)1(

المسجد عنوان الرجعة والتوبة بعد التوبة.

تتنكب الحركة الإسلامية الطريق عندما تظن أن المنطلق غير المسجد.

من جانب المحراب، ومن على حصيرة المسجد يبدأ السير القاصد لحركة الإسلام نحو ساحات الفعل وميادين الجهاد، وإلا كان وجودها استعراضا وما يغني الاستعراض والقلوب غافلة والمنطلق مخروم.

في البدء كان المسجد ومن المسجد وإليه.

(2)

يتهارش السياسيون ويتعالى لغط الساحة وهذيان العالم وهوسه، وتكثر التكهنات والتخرصات: علاقات بين العباد غافلة عن رب العباد.

موعدنا المسجد يا من تريد التوبة والرجعة والإقبال على الله عز وجل، موعدنا المسجد يا من تريد تجديد الخلافة من جديد، موعدنا المسجد يا من تريد تجديد اللقاء التاريخي النوراني المقدس: لقاء رسول الله صلى الله عليه وسلم بصحابته الكرام، وإلا فخبرني بربك كيف يصل بالنبع من هو مقطوع؟

ماذا يفيد أن تتسكع الحركة الإسلامية في دروب الغفلة عن الله، وتعرض عن بركات الرباط: انتظار الصلاة بعد الصلاة، وتظن أنها قادرة على الفعل، قادرة على التغيير، هيهات هيهات فمن لم تحلق به روحه إذ هو على حصيرة المسجد البالية فلن يطير به بساط السندباد كما يقول محمد أحمد الراشد حفظه الله.

من فناء الكعبة والمسجد الحرام انطلقت مسيرة عظيمة ابتدأت بصحبة مباركة وثنت بجماعة مجاهدة أقامت دولة على مرأى ومسمع من ملإ القرشيين المتربصين.

المنطلق صحبة وجماعة في فناء الكعبة والمسجد الحرام.

)3(

الإسلام الفكري والتوبة الفكرية شتات وسطحية وضياع في ميادين الجدل تواترت ضحاياه وكثرت نكباته.

صف إسلامي يريد التغيير، جدل وسفسطة ونقد ذاتي مزعوم، ما هكذا تورد الإبل، ويرد الأفراد على حوض الحركة الإسلامية الفياض.

التوبة الفكرية العقلية انحصار واندثار، وإلا فالمعول عليه اقتباس القلوب من القلوب.

من بوابة المسجد ينبغي أن ندلف، ومن صحبة أهله ينبغي أن نقتبس.

حركة إسلامية يراد لها أن تستقيم لا بد أن تدلف من محراب الاستقامة أول ما تدلف.

(4)

منطلق التوبة: الصحبة، صحبة أهل المسجد أساسا.

يقول الإمام عبد القادر الجيلاني قدس الله سره:” التوبة قلب دولة ” قلب دولة الغفلة التسيب يبدأ أساسا من صحبة أهل المسجد الذاكرين.

يقول الكاتب الألمعي مصطفى صادق الرافعي رحمه الله في سفره التحفة “وحي القلم”:” فالمسجد هو في حقيقته موضع الفكرة الواحدة الطاهرة المصححة لكل ما يزيغ به الاجتماع.

هو فكر واحد لكل الرؤوس. ومن ثم فهو حل واحد لكل المشاكل وكما يشق النهر فتقف الأرض عند شاطئيه لا تتقدم، يقام المسجد فتقف الأرض بمعانيها الترابية خلف جدرانه لا تدخله… فما المسجد بناء ولا مكانا كغيره من البناء والمكان، بل هو تصحيح للعالم الذي يموج من حوله ويطرب، فإن في الحياة أسباب الزيغ والباطل والمنافسة والعداوة والكيد ونحوها، وهذه كلها يمحوها المسجد، إذ يجمع الناس مرارا في كل يوم على سلامة الصدر، وبراءة القلب وروحانية النفس، ولا تدخله إنسانية الإنسان إلا طاهرة منزهة مسبغة على حدود جسمها من أعلاه وأسفله شعار الطهر الذي يسمى الوضوء، كأنما يغسل الإنسان آثار الدنيا عن أعضائه قبل دخول المسجد”.

روح المسجد وفيضه مما يطرد الله به الزور، ويكشف به كيد الطحالب السياسية المستور.

(5)

يقول الإمام عبد القادر الجيلاني قدس الله سره:” إذا خرج الزور دخل النور”.

بماذا سيخرج الزور المعشش في القلوب، المنتشر في الساحات السياسية والمحافل الدولية ؟

كذب وهراء وسفسطة وازدراء، عما قريب ينكشف الزيف، ويدخل النور الجحور المظلمة مؤذنا بفجر جديد.

وأنت يا أيتها الحركة الإسلامية:

رب نفس تلفها ظلمات وهي في عالم كثير الضياء

مصاب الأمة عظيم، ولوثة الغفلة، والتسطيح والعنف الأعمى الأهوج مزالق تمد رجليها في طريق الراكضين إليه، وهل طريقنا إلا ركض إليه ومسارعة إليه سبحانه وتعالى.

المنطلق الله، الهدف الله، الغاية الله.

(6)

عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:” إن للمساجد أوتادا، الملائكة جلساؤهم إن غابوا افتقدوهم وإن مرضوا عادوهم وإن كانوا في حاجة أعانوهم، جليس المسجد على ثلاث خصال: أخ مستفاد أو كلمة حكمة أو رحمة منتظرة” رواه الحاكم وقال صحيح على شرطهما.

على الأوتاد نبني ثم ننطلق، وإلا فخيمة الحركة الإسلامية ستعصف بها الرياح: رياح الغفلة، رياح الإسلام الفكري الطاحونية، رياح التسطيح والسطحية المقيتة.

كيف يطيب لابن الحركة الإسلامية أن يطيل العنق في المجالس، وهو لم ينل بعد من بركات الرباط، وتهجد الثلث الأخير من الليل، وقراءة القرآن وزيارة القبور، وحلق الذكر؟.

المقدمات التربوية أساس لكل تغيير.

(7)

مسجدي هو ابن الحركة الإسلامية، يسبق الأذان إلى المسجد، يحث الخطى إليه، يدخل الأوقات الإلهية بأدب، لا تفوته البلاليتان، يتغير لونه لحظة الأذان، وكأني أراه في مسجده تارة متبتلا وأخرى باكيا، وطورا ممرغا جبهته من على حصيرته، ينتظر الصلاة بعد الصلاة، يرابط ما بين العشائين، وكذلك دأب الصالحين: شغل ما بين العشائين بالذكر والأنس بالله عز وجل مقبلين عليه بقلوبهم وأرواحهم.

مسجدي هو ابن الحركة الإسلامية، عرفته سواريه، وبكته لياليه، وسكنت إليه جوانبه، وانطوى فيه عالمه. آه يا سيدي كم هو جميل فضاء المسجد، وروحانية أهل المسجد.

مسجدي هو ابن الحركة الإسلامية، يحذر الانكفاء والانزواء، ينطلق إلى ساحات العمل والمدافعة والمثافنة السياسية وقلبه مشدود إلى السماء، وإلا فكيف بالأرضي المقطوع أن يعيد الفتل والبناء من جديد ؟.

يا أيتها الحركة الإسلامية وأنت في بحر القرن الموصول بقرن الخلافة، ما اسمك وما عنوانك في ميادين الإقبال والتوبة بعد التوبة ؟.