فضيحة تعذيب الجنود الأميركيين للمعتقلين العراقيين في سجن أبو غريب كشفت مبكرا الوجه الآخر للاحتلال، كما أنها تستدعي الملف المحجوب والمسكوت عنه بالممارسات الأميركية بحق العرب والمسلمين ليس في العراق وحده، وإنما أيضا في أفغانستان وٍغوانتانامو، بل في داخل الولايات المتحدة ذاتها، إذ يظل القاسم المشترك الأعظم بين تلك الممارسات، في مختلف المواقع، هو أسلوب البطش الذي يبدي استعدادا مذهلا لانتهاك القوانين والأعراف وأبسط حقوق الإنسان، وهو الأسلوب الذي يعكس إفراطا مشهورا في الاستسلام لغرور القوة وازدراء مثيرا للدهشة بحياة الآخرين ومجتمعاتهم.

فضيحة تعذيب الجنود الأميركيين للمعتقلين العراقيين في سجن أبو غريب كشفت مبكرا الوجه الآخر للاحتلال، كما أنها تستدعي الملف المحجوب والمسكوت عنه بالممارسات الأميركية بحق العرب والمسلمين ليس في العراق وحده، وإنما أيضا في أفغانستان وٍغوانتانامو، بل في داخل الولايات المتحدة ذاتها، إذ يظل القاسم المشترك الأعظم بين تلك الممارسات، في مختلف المواقع، هو أسلوب البطش الذي يبدي استعدادا مذهلا لانتهاك القوانين والأعراف وأبسط حقوق الإنسان، وهو الأسلوب الذي يعكس إفراطا مشهورا في الاستسلام لغرور القوة وازدراء مثيرا للدهشة بحياة الآخرين ومجتمعاتهم.

إزاء ذلك، فإن المرء تنتابه الدهشة إزاء محاولات إيهامنا بأن ممارسات الجنود الأميركيين ـ وأقرانهم من البريطانيين ـ صدرت عن «قلة لا تمثلنا»، كما قال الرئيس بوش والادعاء بأن الأمر لا غرابة فيه، حيث «هناك جنود في غاية الرقة والتسامح.. يلاعبون الأطفال ويهدونهم الحلوى، كما أن هناك عسكرا في غاية القوة» كالذين أبرزتهم الصور الفظيعة التي تسربت أخيرا من سجن أبو غريب، إذ ربما كان صحيحا أن قلة من الجنود هي التي ارتكبت تلك الفظائع، كما انه من المؤكد أن بين الجنود أخيارا وأشرارا، لكن السؤال المهم هو إلى أي طرف ينحاز الموقف الأميركي؟

إن شيئا من هذا القبيل يقال عن سياسة الولايات المتحدة، ذلك أن هناك من يقال أن هذا البلد الكبير ليس شيئا واحدا، ولكنه حافل بالمؤسسات ومراكز البحوث والأجنحة ومراكز القوة، وهذا صحيح لا ريب، لكن السؤال الكبير هو: من صاحب القرار في نهاية المطاف؟

فإذا كان الغلاة المتطرفون الليكوديون هم الذين يؤثرون على القرار، فينبغي أن نحكم على السياسة الأميركية ونحدد موقفنا منها طبقا لهذه الإجابة، حيث لا يهم كثيرا في هذه الحالة ماذا يقول «الحمائم» أو «المعتدلون»، لأن كل ما يصدر عنهم ليس له تأثير يذكر، في المدى القريب على الأقل.

إذا تعاملنا مع مشهد التعذيب الذي نحن بصدده بهذا المنطق، فسنجد مثلا أن منظمة العفو الدولية تقرر أن قوات التحالف تتبع نمطا منتظما لتعذيب المعتقلين، وأنها تلقت عشرات التقارير الموثقة خلال العام المنقضي عن انتهاك حقوق المعتقلين العراقيين الإنسانية من جانب القوات الأميركية والبريطانية، وسوف يستوقفنا لا ريب قول المتحدثة باسم المنظمة في منطقة الشرق الأوسط، نيكول شويري، إنها لم تفاجأ بالصور البشعة لعمليات تعذيب المعتقلين، لأن المنظمة كان لديها ما يؤكد تلك الوقائع.

سنجد أيضا أن صحيفة «لوس انجليس تايمز» نشرت تقريرا عن مذكرات أحد الجنود الأميركيين المعتقلين ـ اسمه ايفان فريدريك ـ الذي ذكر أن موظفي شركات الأمن الخاصة وعناصر المخابرات العسكرية الأميركية ـ المسؤولين عن التحقيقات في سجن أبو غريب ـ حثوا جنود الشرطة العسكرية على ممارسة التعذيب بحق المعتقلين، حتى يكونوا أكثر استجابة خلال التحقيقات. وذكرت الصحيفة اعتمادا على شهادة ايفان أن نطاق عمليات التعذيب «أوسع مما هو متصور».

سنجد أيضا أن مجلة «نيويوركر» ذكرت في عددها الصادر هذا الأسبوع ـ نقلا عن تقرير للجيش الأميركي ـ أن السجناء العراقيين واجهوا العديد من الانتهاكات الجنائية السادية والسافرة والخليعة على أيدي الجنود، من بينها اللواط والضرب.

سنجد كذلك أن الجنرال الأميركية جانين كاربنسكي التي كانت مسؤولة عن سجن أبو غريب، قد ذكرت لصحيفة «نيويورك تايمز» أن المقر الذي مورس فيه التعذيب كان خاضعا لإدارة ضباط المخابرات العسكرية الأميركية الذين لم يشر احد إلى دورهم في ارتكاب الجرائم التي وقعت.

أضيف إلى ما سبق أن وفد المنظمة العربية لحقوق الإنسان حين زار بغداد وطلب زيارة سجن أبو غريب، بعدما سمع أعضاؤه الكثير عن الممارسات الوحشية التي وقعت فيه، فان طلبهم قوبل بالرفض.

إزاء ذلك كله، فلا يستطيع أحد أن يدعي بأن القيادة العسكرية الأميركية في العراق على الأقل، ليست على علم بالتعذيب الذي يتعرض له العراقيون في سجونها. وهي ذاتها القيادة التي يتعامل جنودها مع الشعب العراقي بدرجة عالية من الإهانة والازدراء، تشهد بذلك التقارير التي نراها بأعيننا على شاشات التلفزيون كل يوم عن اقتحام البيوت وانتهاك الحرمات وتفتيش النساء واهانة الشيوخ وإذلال الرجال الذين يطالبون بالانبطاح على بطونهم ويداس على أطرافهم بأحذية الجنود. صحيح أنهم قد لا يمثلون الشعب الأميركي، لكنهم يجسدون على الأرض سياسة الاستقواء والاستكبار التي تتبناها الإدارة الحالية بحق العرب والمسلمين، بل ضد الأوروبيين أيضا، وهي الإدارة التي أذلّت العرب والمسلمين على نحو مفرط وحشية في غوانتانامو، بل أذلتهم داخل الولايات المتحدة ذاتها، حتى أخضعت الجميع لمختلف صنوف التعسف والتمييز والرقابة والشك، أما المشتبهون منهم الذين يحتجزون لأتفه الأسباب، فإنهم يلقون شهورا في غياهب السجون ويحرمون من أبسط الحقوق الإنسانية المتعلقة بالاتصال وضمانات الدفاع.

غير أن ذلك كله، يتضاءل ويهون إلى جوار السجل الأسود المسكوت عنه للممارسات الأميركية في أفغانستان. وبين يدي هذه الأيام أصول كتاب أراجعه لأحد الباحثين الأفغان حول ما جرى ببلاده في فترة حكم طالبان وما بعدها، جمع فيه كما مثيرا من الشهادات والمعلومات عن الدور الأميركي في بلاده، وفي الجزء الخاص بالانتهاكات التي وقعت سجل ما يلي:

ـ إن القوات الأميركية استخدمت القنابل العنقودية في قصف المواقع والتجمعات بما فيها السلاح المحظور في قصف 128 مدينة وقرية أفغانية. وخلال الأسابيع الخمسة الأولى من الاجتياح ألقت الطائرات الأميركية على المناطق المجاورة لهرات ومنطقة تورا بورا في شرق أفغانستان وسهول شمال كابول أكثر من 600 قنبلة من ذلك النوع على الخطوط الأمامية لجماعة طالبان، علما بأن كل واحدة منها تتضمن 202 قنبلة صغيرة، وهي تنفجر على ارتفاع 300 قدم من سطح الأرض، في حين تنطلق من كل قنبلة صغيرة 300 شظية قاتلة، كما استخدم الأميركيون أنواعا مختلفة من الصواريخ الفتاكة، خصوصا في منطقة تورا بورا، التي عثر فيها موظفو الإغاثة الدوليون على آثار لليورانيوم المنضب، وقدموا إلى الأمم المتحدة تقارير بهذا الصدد، لكنها أخفيت ولم يسمع بها أحد.

ـ لقد أعلن وزير الدفاع الأميركي دونالد رامسفيلد أن عناصر طالبان يجب أن يقتلوا أو يتم أسرهم، اعتبر ذلك تصريحا بالقتل، الأمر الذي أطلق يد القوات الأميركية في إبادة الطالبانيين سواء عن طريق قتل أسراهم مباشرة، أو الإشراف على قتلهم بوساطة آخرين، وقد تكفل القائد الأميركي المعروف عبد الرشيد دوستم بهذه المهمة الأخيرة، حيث شارك الأميركيون في مفاوضات تسليمه حوالي أربعة آلاف من عناصر طالبان، على أن يتم تأمينهم وتسريحهم بعد ذلك، إلا أن الأميركيين ودوستم خدعوهم وأودعوهم صناديق حديدية مغلقة مما يستخدم في نقل البضائع، وكان على العربات أن تقطع المسافة من قندز إلى شيرغان، ولكن الرحلة أدت إلى هلاك مئات منهم، ولم يعرف مصير الجميع إلى الآن، ومثل هذه الإبادة تكررت مع المجاهدين العرب الذين تم احتجازهم في قلعة جنكي، واشتبكوا مع الأميركيين الذين قاموا باهانتهم وإذلالهم أثناء التحقيق معهم، ثم استدعيت الطائرات الأميركية التي دكت القلعة وأبادت أغلب الأسرى فيها.

ـ في معتقل قندهار سجن الفان من عناصر طالبان تعرضوا لتعذيب وحشي، كما أن الأميركيين أقاموا معتقلا آخر أكبر وأخطر وسط القاعدة الأميركية الهائلة التي أقاموها في باغرام ـ على بعد 70 كم من العاصمة كابول ـ وفي شهر مارس (آذار) من العام الحالي أصدرت منظمة حقوق الإنسان تقريرا عن فظائع التعذيب الذي يمارس في ذلك السجن الرهيب. وقال تقرير المنظمة إن التعذيب هناك يصل إلى حد الموت.

ـ دأبت القوات الأميركية على التسرع في عمليات القصف لأي شبهة، الأمر الذي أدى إلى قتل حوالي 150 شخصا في بيت أثناء عرس، وقتل مائة آخرون كانوا في قافلة مسافرة في ولاية بكتيا، كما تمت إبادة قرى بكاملها في تنجرهار ومديرية خاك ريز القريبة من قندهار.

هذه مجرد نماذج فقط من سجل كبير حافل بالوقائع التي تدهش المرء وتصدمه، وهي كلها مما جرى غض الطرف عنه وطي صفحته، خصوصا أنها لم تسجل بالصور ولا على أشرطة الفيديو، رغم أنها جميعا من قبيل الجرائم ضد الإنسانية التي لا تسقط بالتقادم، الأمر الذي يدعونا إلى رفض فكر الاستخفاف بعقولنا والادعاء بأن الفظائع التي ارتكبت في العراق هي مجرد أخطاء أفراد، لأن الحقيقة التي لا ينكرها إلا مُكابر أن تلك الممارسات هي تطبيق لسياسات وتجسيد لموقف ورؤية، قد يتطرق البعض فيها ويذهبون ابعد ما ينبغي، وقد «يحتشم» آخرون لكن المهم عندنا أن الجميع ينطلقون من ذات الموقف والرؤية ـ وبعد ظهور الصور وانفضاح الموقف، فقد كان طبيعياً أن يسوق لنا الأميركيون ومن لف لفهم أنها ليست جريمة سياسة، ولكنها جريمة أفراد أشرار.

إن السؤال الآن هو: ماذا سيفعل أعضاء مجلس الحكم الانتقالي بعد شيوع خبر الفضيحة، واكتشاف أن الشعب الذي يفترض إنهم يمثلونه يعذب بتلك الأساليب الوحشية؟ ثم ما هو موقف العرب الذين لا يزالون يتحرجون من إدانة السياسة الأميركية في العراق «لا تسأل عن فلسطين؟» ـ أما أولئك الذين كانوا يزعمون أن الأميركيين جاءوا لتحرير العراق، فسؤالي لهم هو: ما رأيكم دام فضلكم في هذا «التحرير» الوحشي!؟