 19 يوليوز 2002 على هامش احتلال إسبانيا لجزيرة تورة، حيث أكدت حينها الدبلوماسية الإسبانية اليمينية، أن كل شيء قابل للمباحثات إلا قضية سبته ومليلية اللتان اعتبرتهما إسبانيتين بدون أي منازع!!

فإذا كانت الجغرافيا تؤكد بالواقع الملموس أن المدينتين المحتلتين الواقعتين ضمن خارطة المغرب الجغرافية، مغربيتان، فإن التاريخ والجغرافيا يؤكدان معا أن ” تورة” التي جيشت من أجلها إسبانيا سابقا مروحياتها وبارجتها الحربية، وعملت على أن يبقى الوضع في الجزيرة كما كان عليه من قبل، صخرة مغربية باعتراف كل المراجع الإسبانية فضلا عن المغربية..

وفي ذلك، سبق للمؤرخة الإسبانية ” ماريا روزا دي مادرياغا ” أن أكدت في تقرير لها أن جزيرة تورة  ليلى- ” لم تكن أبدا جزءَ من الثغور الواقعة تحت السيادة الإسبانية، وإنما كانت خاضعة لنظام الحماية بحيث أنه عند استقلال المغرب عام 1956، أصبحت الجزيرة جزءَ من الدولة المغربية المستقلة “، الأمر الذي يظهر ويفضح الطابع الاستعماري للسياسة اليمينية في إسبانيا التي جاءت أحداث انفجارات مدريد لتفضح اليمين المتطرف وتجعله يندحر في الانتخابات، وبالتالي ليصعد اليسار الذي يبدو أن له سياسة داخلية وخارجية مختلفة عن سابقتها. الأمر الذي تأكد على الخصوص مع سحب الجيش الإسباني من العراق مباشرة بعد تولي ” ثاباتيرو” الاشتراكي مقاليد الحكم، ثم في إعادة تمتين الأواصر مع المغرب.

اليوم، وبعد التغيير الحاصل في إسبانيا، وبعد إعادة فتح العلاقات الثنائية، وعلى الرغم من تورط مغاربة مغرر بهم في تفجيرات 11 مارس، وأمام ما ينتظر المنطقة من تحولات اقتصادية بالدرجة الأولى مع انفتاح الأسواق.. صار من الضروري البحث عن أرضية اتفاق مشتركة بين البلدين، وبالتالي صار المغرب وإسبانيا مدعوان إلى التفاهم لحل المشاكل الثنائية، سواء تعلق الأمر بمجالات الهجرة والصيد والفلاحة ـ اقتصاديا ـ، أو ما تعلق بالملفات العالقة سياسيا: ( موقف إسبانيا من ملف الصحراء المغربية، قضية سبته ومليلية وباقي الجزر، ومسألة ترسيم الحدود البحرية.. ) وذلك حتى يمكن تسجيل رغبة إسبانيا في مناقشة وحل كل الإشكالات العالقة مع المغرب. فهل يمكن إدراج اتفاق البلدين على تشكيل مجموعتين مشتركتين مكلفتين بالتعاون الاقتصادي والعلاقات بين المجتمع المدني في البلدين، بمثابة خطوة في هذا الإطار، سيما إذا علمنا أن مصالح المغرب من إسبانيا أكثر وسيكون لها وقع إيجابي على الاقتصاد المغربي؟..

فإسبانيا تحتل الآن المرتبة الثامنة في اقتصاديات العالم، والمرتبة الخامسة أوروبيا. وقد حققت إسبانيا خلال السنوات الأخيرة، نسبة نمو اقتصادي تعتبر من أعلى النسب في الاتحاد الأوروبي، إضافة إلى ذلك تمكّنت من خفض نسبة البطالة وتحقيق توازن ماليتها العموميّة. وتمثل حركة التبادل التجاري مع البلدان الأعضاء في الاتحاد الأوروبي 70% من التجارة الخارجيّة الإسبانية.

.. كل ذلك يؤدي طبعا إلى الإقرار بأن هناك حضورا اقتصاديا في المغرب، سواء على مستوى المبادلات التجارية، أو من ناحية الاستثمار وإن قلت نسبته في عهد حكومة اليمين. هذا، دون أن نغفل حجم المديونية الإسبانية المترتبة على المغرب والتي تقدر بـ 13 مليار درهم حولت إسبانيا أجزاء منها إلى استثمارات بموجب ثلاث اتفاقيات.

إن المغرب وإسبانيا الآن تحدوهما معا رغبة أكيدة في تجاوز المشاكل التي تحول دون تقدم العلاقة بينهما نحو الأحسن بسبب الاختلافات البينة في التعامل مع القضايا العالقة (مطالبة المغرب بتصفية الاحتلال الإسباني لسبته ومليلية وباقي الجزر المتوسطية، وترسيم الحدود البحرية خاصة في منطقة جزر الخالدات، وتعديل موقف إسبانيا المنحاز لأطروحات الجزائر حول الصحراء المغربية، بالإضافة إلى قضايا الهجرة ومكافحة الإرهاب والعلاقات مع الاتحاد الأوروبي ومرور السلع المغربية عبر التراب الإسباني).

فبالنظر إلى واقع الأمور، نجد أن مشكلتين قائمتين تؤثران على العلاقة بين البلدين: مشكلة الهجرة ومشكلة الصحراء المغربية. والظاهر أن اهتمام إسبانيا بمشكلة الهجرة أكثر من اهتمامها بقضية الصحراء، الأمر الذي تأكد بالمحاولات الإسبانية الجديدة لمعالجة ملف الهجرة بمقاربة اقتصادية أكثر شمولية.

أما قضية الصحراء المغربية، فإن موقف الحكومة الجديدة يميل إلى مسألة الحكم الذاتي في ظل السيادة المغربية.

ينضاف إلى هاذين الملفين مشكلة ما أصبح يصطلح عليه في القاموس السياسي الدولي بــ” محاربة الإرهاب”.. هذا الملف الذي صار يشكل نقطة التقاء بالنسبة لجميع الدول. ولعل الملاحظ هو أنه عندما يتم الحديث عن الإرهاب، فإن الإشارة تصبح واضحة: الإسلام والمنظمات الأصولية..

فبالنظر إلى واقع المجتمع الإسباني، نجد أن إسبانيا وجدت نفسها أمام تنامي أعداد من يعتنقون الإسلام بها، ما دفعها إلى العمل على إيقاف تنامي المد الإسلامي في الأراضي الإيبيرية، تلك التي كانت في يوم من الأيام أراض إسلامية يقف التاريخ شاهدا عليها باللغة والآثار، وبأسماء المدن والأحياء حتى..

إن الحديث الآن عن تطور العلاقات المغربية الإسبانية في ظل التطورات الحاصلة، يكون سابقا لأوانه، وذلك على الرغم من تغير الوجوه السياسية، لا بل تغير الأفكار السياسية..

لكن الموقف الرسمي الإسباني الجديد يظهر بعض المرونة تجاه المغرب على الأقل اقتصاديا. فهناك بروتوكول اتفاقية تحرير المبادلات الزراعية مع الاتحاد الأوربي التي دخلت حيز التطبيق مع بداية العام الجديد، ومسألة منح المغرب رخصة التنقيب على البترول في الجهة البحرية ما بين طنجة و العرائش لشركة “ريبصول” الإسبانية، واستئناف المحادثات بخصوص دراسة مشروع الربط القار بين المغرب وإسبانيا، وتشجيع الاستثمار الإسباني في المغرب..

إن واقع الأمور يتطلب التقاء مغربيا إسبانيا على كل الأصعدة، ولم يبق هناك مجال لأي تنازلات أو مساومات بما أن المصالح مشتركة، وبما أن العامل التاريخي والجغرافي، إلى جانب التقارب الاقتصادي والسياسي.

فإذا كانت هناك نية فعلية إلى إعادة علاقات جدية بين الشعبين والبلدين الجارين، فهذا يتطلب الاعتراف للمغرب بسيادته على أراضيه، ومن دون إغفال لأي ملف من الملفات المشتركة. وإذا كان الارتياح المعلن عنه من خلال الإعلان عن إعادة المياه إلى مجاريها، فذلك لأن المغرب فعلا يعتبر أن غياب علاقات طبيعية بينه وبين إسبانيا، لن يمكن إلا من المزيد من تأزم الوضع سياسيا واقتصاديا، الأمر الذي سينعكس سلبا على المصالح المشتركة.

إن التركيز على المستقبل وتجاوز الخلافات، يقتضي إرادة سياسية فعلية، والروابط التاريخية والجغرافية والثقافية وحسن الجوار بين البلدين، لن يكون لها أي معنى في غياب تنسيق من خلال لجان عمل دائمة مكلفة بالعلاقات الاقتصادية والسياسية، والعلاقات بين المجتمع المدني في كلا البلدين. هذا إضافة إلى الإعلان عن التخلي عن التعامل بالمنطق الاستعماري من الجانب الإسباني.

بقي على الديبلوماسية المغربية إذن، أن تضطلع بدورها، وتعمل على تذويب الجليد المتراكم في العلاقات الثنائية المغربية الإسبانية.

وغالبا ما يؤكد المسؤولون الإسبان على غيــاب محاور مغربي جــاد.. الأمر الذي يزيد من تأزم الوضع في ظل أجواء تحتم على البلدين تقاربا أكبر.