مر على أحداث 16 ماي الدامية سنة كاملة، عاشها المغرب تحت ضغوطات مخلفات تفجيرات البيضاء الوحشية، والتي أفرزت تحولات عدة على مستويات مختلفة.

ساهمت الأحداث في التعجيل بالمصادقة على قانون مكافحة الإرهاب واعتقال المئات ممن تعدهم السلطات ينتمون إلى ما يسمى بالسلفية الجهادية، وظهور خروقات حقوقية بالجملة في صف العديد من المعتقلين والمختطفين وفي حق الصحفيين، كانت بمثابة الإعلان الرسمي على التراجع والقطيعة مع ما اعتبره البعض “مسلسل الانتقال الديمقراطي” أو “العهد الجديد”.

كما حاولت بعض الأطراف توظيف الحدث من أجل حسابات سياسية ضيقة بشن حملة استئصالية على الحركات الإسلامية متهمة إياها بالمسؤولية المعنوية على الأحداث.

وما يمكن تسجيله في هذا السياق هو إجماع كل مكونات المجتمع المغربي على إدانة أحداث البيضاء الدامية بمن فيهم من طالتهم الاعتقالات ممن ينسبون للسلفية الجهادية.

وقد ارتأت الحركات الإسلامية بالمغرب أن يكون موقفها الرسمي من خلال بيان مشترك لكي تكون الإدانة جماعية والموقف واضح فعال.

أولا: أسباب الحدث

ما وقع بمدينة الدار البيضاء في 16 ماي من أحداث دامية مدانة ذهب ضحيتها كثير من الأبرياء، لا تستوجب فقط الإدانة والتنديد بما حدث، بل البحث عن الأسباب، لنلتمس الطريق الصحيح للعلاج وليس لتبرير ما وقع أو إضفاء الشرعية عليه.

إن الإحاطة بالأسباب لا يكون إلا باستحضار رؤية شمولية تتناول مختلف العوامل والأسباب التي ساهمت في إنتاج هذه الظاهرة، ومن ثمة يمكن تصنيف هذه الأسباب إلى أسباب خارجية وأخرى داخلية.

الأسباب الخارجية:

ما حدث في الدار البيضاء لا ينفصل عما يشهده العالم اليوم في كثير من الدول مما يجعله تيارا عالميا إن لم يكن على المستوى التنظيمي فعلى الأقل على المستوى الفكري والمرجعي.ولا بد من الإشارة هنا أننا لا نقصد بهذا التيار العالمي حركات المقاومة الشعبية للاحتلال.

فالأسباب العالمية التي أدت إلى ظهور هذا التيار هي نفسها التي ساهمت بطريقة مباشرة أو غير مباشرة في إفراز أحداث 16 ماي الأليمة. إن سياسات التقتيل والاضطهاد التي مورست وتمارس في حق الشعوب المسلمة، في فلسطين والعراق وغيرهما…، من طرف الكيان الصهيوني وقوى الاستكبار العالمي وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية الحامية للكيان الصهيوني، والكيل بمكيالين من طرف الأمم المتحدة في ما يرتبط بقضايا أمتنا، وبالجملة إن الاضطهاد الذي يمارس على أمتنا من طرف قوى الاستكبار العالمي والذي يهدف إلى نهب خيرات الأمة، ومسخ هويتها، وإعاقة نهضتها، ومحاولة اجتثاثها، وشن الحرب عليها، هي العوامل الأساسية التي ساهمت في توليد الغضب والحقد والكراهية للغرب وفي مقدمته أمريكا وحلفائها، واليأس من أي إنصاف من المنتظم الدولي وعلى رأسه الأمم المتحدة، كما ساهمت في إنتاج جيل مشحون بروح الانتقام والمواجهة بمنطق ساحة العراك ولو على حساب منطق الشرع والدعوة.

الأسباب المحلية:

إذا لا يمكن فهم ما حدث في 16 ماي إذا ما عزلناه عن المناخ العالمي، كما لا يمكن فهمه إلا بالإحاطة الشاملة بالعوامل المحلية التي ساهمت في إفرازه ويمكن إجمالها في ما يلي.

1- الاستبداد وغياب الديمقراطية: إن الحياة السياسية التي يسودها الاستبداد وتمركز السلط وتزوير إرادة الشعب وغياب فرص التغيير السلمي، تكون مرتعا خصبا لتنامي ظاهرة العنف والإرهاب والانقلابات بغض النظر عن الإيديولوجية المؤطرة لها. وقد عرف المغرب أحداث عنف دامية منذ الاستقلال وإن تميزت عنها أحداث اليوم ببعض الخصوصيات.

2- تفشي الفقر والجهل والأمية: إن تفشي الفقر والجهل والأمية عامل أساسي لا يمكن الاستهانة به، خاصة عندما يكون أغلب منفذي العملية منحدرين من مناطق سكنية تنعدم فيها شروط العيش الكريم، إن الأعداد الهائلة من الشباب العاطل الذي يئس من إيجاد حياة كريمة، حيث يلقي الكثير منهم بأنفسهم في البحر بحثا عن السراب، هم أكثر الضحايا قابلية واستعدادا لهذه التوجهات في ظل فوارق اجتماعية كارثية وغنى فاحش تزداد فيه فئة قليلة غنى يوما بعد يوم ويزداد فيه الشعب فقرا، وفي ظل التبذير والسطو على أموال الأمة وغياب العدالة والنـزاهة.

3- تغليب المقاربة الأمنية: كثيرا ما تتعامل السلطة مع الأحداث والأزمات والمشاكل بالمقاربة الأمنية وليس بالمعالجة الشمولية، وتنسى أن المقاربة الأمنية لا تزيد الطين إلا بلة والوضع إلا تأزما، وأن العنف لا يولد إلا العنف. فأحداث 16 ماي لا يمكن فصلها عن السياق الذي جاءت فيه، إن أردنا التدقيق، فهي جاءت بعد حملة من الاختطافات والاعتقالات التي تمت خارج القانون وصاحبتها خروقات لحقوق الإنسان كما بينت ذلك رسائل المختطفين والمعتقلين وتقارير المنظمات الحقوقية، مما يجيز لنا أن نطرح السؤال التالي: ألم تكن أحداث 16 ماي رد فعل؟ أو على الأقل ساهمت في التعجيل بها.

4- حصار الحركات الإسلامية الجادة: إن في محاصرة العلماء العاملين والمجددين ومحاصرة الحركات الإسلامية الجادة التي تنبذ العنف وتملك مؤهلات تأطير الشعب والمساهمة في بناء مغرب الغد القادر على مواجهة تحديات المستقبل، عامل أساسي في ارتماء البعض في أحضان تنظيمات تؤمن بالعنف كأداة للتغيير.

إن سوء الفهم للدين الذي يشكل الخلفية الفكرية والعقائدية لمرتكبي هذه الجرائم ساهم فيه حصار الفكر التجديدي والعلماء العاملين، والتضييق على فضاءات الحوار والتعليم.

وإذ نسجل تميز مواقف الحركات الإسلامية المغربية (كالتوحيد والإصلاح والعدل والإحسان والحركة من أجل الأمة…) بنبذها للعنف وعملها على تأطير الشعب لتجنيب المجتمع دوامة العنف، فإن الحصار المضروب عليها يعيق مهمتها.

فالحصار المضروب مثلا على جماعة العدل والإحسان والمتمثل في الإقصاء والاعتقال والمحاكمات الصورية والقمع والاضطهاد، رغم رفضها للعنف ودعوتها للتغيير باليسر وامتلاكها لفكر متنور ومنهاج نبوي واضح، أعاق مسيرة الجماعة في تربية المجتمع ضد ظاهرة العنف والتي أنجزت فيها الجماعة بفضل الفكر التجديدي للأستاذ عبد السلام ياسين الشيء الكثير بشهادة الخصم والصديق في السبعينات والثمانينات التي كان فيها العنف “موضة” و من قال بغيره فهو خائن عميل، وجنب ذلك المغرب إراقة الدماء. ولا بد من الإشارة هنا أن ما يسمى اليوم بالسلفية الجهادية ورموزها، لم تظهر فجأة بل نشأت على مرأى ومسمع من الجميع وقد وجد فيها المخزن ضالته في مواجهة خصومه، خاصة جماعة العدل والإحسان، التي كانت أول ضحية للتكفير وحملات التفسيق والتبديع. قبل أن تتحول الظروف الدولية وتتغير الحسابات السياسية وينقلب السحر على الساحر. لا نقول هذا من باب التشفي، ما عاد الله، خاصة إذا كان بعض من عادانا وتحامل علينا وأذانا ضحية حسابات ضيقة.

ثانيا: نحو معالجة شمولية

إن العلاج الناجع لهذه الظاهرة لا يكمن في ما تبنته السلطة من اختيار للمقاربة الأمنية في أسوأ صورها،حيث انطلقت حملة من الاعتقالات والاختطافات والمحاكمات التي عرفت كثيرا من خروقات حقوق الإنسان وانتفاء شروط المحاكمة العادلة، كما أكدت على ذلك هيئات الدفاع والمنظمات الحقوقية والمراقبين، مما بين أن الأمر لا ينحصر في معرفة الجناة الحقيقيين ومعاقبتهم بما يستحقون، بل الأمر تصفية حسابات لاعتبارات سياسية، وإبرازا لحسن السيرة والسلوك لدى القوى الضاغطة والمانحة.

كما أبرز رد فعل بعض ممن يحسب على المجتمع المدني الروح الانتهازية والإقصائية خاصة عند رفع شعار المسؤولية المعنوية مشيرين بأصبع الاتهام للحركات الإسلامية، ورفض مشاركة كل أبناء الشعب في المسيرة التنديدية بالإرهاب فكانت مسيرة هزيلة لم ترق إلى مستوى الحدث.

إن المعالجة الناجعة هي المعالجة الشمولية والموضوعية البعيدة كل البعد عن الحسابات السياسية الضيقة، والمستحضرة لجميع الأسباب الحقيقية والعوامل الموضوعية والذاتية المساهمة في بروز هذه الظاهرة، ومن ثمة يمكن إجمال هذه الحلول في ما يلي:

1- فتح المجال لكل مكونات المجتمع المغربي للمساهمة في تأطير نهضة شعبية على أرضية واضحة وجامعة، تهدف إلى فتح جميع أوراش الإصلاح من أجل تحقيق تغيير جذري شامل يضع القطيعة مع كل أشكال الاستبداد والفساد، ويفتح الباب على مصراعيه لحياة سياسية سليمة وتنمية شمولية متوازنة تقضي على الفقر والبطالة والأمية.

2- إفساح المجال لعلماء الأمة ورفع الحجر عنهم للنهوض بواجبهم في التعليم والتنوير بروح وتعاليم ديننا الإسلامي الحنيف بعيدا عن كل غلو أو إفراط أو تفريط، وقياما بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، واصطفافا بجانب الشعب والمستضعفين. وتجديدا للدين بتجديد فهمه وتجديد الإيمان في القلوب وتربية الأمة على مدارجه، ليحيا في القلوب والعقول وليتمثل سلوكا في أرض الواقع. وإن استراتيجية تدجين العلماء وخندقتهم في مؤسسات صورية ليكونوا في الخدمة عند الطلب تشكل قطيعة بينهم وبين الشعب الذي ينتظر من يكون في صفه مستقلا ومدافعا عن حقوقه، ومعبرا عن آماله وآلامه، وقادرا على الصدع بالحق ولا يخاف في الله لومة لائم.

3- انطلاق مكونات المجتمع من مقومات هوية الأمة لتتحمل مسؤوليتها في التأطير والبناء بروح التعايش والتعاون والتكامل بعيدا عن كل نزعة استئصالية أو إقصائية.

4- إعادة الثقة للشعب من خلال إشراكه ومراقبته لعملية التغيير وإخراجه من الانتظارية القاتلة ومن دائرة الذهنية الرعوية التي تنتظر أن يفعل بها ولا تفعل.

5- تغليب منطق الحوار وتبادل الآراء على منطق القمع ومصادرة حرية التعبير، برفع الحصار عن دور الشباب والمركبات الثقافية والفضاءات العمومية والمساجد ووسائل الإعلام، لتصحيح التصورات والمفاهيم وتقويم المواقف بعيدا عن لغة العضلات والمتفجرات.

6- إن في التغلب على العوامل الداخلية دور كبير في مواجهة مثل هذه المنـزلقات واحتوائها لكن تبقى جرائم التقتيل والإرهاب التي ترتكب في حق الشعب الفلسطيني والعراقي وفي حق المسلمين، وتحيز المنتظم الدولي وعدم إنصافه لقضايا أمتنا مصدرا من مصادر توليد ردود الفعل الطائشة التي تأتي على الأخضر واليابس، والتي لا يمكن مواجهتها بالحرب على الإرهاب، إنما يقضى عليها باستجابة حكماء وعقلاء الغرب لصوت العدل والإنصاف والمساواة والاصطفاف بجانب المظلوم وليس بجانب الظالم وبجانب الضحية وليس بجانب الجاني. إن في قيام الأمم المتحدة بالمسؤولية الملقاة عليها وفي إعادة النظر في آليات الاشتغال بما يخدم مصلحة الإنسانية جمعاء على قاعدة العدل والمساواة المدخل الحقيقي لتحقيق الأمن ونشر السلام في العالم أجمع.