عمق التاريخ ومرارة النفق

ربما صار السؤال عن الانتماء التاريخي عند الإنسان العربي اليوم مصدر قلق شديد وحيرة بالغة في زمن الإخفاقات المتكررة، والانتكاسات المتتالية، والهزائم المتنوعة الساحقة التي تعبر حقيقة عن زمن الاستعمار الشامل المرتكز على القوة العسكرية، مصدر استعمار القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، وعلى الهيمنة الثقافية والتربوية والإعلامية والاقتصادية والفكرية والعلمية؛ هيمنة الأنموذج الغربي سواء في صورته الجزئية من جهة أوربا، أو في صورته الجزئية من جهة أمريكا، أو حتى من جهة أنموذج عرف إخفاقا في “شرق أوربا” ويعرف اضطرابا شديدا يمهد، لاشك، لإخفاق كلي لكنه بطيء في “شرق الغرب”: الصين. وهذا كله يكون الصورة الكلية لغرب يريد تأبيد الهيمنة وتريد أمريكا أن تكون زعيمته مهما كلفها الثمن الذي تخولها المرحلة التاريخية التي يعيشها العالم أن يكون من جيوب الضحايا ومن خيرات أراضيهم وأبنائهم. إنه زمن هيمنة نوع تواصلي يستند على سرعة انتقال المعلومة مع صعوبة معرفة مصدرها لدى الضعفاء الذين لا يملكون إلا تكرارها مع محاولات يائسة، غالبا، لتحليلها في الوقت الذي يزحف صانعها، أي المعلومة، ميدانيا وعلى الأرض. زمن فقد فيه العرب كل مقومات القوة، حتى التاريخ تم التشويش عليه إلى حد أن الإنسان العربي صار يشكك في ماضيه ومن تم يعيش ظلامية المستقبل من خلال قتامة الواقع.

كان الاستعمار المباشر صفعة قوية لهؤلاء العرب، وكانت نكبة فلسطين ثمرة عدم إدراك حقيقة الصفعة وجوهرها، وكانت إخفاقات الأنظمة “العربية” برهانا على أن الدرس لم يستوعب، وكان انعزال أو إقصاء النخبة العالمة والمثقفة والحرص على تدجينها وتهميشها وعدم تمكينها من وسائل الفعل الواقعي خسارة عظمى ماكان لها أن تتحقق لو لم تختر أكثرية هذه النخبة أن تصنع التواصل “الشعبي” و”الجماهيري” على قاعدة مرجعية إما غربية قحة مهما كان لونها الفكري والسياسي، أو مختلطة مضطربة تعاني من غموض كثيف مما لم يوفر انبعاثا حقيقيا ونهوضا كليا لشعوب أنهكها الفقر والأمية والظلم السياسي والاجتماعي. وهو ما تجسد اليوم في غياب قيادة حقيقية ملتصقة بالجماهير خارجة من صلبها لا تعيش إلا لها ولو أدى ذلك إلى استشهادها حيث الشهادة حياة لأنها موت من أجل قضية نبيلة سامية ترتبط بالجماهير وجودا وتستمد جوهر وجودها من قضية الرسالة التي كانت الأمة لأجلها، هي رسالة تحرير الإنسانية من كل أنواع وصور العبودية لغير رب العباد سبحانه.

إنها مفارقة كبرى بين الواجب والواقع.

واليوم وقد دخل الاستعمار ديارنا وخرب بيوتنا ومزق جسمنا واستولى على خيراتنا وشككنا في حقيقة وجودنا إن لم يطمسها نهائيا في وعي الكثير منا، لماذا نحن على هذه البقعة الأرضية الممتدة عبر أدق مساحة جغرافية تاريخيا وعالميا، والمنبسطة على خيرات متنوعة، والعامرة ببحار زاخرة؟

إنه سؤال العمق التاريخي الجغرافي من حيث أبعاد الماضي وحقائق الواقع ومطالب المستقبل وحكمة الوجود الجماعي وجوهره..

يومنا: حكام فرضتهم أوضاع تاريخية معينة وامتلكوا من الوسائل المعنوية والمادية ما مكنهم من أن يصيروا حكاما مؤبدين يورثون الشعوب لمن شاءوا من أقاربهم أو حتى يبيعوها للغير مقابل الحماية والحفاظ على كراسي الحكم الذهبية الغالية الشاهدة على مفارقة مجتمعية تصور أبشع أزمنة الفقر المكشوف بجوار غنى فاحش لا يتردد في استعمال أية وسيلة تعبر عن بشاعته وجرأته في البطش بالفقراء والتمثيل بهم والمتاجرة في همومهم.

يومنا: نخبة معزولة عاجزة عن صناعة قوة مجتمعية متحركة على قاعدة عمق استراتيجي جامع مبني على جوهر القضية الكلية: رسالة التحرير.

يومنا: مجتمعات ممزقة إلى فسيفساء لا يقوى على بلورة قوة بديلة عن العجز الذي يشل حركتها.

يومنا: اقتصاد مشلول تابع وخاضع لاقتصاديات مهيمنة في زمن “العلومة” غول الغرب الذي يأكل الاقتصاديات الضعيفة والكيانات الهشة وكل من ليست له قضية يحيى بها ولها، لأن من ليست له قضية ماهو إلا سوقا بشريا لسلع أصحاب القضايا مهما كانت القضايا؛ نبيلة أو شريرة.

يومنا: حيرة شديدة واضطراب واضح في تحديد مرجيعتنا الكلية التي تشكل أرض النهوض ومنطلقات إعادة البناء المجتمعي والسياسي والإنساني.

فهذه حقيقة النفق، وذلك عمق التاريخ، فما السبيل إلى الخروج؟

ضياء المستقبل&

يصر شارون المتلذذ بسفك دماء شعب فلسطين ورموزه وقياداته على ادعائه القاضي بأن المسلمين في اللحظة المعيشة حتى ولو ضربت الكعبة فلن يفعلوا شيئا. ويبني على هذا أن هذه هي الفرصة لتصعيد الهجوم الشامل لتحقيق أكبر قدر من الأهداف المعلنة وغير المعلنة مستدلا بجريمته في حق الشهيد أحمد ياسين: ماذا فعل المسلمون بعد أن باشر هو بنفسه قتل الشهيد، إذ بقتل هذا المقعد المسن تثبت “إسرائيل” بأنها لا تستهدف فينا القوة، فهي أعلم منا بأننا لانملك أية قوة مادية اليوم، وإنما تستهدف القضية التي مقرها قلوب وعقول الرجال من أمثال الشهيد ولو كان مقعدا مشلولا؟

وماذا فعل المسلمون وأبناء الشعب الفلسطيني يقتلون منذ أكثر من نصف قرن؟ “إسرائيل” تتقوى وتزحف والعرب والمسلمون من نكبة إلى نكبة ومن كبوة إلى كبوة (رحم الله رجال فلسطين والعراق الذين يؤكدون أن هناك أملا وسط الأمة، أمل المقاومة والانتصار والعزة)؟

ماذا فعل العرب والمسلمون وبغداد رمز النخوة العربية استبيحت عن آخرها وتجول فيها وتصول قوات أمريكا وحلفائها وتنهب خيرات بلاد الرافدين وتدمر مدينة السلام كما تسميها كتب التاريخ، وجنودها يفعلون في العراقيات ومعتقلي المقاومة ما يندى له الجبين وتتفتت لأجله الأكباد& ضعف وهوان ومذلة & واأسفاه ما

العمل!؟

لقد أصبح من الواضح أن أمريكا أدركت تماما أننا في حالة العجز التام على الرغم من الخطب الرنانة والاجتماعات الفاخرة واستعراضات آلات عسكرية متآكلة مزينة بصباغة أمريكية أو غير أمريكية، لايهم. آلات كانت لها القدرة على قهر الشعوب لا مواجهة العدو المتربص الهاجم. وبإدراكها هذا أسرعت في تنفيذ مقتضيات مشروعها المعروفة بعض أفكاره فقط تجاه المنطقة.

ومن المعلوم أن جوهر مشروع أمريكا في المنطقة المتعدد الأبعاد المرتكز على النزعة الصليبية ينبني على إخضاع المنطقة جملة. ومن تم فبعد احتلال العراق، بأي شكل من أشكال الاحتلال، تبين أن قيادة بوش متوجهة إلى تخريب دول الخليج، خاصة السعودية في المرحلة الأولى من خلال صناعة جو من الفتنة العارمة ذات البعد الأمني بداية يضرب جوهر الاقتصاد السعودي ليتم تحويل ذلك إلى بعد طائفي وحرب أهلية يشمل سوريا ولبنان وباقي دول الخليج الصغيرة ثم إضعاف إيران ومن تم إخضاعها لتبقى الصين الشعبية هدفا استراتيجا حيث جواهر الاختلاف بينها وبين أمريكا غير ملحة مرحليا، بل قد تؤدي إعادة بناء المنطقة إلى توحد الأهداف والمصالح بين الصين وأمريكا الشيء الذي أخفق فيه العرب إلى الآن، أي أن يجعلوا من مصالحهم ومصالح الصين ومحيطها مصالح مرتبطة مصيريا. وقد ظهر بعد سقوط بغداد أن مواقف الصين تململت إلى حد يؤشر على هذا خاصة إذا علمنا أن استراتيجية أمريكا تجاه الصين ترتكز، من بين ماترتكز عليه، أن تجد المرجعية الثقافية الأمريكية طريقها وسط المجتمع الصيني وطبقته المفكرة والسياسية.

هكذا تقدير أمريكا وحليفتها “إسرائيل” في المنطقة. وبين يدي هذا لابد من الإشارة إلى الحقيقة التالية: إن العالم اليوم صارت تسيره قوى الاستخبارات (الاستخبارات الغربية وخاصة الأمريكية والصهيونية التي كانت موجودة على رأس استخبارات عربية وغير عربية منذ بداياتها، بل هي المشرفة على تكوينها وبناء أجهزتها) بحيث منذ أن كانت لها الريادة في استنباط المعلومات وتوجيه القرارات كانت هي الأنظمة، أي قوى الاستخبارات الغربية، التي تعرف استقرارا في تطورها واستمرارا في بنائها بعيدا عن الهذر السياسي والصخب الإعلامي. إن هذا الاستقرار وهذا الاستمرار هو ماجعلها اليوم مصدر القرارات الكبرى والمصيرية لأنها مصدر المعلومة المضبوطة إلى حدما، ومن ثم مصدر القرار الصائب، وهو ما يخولها اكتشاف الإمكانيات السريعة للتدخل في شؤون الدول الضعيفة والتابعة. ولاتدجننا هنا مسرحية الاستخبارات الأمريكية في قضية أسلحة الدمار الشامل العراقي، فما الأمر إلا تمويها، لأن الاستخبارات تعلم أن هناك رأيا عاما يحتاج إلى ترويض ودغدغة العواطف وتهيئ النفوس لقبول تصورات محددة بهدوء ودون ردود أفعال مؤثرة إستراتيجيا. فلايمكن أن يقبل عاقل أن قرار غزو العراق كان بناء على معلومات استخباراتية مشكوك فيها، مما يعني أن هدف الغزو والاحتلال لاعلاقة له، في حقيقة الأمر، بمسألة أسلحة الدمار الشامل أو محاربة “الإرهاب”. فقد عرف المراقبون أن الدور بعد أفغانستان على العراق، وأن الهدف المباشر الآن هو جبهة سوريا إيران من خلال فوضى في منطقة الخليج لا تكلف أمريكا إلا تجنيد انتحاريين وإرغامهم على الانفجار في أي وقت مناسب في أي مكان محدد.

بهذا تجعل أمريكا أبناء العرب والمسلمين في كل مكان يذهبون إلى أبعد مستوى من الكراهية لها ولمن يحالفها، مما يترتب عليه ردود أفعال فردية أو جماعية قد تكون عنيفة جدا لكنها لا تؤثر استراتيجيا نظرا للضعف المتحدث عنه سلفا والذي تعلمه أمريكا وحلفاؤها أكثر منا نحن الضعفاء.

في مثل هذه اللحظات لايكون للعنف دور مهم في تصحيح المعادلة. بل إذا كان الأمر لا يتعلق فقط بأرض يدافع عنها بل يتعلق برسالة الإسلام إلى العالم، خاصة حينما تربط قضية الأرض بقضية الرسالة ويصير الأمر واحدا ويصبح المعتبر فيه هو مدى تأثير موقف الدفاع عن الأرض في موقع الرسالة ضمن الواقع الحضاري الإنساني حالا ومستقبلا، فإنه مبدئيا لا وجود للعنف مطلقا، مع ضرورة التمييز بين ممارسة العنف وحقيقة المقاومة والدفاع عن النفس كما هو الشأن في المناطق المحتلة مباشرة كفلسطين والعراق وغيرهما.

إن الالتجاء إلى العنف الفردي أو الجماعي هو ما ينتظره الخصم اليوم لتجعل منه وسائله الإعلامية قضية عالمية تستحق المحاربة بكل وسيلة. كما أن لحظة الضعف لا تستدعي الانصهار الكلي في منظومة الغازي لا جزئيا ولا كليا مهما كانت المبررات. ومن ثم فإن المسؤولية تصبح بالغة الخطورة لضرورة تحديد الموقف والموقع في اللحظة المعيشة من خلال تحديد التصور الكلي الممتد في المستقبل فاعلا بنائيا بما لا يؤثر سلبا على جوهر الوجود الوظيفي لأمة ممزقة يجب أن تجعل من أولوياتها إعادة بناء وتجديد عناصر القوة المعنوية والبشرية والمادية الذاتية حيث هي المنطلق القاعدي لدفع الخصم والعدو وتحصين الجسم والقدرة على حمل الرسالة.

العرب والمسلمون اليوم في وضع حرج جدا ودقيق إلى حد صعوبة تحديد الوسائل الناجعة للتصدي له. بل عند الكثير صار الحل هو الاندماج الكلي في المنظومة الدولية السائدة وكفى، ذلك أن التجربة السياسية في البلاد العربية والإسلامية بعد فترة الاستعمار لم تسمح نهائيا بتوفير شروط صناعة القوة المناسبة لاحتلال المواقع المفيدة ضمن السير الإنساني فضلا عن تحديد الموقع الوظيفي المطالب به وجوديا. ولذلك، فمن المداخل الأساسية لبناء الطريق السيار إلى الانعتاق والحرية وحمل الرسالة هو نقد هذه التجربة نقدا جذريا وإعادة بناء نمط سياسي منسجم مع جوهر وجود الأمة، لأن العمل السياسي الناجح هو الذي تشكل الأمة قاعدته الحقيقية والجوهرية بشريا كما تشكل قضيتها الوجودية ماهيته، وإلا فلن يحصل إلا إعادة إنتاج الواقع بصورة أقبح من السابقات نظرا للضعف الكلي المعيش.

ونعتمد مفهوم السياسية هنا بمعناه العام من حيث الاختيارات الكبرى في تدبير الشأن العام في بعده المحلي والدولي على قاعدة العدل والحرية.

ومن خلال هذا المعنى يمكن القول: إن عالمنا العربي والإسلامي لم يعرف قط أي معنى إيجابيا لتدبير الشأن العام، فالفضائح والجرائم المرتكبة في حق الشعوب وممتلكاتها التي كتب لها الذيوع، ولاشك أن أبشع منها لم ينشر بعد، تدل على أن القاعدة العامة لتدبير العلاقات تأخذ معنى الدسيسة لا السياسة، لأن منطق المكر والخديعة هو أهم ميزة تتميز بها العلاقات التدافعية بين مكونات المجتمعات العربية والإسلامية عامة، مما جعل الأمة تؤدي ثمنا باهضا، سواء من جهة أبنائها أو من جهة خيراتها، وهو ما جعلها لقمة سائغة بين يدي أعدائها.

وضمن منطق الدسيسة والخديعة جربت اختيارات عديدة في محاولة للنهوض، وهو الشيء الذي لم يتحقق بعد، مما يستدعي ضرورة واستعجالا، بحكم الواقع المعيش وأهداف الخصم تجاه الأمة ونظرا لطبيعتها الوظيفية، تحديد اختيار يؤسس لمعنى إيجابي في تدبير الشأن العام ويقطع مع كل معاني الدسيسة والخديعة والمكر بين أبناء الأمة الواحدة.

إن التجربة السياسية، في بلاد العرب والمسلمين على العموم، في تدبير كل القطاعات، لم تنتج إلا فشلا ذريعا وإخفاقا ضاع معه الإنسان والأرض والقضية.

ويمكن رصد أهم مواصفات هذا الاختيار على الشكل التالي:

1- أن تكون له القدرة المعنوية والمادية على جمع شمل الأمة في صورة حد أدنى يسمح بمواجهة التحديات وتأسيس قاعدة الانطلاق الوظيفي في حمل رسالة التحرير في مقابل بشاعة ما أنتجته هيمنة حضارة مفصولة عن العمق الإنساني إذ تجلى ذلك في بشاعة ما ترتكبه في حق الإنسانية من جرائم وما يعيشه الإنسان الغربي من حيرة وتشرد معنوي عاطفي اجتماعي لم تستطع القوة الاقتصادية والعسكرية أن تجد له مدخلا للعلاج.

ومن تبعات هذه الصفة أن تمتلك الأمة عناصر التواصل والتعارف بين مكوناتها بحيث يتم اعتماد وسائل سياسية ومجتمعية توفر شرط التمايز لتعرف الأمة من من الذين ينتسبون إليها أنهم من صلبها من الذين ينتسبون إليها زورا وما هم إلا وكلاء الاستعمار القديم والجديد.

ومن تبعاتها كذلك، بل من أسسها، أن يجلس رواد الدعوة الإسلامية إلى مراجعة حقيقية للكشف عن جواهر الحاجة الدعوية السياسية الحركية انطلاقا من تجربة أكثر من قرن من العمل الحركي. وقد أثبتت التجربة أن أصل الأعمال ليس هو التدريب النضالي والحركي، وليس هو التدريب على حمل السلاح، بل إن أصل الأصول هو التربية الإيمانية الإحسانية التي مع تحققها تكون التدريبات الأخرى مكملة وفي مكانها وزمانها المناسبين. إن التجربة النبوية في بناء الفرد والجماعة والأمة لم تحظ بكثير من البحث العلمي المقرون بالعمل الميداني التفصيلي. ولهذا فإن رجال العلم والفكر والسياسية من رواد الحركة الإسلامية ينبغي أن لا ينفصلوا يوما عن الواقع الحركي التفصيلي التنظيمي الهيكلي التدريبي تجنبا للانزلاقات والانحرافات وربحا للوقت والجهد بتوجيه الطاقات بناء على تربية وعلم واسعين يفتحان الأفاق العريضة، وعلى معرفة دقيقة بالميدان تمكن من وضع الوسيلة المناسبة في مكانها المناسب تحقيقا للهدف المحدد خدمة للغاية المنشودة الرائدة. وهذا هو جوهر الصفة التالية وهي:

2- أن يوفر، أي الاختيار، العناصر المعرفية والعلمية القادرة على نقد التجربة السابقة نقدا كليا وشاملا يبنى عليه ترسيخ قواعد اختيار الحرية والاستقلال والقوة.

ومن تبعات هذه الصفة أن تملك النخبة التي قادت التجربة السابقة سعة الصدر بروح رياضية، كما يقال، لاستيعاب النقد وتحمل المسؤولية، لأنه لحد الآن لاتريد هذه النخبة أن تتحمل المسؤولية في مرحلة كانت لها الريادة فيها بشكل مباشر أو غير مباشر؛ إما من جهة المسؤولية السياسية والإدارية أو من جهة ترويج المفاهيم المؤطرة للفعل السياسي والمجتمعي ساعتها. وهذا يفرض على أبناء التجربة الجديدة أن يكونوا في مستوى عرض البديل في كل أبعاده التربوية والعلمية والحركية والميدانية وغيرها.

3- أن تحدد بدقة المجالات التي تتميز بها الحضارة المهيمنة بحيث يحصل التفريق بين ما هو من صلبها فيتوجب إعداد القوة اللازمة بمعناها الشامل لدفعه، إذ في جوهره متعارض مع حقيقة وجود أمتنا، وبين ماهو من المشتركات بين بني البشر يحصل تبادله وانتقاله، شاء من شاء وأبى من أبى، بواسطة ما نسميه بالحوار الحضاري، إذ يحصل بالتلقائية والاستمرارية في الواقع البشري بما هو حكمة إنسانية لابد وأن يستفيد منها كل الناس مادامت صالحة لزمانهم ومكانهم.

وقيمة هذا التمييز ودقته ينبني عليها معرفة أسلوب النقد وطريقة العرض. نقد التجربة الغربية تجاه الواقع الإنساني، وعرض مراد التجربة الإسلامية وفق نموذج واقعي ناجح على كل المستويات.

لكن هذه المواصفات لابد لها من مرتكزات أساسية تمكن من صناعة النموذج الواقعي الساهر على تحقيق مقتضيات الاختيار على أرض الواقع.

ويمكن تحديد أهم تلك المرتكزات فيما يلي:

1- مرتكز الوضوح من حيث الفهم وتحديد الأهداف والمقاصد بوضوح الغاية الاستخلافية الرسالية للأمة المبنية على وضوح الغاية الفردية المتمثلة في حقيقة العبودية لله وحده لاشريك له سبحانه. وينبني على هذا الوضوح وضوح في الوسائل المعتمدة ضمن حد أدنى يوفر صور الاتفاق التي تبعد التمزق والتشتت الذي يمحق القوة ويورث الضعف لأن التشتت لا يعني التنوع والاختلاف الخادم له حيث هذا الأخير، أي التنوع، عنصر قوة لا عنصر ضعف.

إن الغموض الذي هيمن على اختيارات النخب المسؤولة اليوم كان من العوامل الأساسية التي أدت إلى ارتباك شديد في أداء الأمة وفي تحديد أهدافها ومطالبها.

2- إن من المرتكزات الأساسية لهذا الاختيار بين يدي واقع الضعف المهيمن وغطرسة الخصم والعدو مرتكز رجوع النخبة المثقفة والعالمة والمفكرة إلى القيام بدورها في قيادة الأمة انطلاقا من حاجياتها ومطالبها وخدمة لها خدمة كلية. وهو ما يعني ضرورة البحث عن عناصر الاتفاق بين مكوناتها الفاضلة مع ضرورة إبعاد العناصر الفاسدة والمفسدة التي خربت العباد والبلاد وجعلتها لقمة سائغة، بل هدية للمتربصين بها دوما.

ومما ينبني على هذا المرتكز أن تكتشف هذه النخبة ضمن حركة الأمة الوجودية الوسائل السياسية والتنظيمية والقانونية والمجتمعية المرجعية التي تنظم الاختلاف وتحدد المسؤوليات وتضمن الوجود الواعي والمسؤول للأمة في اتجاه بناء نظام الحكم القادر على ضمان الحرية والقوة والاستقلال، وهو ما يوفر شرط القيام بالدور الوظفي الوجودي. ومعنى هذا أن يكون لهذه النخبة التي يجب أن تقوم بالدور القيادي والريادي هدف مباشر هو تحرير الحكم من طغمة متسلطة بحكم التاريخ والواقع على رقاب الأمة لايهمها إلا البقاء ولو كلفها ذلك ماكلفها، مع حرصها، أي النخبة، الشديد أن لا يكون ذلك أبدا بأي أسلوب يرتكز على العنف والغموض والالتواء والدسيسة.

إن الحكم وسيلة من ملك الأمة ولا يحكمها إلا من ارتضته بطرق الرضا المشروعة والمعقولة.

ولاتكون هذه الحركة المباشرة للزحف الرفيق والرحيم والمتئد قيمة عملية إلا إذا كانت تستند على مشروع علمي رصين ومتكامل يتولد عليه مشروع مجتمعي شامل.

3- مرتكز التوازي والموازنة المستمرة بين خط إعادة بناء الذات، وهو المرتكز الثاني، وبين خط تأسيس علاقات دولية ناجعة وناجحة تصنع الموقع المناسب، عبر مراحل، ضمن المنتظم الدولي بما يوفر الامتداد الإيجابي ضمن المجتمعات الغربية ومع فعالياتها الإنسانية الرافضة للظلم العالمي والداعية إلى قيم إنسانية نبيلة دون التفريط في مبدأ الوضوح الذي يدل على حقيقة أهداف الأمة ونوعية مطالبها وطبيعة مرجعيتها.

إن رصيد الأمة في تنظيم العلاقات الدولية اليوم ضعيف إلى حد الانعدام. وهذه نتيجة طبيعية لواقع الضعف والانفصال الحاصل بين النخبة والأمة، لكن ذلك يستدرك بسرعة لابأس بها في حالة تحقيق هذا المرتكز الثالث إذ يوفر كل العناصر لصناعة واقع توازن القوة العالمي.

إنه ليس من العبث والسدى أن يكون العرب والمسلمون على هذه الرقعة الجغرافية المتنازع عليها دوما. فلله في خلقه شؤون، والفائز من فهم عن الله وعمل لله.

(أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون فتعالى الله الملك الحق).

صدق الله العظيم.