طفا في الآونة الأخيرة على الساحتين السياسية والاجتماعية، حديث تتداول أطرافه مجالس العامة والخاصة.. حديث يؤرق بال العامل والموظف البسيط، ويزيد من تكريس الفوارق الاجتماعية التي صارت مظاهرها بادية للعيان أكثر من أي وقت مضى: أجور عليا وامتيازات وعيش رغيد، وتفقير وتجهيل وحرمان وتعطيل..

إنه الواقع الأليم الذي صارت تعيش على إيقاعه الملايين من الفئات المغتصب حقها، بينما علية القوم يرغدون في بحبوحة العيش الكريم..

لاشك أن الأمر يدخل في باب “وفضلنا بعضهم على بعض في الرزق” كما سبق لأحدهم أن أجابني به في إحدى اللقاءات الصحفية، وبالمناسبة فهو الآن وزير محترم ! .. لكن، وبالنظر إلى واقع الأمور، هل يعقل أن نزيد في دخل علية القوم ونجعلهم أباطرة المال، بينما غالبية الشعب يتلظى بنار الفقر وبلظى الحرمان؟

إن المتتبع لمسار ” العدالة الاجتماعية” التي طالما تحدث عنها المسؤولون في بلدنا الحبيب، لن يكون بوسعه القفز عن هذه الهوة الفاحشة، حيث المزيد من تكريس سياسة إغناء الغني وتفقير الفقير.. ولعل الحديث الذي يدور حاليا في دواليب مراكز القرار حول الزيادة في الأجور العليا، والرفع من مستوى التعويضات، ومنح المزيد من الامتيازات للفئات العليا فقط، خير دليل على أن السياسة الاجتماعية التي تنهجها “حكومتنا الموقرة”، سياسة واضحة المعالم!.. سياسة قوامها المزيد من التحقير والتبضيع لكل المحرومين.. وبالنظر إلى تكاليف المعيشة التي لا تتوقف عن الارتفاع، وحسب المعطيات المتوفرة، فإن الموظف والعامل البسيط الذي لا يزيد دخله عن الحد الأدنى للأجور، هو في صراع يومي من أجل البقاء! ويعيش واقعا أقل ما يمكن أن يوصف به، واقع كارثي.. أما من هم في أسفل سلم ” السلم الاجتماعي”، نسأل الله لنا ولهم الثبات وحسن الختام.

منذ مدة ونحن نسمع الدوائر الرسمية تتحدث عن مراجعة منظومة الأجور، وعن إحداث لجان للتدقيق، وأخرى للبحث والتقصي ورفع التقارير.. لكن؛ ومع توالي المسؤولين سواء في الحكومات أو في التشريع، يزيد التأكيد على أن الاستغلال ومناصب النفوذ، لا يمكن لها إلا أن تكرس واقعا سماته الأساسية الجشع والدفاع عن المصالح الشخصية لا غير، الأمر الذي لمسناه في المقترح القاضي بضرورة الزيادة في أجور “كبار” القوم من الموظفين والبرلمانيين..

إن السياسات الطبقية التي تعمل على تحديد الأجور، سياسة لن تزيد بلادنا إلا انحدارا وتهميشا للمواطن البئيس، ولن تعمل أبدا على تحقيق العدالة الاجتماعية التي يحلو للبعض التغني بها؛ بل ولن تزيد الوضع إلا تأزما وانفجارا في واقع صار مهيئا للانفجار في أي وقت وحين.

هذه السياسة الطبقية التي ترسمها لوبيات الاحتكار، أدت في مجملها إلى جعل سياسة الأجور تعرف فحشا فاق كل الحدود، بحيث تجاوز في كثير من الأحيان المتعامل به في البلدان الغربية. وهكذا نرى أن الفارق بين دخل الموظف البسيط والموظف السامي يتجاوز الـ40 مرة، هذا دون احتساب التعويضات والحوافز التي تكون خارج إطار الراتب الشهري الأساسي.

وقد أكدت المعطيات أن هناك اختلالات وتمييزا بين مختلف هيئات الموظفين، وبأن هناك تضخما كبيرا على مستوى التعويضات، وفارقا شارخا بين أجور موظفي الدرجات العليا والدرجات الدنيا.. إضافة إلى استفحال ظاهرة الامتيازات التي تفوق في أحيان كثيرة الراتب الأساسي بـ10 مرات!

إلى جانب ذلك، نجد أن وزير المالية الذي تقدم، أمام لجنة المالية في مجلس النواب يوم الثلاثاء 11 ماي الجاري، بعرض في الموضوع، كان عرضه ملتبسا ويكتنفه الكثير من الغموض. ولم يتناول قضية الأجور العليا إلا من باب العموميات عوض التفاصيل، ورفض الكشف عن المستور.. ولعل المستور الكامن في التعويضات الخاصة بوزارة المالية والتي تعتبر من أكبر التعويضات، هي التي جعلت وزير المالية يبقى في دائرة الغموض.

من الملاحظ أن بعض الأحزاب السياسية صارت تطالب بوضع سياسة جديدة للأجور العليا، وهناك أصوات أخرى تنادي بوضع قانون يكون بمثابة “دستور” يجعل راتب الوزير الأول أعلى أجر في الدولة.. وأصوات تنادي بإلغاء التعويضات والامتيازات.. بل هناك من ذهب إلى تبني عريضة تحتوي على مليون توقيع ضد الزيادة في أجور علية القوم..

وأمام كل هذه الأصوات، وجب التذكير بأن أكثر من 10 ملايين مغربي يعيشون فقرا مدقعا، بمعنى أن هذا العدد الذي يساوي ثلث ساكنة المغرب لا يتجاوز دخله اليومي الـ10 دراهم! وبأن أكثر من ثلاثة أرباع المغاربة العاملين أجورهم دون الحد الأدنى! وبأن جيوشا من المتخرجين سنويا ينضافون إلى لوائح العاطلين، وعددا من الدكاترة والمهندسين معطلون..

إن نهج سياسة عادلة في مجال الأجور، هي الكفيلة بجعل الموظف والعامل أكثر تحفيزا على الانخراط في التنمية. ولا يمكن بناء مستقبل مجتمعي يسوده الرخاء والطمأنينة، دون ضمان عيش كريم لكل فئات المجتمع.

ولعل طلب العيش الكريم لا يتطلب اعتماد أجور خيالية، بل بالتخلي عن الأجور والتعويضات والامتيازات الخيالية التي تمنحها الدولة لفئة قليلة، وبالالتزام بعدم نهب أموال الشعب، وبالرجوع إلى روح التربية التي تعتمد مبدأ القناعة.. يمكن تحقيق العدل والرخاء الاجتماعي.