لماذا نحن مندهشون من عنصريتهم ووحشيتهم تجاه العرب؟ هؤلاء الجنود الأمريكيون في سجن أبوغريب، وأولئك الجنود البريطانيون في البصرة جاءوا من مدن وبلدات حيث العنصرية والكراهية تجد مرتعاً خصباً: من تينيسي ولانكشير. كم من جنودنا أنفسهم من خريجي السجون؟…وماذا عن الضباط؟ ألم يكن ضباط وحدة لانكشير البريطانية يعرفون أن جنودهم يركلون حتى الموت شاباً صغيراً في الصيف الماضي؟ مصير ذلك الشاب كان موثقاً وثبت أنه مات مقتولاً من التعذيب.

ألم يكن عملاء وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية يعرفون أن الجنديين الأمريكيين في الصور التي نشرت الأسبوع الماضي كانا يهينان السجناء العراقيين بشكل قذر؟ طبعاً كانوا يعرفون ذلك.

لماذا نحن مندهشون من عنصريتهم ووحشيتهم تجاه العرب؟ هؤلاء الجنود الأمريكيون في سجن أبوغريب، وأولئك الجنود البريطانيون في البصرة جاءوا من مدن وبلدات حيث العنصرية والكراهية تجد مرتعاً خصباً: من تينيسي ولانكشير. كم من جنودنا أنفسهم من خريجي السجون؟

وكم منهم يؤيد الحزب القومي البريطاني العنصري؟ “المسلمون”، “العرب”، “الإرهابيون، الشريرون”، بإمكان المرء أن يرى كيف تتوافق هذه المعاني في رؤوسهم. أضيفوا إلى ذلك سموم مئات أفلام هوليود والعنصرية التي تصور العرب على أنهم شعب قذر متآمر عنيف لا يمكن الوثوق بهم – والجنود مدمنون على مشاهدة الأفلام – ولا يكون بعد ذلك من الصعب فهم كيف يقوم بريطاني تافه قذر بالتبول على وجه رجل رأسه مغطى ولا يستطيع الرؤية أو الحركة، وكيف يجعل بعض الساديين الأمريكيين رجلاً عراقياً معصوباً يقف على صندوق ويداه مربوطتان إلى أسلاك كهربائية. السادية الجنسية للجنود الأمريكيين في أبوغريب، والبندقية البريطانية في فم السجين العراقي، ربما تكون محاولات مجنونة للتعبير عن تصديق كل هذه الأكاذيب حول العالم العربي. إننا نصور العرب في أفلامنا كما كان النازيون يصورون اليهود في الماضي. لكن لا أحد يعترض على ذلك، لأن الشعوب تعتقد أن العرب إرهابيون يجب أن يتم إذلالهم وضربهم وتعذيبهم حتى يستقيموا. الإسرائيليون يستخدمون التعذيب في القدس. ونحن الآن نمارس التعذيب في العراق. وماذا عن الضباط؟ ألم يكن ضباط وحدة لانكشير البريطانية يعرفون أن جنودهم يركلون حتى الموت شاباً صغيراً في الصيف الماضي؟ مصير ذلك الشاب كان موثقاً وثبت أنه مات مقتولاً من التعذيب.

ألم يكن عملاء وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية يعرفون أن الجنديين الأمريكيين في الصور التي نشرت الأسبوع الماضي كانا يهينان السجناء العراقيين بشكل قذر؟ طبعاً كانوا يعرفون ذلك. في آخر مرة قابلت فيها الجنرال جانيس كاربنسكي، قائد لواء الشرطة العسكرية 800 في العراق، أخبرتني أنها كانت قد زارت معتقل جوانتانامو وأن كل شيء فيه كان على ما يرام ولا عيب فيما يحدث هناك. كان يجب أن أعرف حينذاك أن شيئاً ما – خطأ فظيع جداً – كان يحدث في العراق. أذكر كيف أنني زرت في البصرة، عشية زيارة توني بلير لها، المكتب الصحفي للجيش البريطاني في المدينة للاستفسار عن موت الشاب بهاء موسى. كانت عائلة الشاب قد أعطتني وثائق بريطانية تثبت أنه كان قد تعرض للضرب حتى الموت عندما كان قيد الاعتقال، وأن الجيش البريطاني نفسه حاول أن يرشي العائلة العراقية إذا تخلوا عن أي مطالب قانونية ضد الجنود الذين قتلوا ابنهم بوحشية. قابلني المسؤولون يومها بعدم اكتراث وعدم تعاون ولم يعطوني أي معلومات حول الحادثة. قالوا لي أن اتصل بوزارة الدفاع في لندن.

ولم تصدر عن الضابط الذي كنت أسأله أي عبارة تعاطف مع الشاب القتيل. وفي سبتمبر من العام الماضي كانت الجنرال كاربنسكي مع مجموعة من الصحفيين في سجن أبوغريب، وبدت كاربنسكي سعيدة في اصطحابنا إلى غرفة الإعدام في عهد صدام حسين. كانت أول من دخل الغرفة الإسمنتية التي كانت تحوي المشانق، وسحبت أمامنا بزهو عتلة المشنقة بحيث فتح الباب الذي يقف عليه الذي يتم إعدامه. وطلبت منا أن نقرأ الرسائل الأخيرة التي كتبها ضحايا صدام حسين في آخر ساعاتهم قبل الإعدام على الجدران. لكن شيئا ما لم يكن واضحا في جولتنا في السجن. لم تكن هناك عملية قانونية واضحة للسجناء في أبوغريب، ولم تذكر أي شيء عن الهجوم الذي كان السجن قد تعرض له وأدى إلى مقتل ستة سجناء في الشهر السابق. قالت الجنرال كاربنسكي يومها إن السجناء يتلقون الرعاية وإنهم كانوا يعتقدون أن الجيش الأمريكي سيستخدمهم كـ”أكياس رمل” لحماية الجنود الأمريكيين. كان سجن أبوغريب في ذلك الوقت يتعرض للهجوم بشكل متكرر من قبل رجال المقاومة. كانت أسماء السجناء عادة مربكة. وكانت النصوص العربية تترجم بشكل خاطئ إلى الإنجليزية كثيرا، وكان هناك الكثيرون الذين يختفون من ملفات السجن، كل ذلك كان يدل على أن الأمريكيين كانوا يتصرفون وكأن السجناء العراقيين لم يكونوا يستحقون نفس الحقوق التي يتمتع بها الغربيون.

ولذلك على ما أعتقد كانت سلطات الاحتلال دائما تعطينا إحصائيات لعدد القتلى من الغربيين ولم تكن تعطينا أي إحصائية عن عدد القتلى العراقيين الذين كانوا يدّعون أنهم جاءوا ليحموهم. منذ أسابيع تحدثت إلى جندي أمريكي في بغداد كان يوزع الحلوى على بعض الأطفال العراقيين. وسألته يومها ببراءة إذا كان يعرف اللغة العربية، فقال لي بازدراء: “أعرف كيف أصرخ في وجوههم”. جميعنا ضحايا الاعتقاد الخاطئ أن العرب والمسلمين إرهابيون وأقل منا من الناحية الإنسانية، لكن الصور التي نشرت الأسبوع الماضي مزقت كل تلك الاعتقادات، وأثبتت أننا عنصريون ومتحاملون. كنا نقول إن صدام حسين هو هتلر العراق.

ولكن ألم يكن هتلر غربياً مثلنا؟ إذا كان بإمكانه أن يقتل ملايين اليهود، فلماذا ندهش إذا كنا نستطيع أن نعامل العراقيين مثل الحيوانات؟ جاءت الصور في الأسبوع الماضي لإثبات ذلك.