إن العروج الروحي الذي قوّى النموذجين فاطمة وعليا على تحمل الشدائد ومجل الأيدي وإصابة الصدر ليس في متناول العامة من الخلق. ذاك كان بيت النبوة وجب أن يتألق مثالا في سماء الفضائل. لا تذهبنّ الحرفيّةُ بالمومنات والمومنين إلى اعتقاد أن الحصير ووسادة الأدم والليف وشظف العيش هي السر في فلاح من أفلح. إذا كان القلب فارغا من التعلق بالله تعالى فإن تساوِيَ الرجل والمرأة في شدة المعاش كتساويهما في رخائه، لا الشدة في حد ذاتها ولا الرخاء في حد ذاته يجلب السعادة الأخروية.

الحياة الدنيا دار بلاء، يخفف وطأة البلاء تعاون المرأة والرجل المومنين على الصمود أمام الشدائد وعلى اقتحام العقبة بالعدل في الغُنْم والغُرم، وبالإحسان والبر والتسامح والإسعاف الحنون والمودة والرحمة. تشد المرأة عضُدَ الرجل وإن اقتضى الأمر تنازلها عن بعض حقوقها تكرما منها، ويعترف الرجل بفضلها فيسابقها إلى الإحسان.

إذا أنس الرجل الزوج أن المرأة الزوج ركن شديد يعتمد عليه، واطمأنت هي إلى أن رفيق الرحلة ثقة وحضن أمان فقد تأسست اللبنة الأم في البناء الاجتماعي. أهم من بناء المجتمع بناء معاد المرأة ومعاد الرجل في الآخرة. ذلك المعاد مادة بنائه العمل الصالح. يسبق على لسان بعض الكتبة الإسلاميين الحديثُ عن المجتمع الإسلامي والدولة الإسلامية والعدل الإسلامي الحديثَ عن مصيري أنا ومصيرك أنت ومعادي ومعادِك.

ما شأنِي بغيري واجتهادي لنشر الدعوة وجهادي لتأسيس الدولة الإسلامية إلا من حيثُ كون ذلك عملا صالحا أرجوه عند الله. ولي فوق ذلك رجاء أن أتقرب إليه سبحانه فيحبني ويرضى عني ويحشرني مع الذين أنعم عليهم من النبيئين والصديقين والشهداء والصالحين.

هذا التعلق بالله ومداومة العمل الصالح الذي يقرب منه هو الإحسان في معناه الأول: الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وإن الله تعالى أمر بالعدل والإحسان. فالذي كان يمسك البيت النموذجي والزوجين الفاضلين والمجتمع الأول ضوابط العدل والحقوق المؤداة، ثم الإحسان بهذا المعنى الأول للإحسان. قَلع المومنات والمومنين الإيمانُ والتطلعُ إلى مقامات الإحسان من أرض المشاحّة والمخاصمة على الحقوق. توَّج الإحسانُ العدلَ وتخلّله وسكن بين ضلوعه. فالمرأة الزوج تصبر عن بعض حقها إحسانا واحتسابا، والزوج الرجل يجتهِد ليوفيها حقها ويزيد خوفا من الله ورجاء في مثوبته وقربه.

إن كان العدل يُسوّي كفتين إحداهما تنظر إلى الأخرى على صعيد بشري، فالإحسان يرفع نظر الزوج وزوجه إلى الأعالي.

والناس متفاوتون في الاستعداد الإحساني، سرعان ما تنزل بهم هموم الحياة وشؤونها حين يعافسون الأزواج والأولاد والضياع من علياء التطلع الإحساني إلى واقعية المشاحّة اليومية. الأسعد منهم من يرجع ويتسامى ويبحث عن مذكر يذكره بالله كما فعل أبو بكر حين شكا إليه حنظلة سوء الحال الروحي.

يمسك قاعدة البناء في الأسرة المسلمة العدلُ. لكن العدلَ وحده بمثابة ميكانيك جاف تصطك أجزاؤه عند كل حركة إن لم تزيت الحدائد وتُلطّفْ. ملطف الحياة الزوجية الإحسان بعد العدل، الإحسان قبل العدل، الإحسان مع العدل.

ويتجسد الإحسان القلبي في مظهرين يسميان لغة وشرعا إحسانا. أحدهما البِرُّ والعطاء والسخاء والمواساة والإسعاف والعطف والحنان. والآخر إتقان العمل، كل عمل. إتقانه نيةً ليتقبله الله الذي إنما يتقبل من المتقين، وإتقانه إنجازاً وتنظيما ليحصل الأثر النفسي في العبادة الفردية والأثر السياسي الاقتصادي الاجتماعي في العبادات الجهادية. هذا الإحسان الإتقاني يريد علوما كونية مستندة إلى العلم بالله والعلم بشريعة الله وإلا كان كبعض أعمال البشر الكافرين، الدنيا مولِده ومقبرته.

أعطى الله سبحانه الرجل زوجا وإماما الدرجة على المرأة. وأمره كما أمرها بالعدل والإحسان. فالرجل المتعسف الناقص مرتبة في سلم الإسلام، والمرأة الناقصة، يزَعهما غيرهما بوازع العدل. ومتى انحطت العلاقة الزوجية والعلاقة الكلية بين الرجال والنساء إلى التحاكم للغير، وإدخال القضاء والمماحكة والمرافعة، فقد اختل البناء.

المرأة في حضن الإسلام تُكرَم، ولا يهينها إلا لئيم ناقص. تُعامَل بالإحسان. إحسان الرجل الروحيُّ يفيض عليها رِفقا وعطفا ومحبة وودا. وهي تتكرم فتصبر وتتحمل وتكافئ الإحسان بإحسان.

الإحسان بواعث تسمو بالهمة، وخير يبذل، ووضع للأمور مواضعها حكمة وإتقانا ومداراة وسياسة يكنفها الصدق.

من يعنُفُ على المرأة إلا رجل عارٍ عن المروءة ناقص في الدين؟ نقرأ رفق رسول الله صلى الله عليه وسلم بالنساء في كلمته لأنجَشَة حين حدا أنْجَشَةُ بِإِبِلٍ تحملهن، فأسرعت الإبل، فأشفق عليهن الرسول الرؤوف الرحيم وقال لأنجشة هذه الكلمة الرقيقة: “رفقا بالقوارير!”.

حاط الشرع المرأة وكرمها صبية في حجر حنان الوالدين، وأوصى بها زوجا وصية مؤكدة، وحث على برها والدة حثا آكدَ.

كان ميلاد البنت في الأسرة الجاهلية مصيبة. فحبب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ذلك المجتمع الذي كان تحت التربية الرفق بالبنات حين قال: “من ابتُلي من هذه البنات بشيء فأحسن إليهن كن له سِتْرا من النار”. رواه الشيخان عن عائشة أم المومنين رضي الله عنها.

ورغّب في إعالتهن ترغيبا أعلى فقال: “من عال جاريتين حتى تبلغا جاء يوم القيامة أنا وهو”. وضم أصابعه. رواه مسلم عن أنس رضي الله عنه.

وأفصح عن وعده فقال: “من كان له ثلاث بنات، أو ثلاث أخوات، أو بنتان، أو أختان، فأحسن صحبتهن واتقى الله فيهن فله الجنة”. رواه أبو داود والترمذي عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه.

أما المرأة زوجة فقد أوصى بها الله ورسوله وصية خاصة. في مقدمة الوصية قوله تعالى: (وعاشروهن بالمعروف. فإن كرهتموهن فعسى أن تكرهوا شيئا ويجعل الله فيه خيرا كثيرا). (سورة النساء، الآية: 19)

وردت كلمة “إحسان” في الأحاديث السابقة. وفي هذه الآية كلمة “معروف”. المعروف اسم لكل فعل يعرف بالعقل أو الشرع حسنه، كما قال أئمة اللغة.

وتلد المرأة وتكبر ويضعف جسمها في بلاد الحريات والمساواة وحقوق المرأة والأنانية الدوابية فترمى في ملجإِ العجائز، ويُرمى الرجل. شبحان يُزجيان آخر عمرهما في معمل جماعي للتمويت.

وفي المجتمع المسلم السوي المتوج عدله بالإحسان يخِفُّ الشرع لنجدة الأم والأب لئلا تبطش بِهما أنانية المجتمع وعقوق البنات والبنين. (إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما.وقل لهما قولا كريما. واخفض لهما جناح الذل من الرحمة. وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا). (سورة الإسراء، الآيتان: 23-24)

ويخص الشرع الأم أحوج ما تكون الأم إلى تخصيص، فيرشد الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم رجلاً جاء يسأله من أحق الناس بحسن صحابته؟ يقول صلى الله عليه وسلم: “أمك”. قال الرجل: ثم مَن؟ قال: “أمك”. قال الرجل: ثم من؟ قال: “أمك”. قال الرجل: ثم من؟ قال: “أبوك”. كم بين هذا وبين أنانية مجتمع الرجال الواقع!

لا تزال والحمد لله في بلاد المسلمين مُسكة صالحة من دين تحول -في الطبقات الشعبية خاصة- دون التفريط في حق الوالدين. وهي مزية وأساس لا يستهان به.

ولا تزال تتردد في الذاكرة الشعبية صور نساء محسنات شيدن المساجد ومدارس العلم والمستشفيات ودور الأيتام. إنه إحسان عطاء ورقة وشفقة على الضعيف تجده عند المسلمة والكافرة، كما تجد من المنظمات غير الحكومية في بلاد الغرب ما ينم عن المروءة المشتركة بين البشر. مروءة وإحسان ينبغي أن نفتح لهما أذرعنا لنساهم نحن في العطاء لا لنتلقى إلى الأبد إسعافات غيرنا في براري الصومال وفيضانات بنجلادش.

هذا الاستعداد الفطري عند المرأة للإحسان والعطف ورعاية الضعيف والمحروم ينبغي أن تتوج في المجتمع الإسلامي بالإحسان الروحي لكي يسد هذا الإحسان الفردي والمنظم ثغرات لا يسدها عدل الدولة البعيد عن ساحة البلاء، المُجَرَّد لعمومه وبعده عن المشاعر الإنسانية التي تئن لأنين المريض وتقاسم الآلام مع البائس في المكان والزمان والأزمات العينية والضرورات الطارئة.

فلانة الجارة، وفلان القريب، وأولئك هنا بأسمائهم وأعيانهم ومشاكلهم وحالاتهم وحاجاتهم. هذه مهمات ليس لها إلا إحسان المومنات، يجندن الطاقات، ويبذلن ما لديهن ابتغاء رضوان الله، ويجمعن الاكتتابات، ويطرقن الأبواب، ويُعطِّفن القلوب.

أقرب الناس وأولاهم بإحسان المرأة زوجها لا تكلفه ما لا يطيق، ثم يفيض خيرها. روى الشيخان عن زينب امرأة ابن مسعود رضي الله عنهما قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “تصدقْن يا معشر النساء ولو من حُلِيِّكن”. فسألت رسول الله صلى الله عليه وسلم: أتجزئ الصدقة على الأزواج واليتامى القريبين؟ فأخبرها صلى الله عليه وسلم أن في ذلك أجرين: أجر القرابة وأجر الصدقة.

وتتصدق المرأة من بيت زوجها عن سَعَة لا عن تكليفه ما لا يطيق، فيكون لها ذلك ولزوجها خيرا مُدّخرا. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إذا أنفقت المرأة من طعام بيتها، غير مُفسدة، فلها أجرها بما أنفقت، وللزوج بما اكتسب، وللخازن مثل ذلك. لا ينقص بعضهم من أجر بعض شيئا”. أخرجه الشيخان وأبو داود عن السيدة عائشة رضي الله عنها.

ولكيلا يدخل الشيطان بين الزوج وزوجه في عطاء يتجاوز ما تسمح به النفس عادة -ونفوس الرجال والنساء درجات- نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم المرأة أن تعطي من مال زوجها إلا برضاه. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “لا يجوز لامرأة عطية إلا بإذن زوجها”. رواه أبو داود والنسائي عن عبد الله بن عمرو. والسعيدة الأسعد من وُقيت وزوجها شح النفس، وعاهة البخل، وجُذام الأنانية.