مقدمة

رغم تعاقب الحكومات واختلاف مسمياتها تضل السياسة المالية وفية للأرثوذوكسية المالية الملقتة من طرف المؤسسات المالية لشعوب دول العالم الثالث التي تتورط في فخ الاستدانة الخارجية مثل المغرب . فرغم العبارات التي تغلف مذكرات تقديم مشاريع قوانين المالية والتي يتم وضعها بدقة حتى توحي بأن الميزانية العامة تندرج بالفعل في صيرورة تنموية من شأنها نقل البلاد من وضع التخلف الذي توجد عليه إلى مستوى أرقى، إلى أن مظاهر الطابع الانكماشي الذي تندرج فيه تبقى واضحة للعيان. فالميزانيات المتعاقبة لم تتمكن حتى من الحفاظ على بعض المكتسبات القليلة للطبقات الكادحة، بل ساهمت بشكل إيجابي في تكريس ضيق السوق الداخلي وتعميق الفوارق الطبقية وتسهيل وثيرة امحاء كل ما يتوفر من ادخار وطني عبر خدمة الدين الخارجي وتحويل أرباح المستثمرين الأجانب وتزايد وثيرة الاسترادات من السلع الكمالية ..الخ.

تحاول هذه الورقة تقديم قراءة نقدية لتوجهات مشروع ميزانية سنة 2004، مستهدفة فتح نقاش جدي حول مدى مصداقية السياسات المالية والاقتصادية المتبعة، ومدى قدرة المواطنين على المساهمة في استرجاع زمام المبادرة في اختيار السياسات التنموية الناجعة الهادفة إلى تقليص الفوارق الطبقية والارتقاء بالأحوال المعيشية للطبقة الكادحة.

أولا: بنية نفقات وموارد الميزانية العامة بالمغرب

إن المغرب كغيره من الدول الرأسمالية التبعية يخضع لتأثير موازين القوى السائدة على الصعيد الدولي. وتترجم ماليته هذا الخضوع بشكل واضح. ولا يخفى على أحد اليوم أن السياسات الاقتصادية والاجتماعية والمالية المتبعة في بلادنا منذ عقدين من الزمن لا تنبع من رغبات الشعب وطموحاته بقدر ما تنبع عن إملاءات المؤسسات المالية الدولية. فالمغرب يخضع منذ سنة 1983 لبرامج تدبير أزمة المديونية الخارجية قصد تحرير الفوائض المالية الكافية لسداد مدفوعات خدمة الدين العمومي. فإعداد القانون المالي في المغرب يخضع إذن لإملاءات خارجية أكثر مما يخضع لضرورات المصلحة الوطنية.

(1)  بنية النفقات العمومية

نتيجة تطبيق الأرثوذكسية المالية عبر تجميد الأجور وإلغاء مناصب الشغل التي يحال أصحابها على التقاعد وتخفيض مستوى التوظيف إلى أدنى حد في تاريخ المغرب وتراجع دعم القطاعات الاجتماعية ستعرف النفقات العمومية في ظل مشروع القانون المالي لسنة 2004 زيادة بنسبة 1,66 % مقارنة مع سنة 2003 وذلك بمبلغ 141,8 مليار درهم. وفي هذا الإطار تحتفظ بنية نفقات الميزانية العامة بنفس الاختلالات المزمنة، المتمثلة في هيمنة حصة نفقات التسيير بنسبة 57 % أي بمبلغ 81,04 مليار درهم ومحافظة نفقات خدمة الدين العمومي بالمرتبة الثانية بنسبة 29 % أي بمبلغ 41,6 مليار درهم منها 26,8 % مخصصة لمدفوعات المديونية الخارجية و73,2 % منها مخصصة لمدفوعات المديونية الداخلية. أما نفقات الاستثمار العمومي فتضل في أسفل السلم بنسبة 13,5 % فقط أي بمبلغ 19,1 مليار درهم، بل ومسجلة لتراجع عن الميزانية السابقة بنسبة 1,80%، علما بأن هناك رصيدا بمبلغ 9 مليار درهم من اعتمادات الاستثمار المقررة في إطار ميزانية 2003 لم يتم الأمر بصرفها ، الشيء الذي يرفع حصة نفقات الاستثمار خلال سنة 2004 إلى 28,1 مليار درهم. لكن هذا الرصيد يؤكد لنا أن نسبة إنجاز الأهداف التنموية المعلنة في إطار ميزانية 2003 لم تتعد 52 %، كما يؤكد لنا بأن القانون المالي يضل مجرد توقعات لا يمكنه أن يؤكد لنا مصداقية الأهداف الحكومية في العديد من القطاعات، والتي لا بد من أن توفر حسابات ختامية حديثة للتعرف على مدى إنجاز الأهداف المرسومة. إن حساب مختلف الاستثمارات العمومية أي بإضافة الحسابات الخصوصية للخزينة واستثمارات المؤسسات العمومية واعتمادات صندوق الحسن الثاني للتنمية ونفقات استثمار الجماعات المحلية ومصالح الدولة المسيرة ذاتيا، يرفع حصة الاستثمارات العمومية خلال سنة 2004 إلى 70,45 مليار درهم.

وعلى العموم تتمحور الأهداف المعلنة لمشروع القانون المالي لسنة 2004 حول ستة محاور كما يلي:

1  توطيد الإطار الماكرو اقتصادي ويقوم هذا المحور على الاستمرار في نهج نفس سياسات الإصلاح الاقتصادي والمالي المتبعة منذ بداية عقد الثمانينات؛

2  الارتقاء بالتجهيز والاستثمار العمومي والذي يتوخى من بين ما يتوخاه إعداد البنية الاستقبالية للمستثمرين الأجانب على الخصوص؛

3  تأهيل الاقتصاد الوطني وتوسيع حقول المبادرة الاستثمارية والذي يستهدف مواكبة المقاولات المغربية في إطار الاقتصاد الليبرالي المعولم وذلك عبر منحها امتيازات مغرية؛

4  تدارك الخصاص الحاصل في مجال السكن الاجتماعي بشكل غير مباشر عبر تقديم أراضى بأثمنة بخسة للمنعشين العقاريين بالإضافة إلى الامتيازات الجبائية التي تتمتع بها أصلا الاستثمارات العقارية؛

5  ترسيخ سياسة القرب والتضامن الاجتماعي وتوفير الخدمات الأساسية ومحاربة الفقر لكن حمولة هذا المحور لا تقابله اعتمادات مهمة من شأنها تحقيق الأهداف المتوخاة ومنها على الخصوص تقليص حدة البطالة وتفاقم الفقر وترسيخ مبدأ المساواة في الأجور والخدمات الأساسية؛

6  تعميق الإصلاحات الكبرى والتي تتوخى مطابقة مختلف البنيات القانونية والإدارية والقضائية والاقتصادية مع متطلبات الاندماج في الاقتصاد الليبرالي المعولم والخاضع بطبيعة الحال لكبريات الشركات متعددة الاستيطان.

ففي مجال الأجور والوظيفة العمومية يخضع منطق الإصلاح لتعاليم المؤسسات المالية الدولية التي تعتبر بأن مستوى الأجور الذي يشكل 66% فقط من مجموع نفقات التسيير يعتبر مرتفعا وذلك بهدف دفع الحكومة إلى تقليصها. فيقال أن قطاع التعليم الابتدائي والثانوي يستحوذ على 21 % تقريبا من نفقات التسيير. لكن هذا الاتهام غير صحيح في الوقت الذي تتفشى فيه معدلات الأمية ويتراجع فيه مستوى التعليم بهدف خوصصته إضافة إلى أن رجال التعليم إذا كانوا يشكلون حوالي 60 % من مجموع الموظفين فإنهم لا يتقاضون سوى 21% من نفقات الميزانية، فهذا القطاع يعاني من حيف كبير في هذا المجال. فأجر امرأة أو رجل التعليم لا تتجاوز في أغلب الأحوال 4000 درهم شهريا بينما تتجاوز أجور بعض موظفي وزارة الداخلية أو المالية 20.000 درهم شهريا. أما إذا احتسبنا أجور وتعويضات أعضاء الحكومة والبرلمانيين والكتاب العامين للوزارات والمدراء وكبار موظفي الدولة بالقطاع العمومي، إضافة إلى الامتيازات العينية التي يحضون بها كالمساكن الفخمة وأعداد السيارات الفارهة ونفقات تعهدها والأسفار والفنادق ذات التكاليف الباهظة وما تستهلكه السفارات المغربية خارج البلاد من نفقات باهضة، فلا شك أنها تشكل أكبر نسبة من ميزانية التسيير. في مثل هذه الحالة يحق لنا أن نتساءل عن مدى مشروعية هذه المؤسسات للأمر بصرف مثل هذه المبالغ الهائلة؟ خصوصا وأن مجلس النواب لم يحصل في انتخابات 27 شتنبر 2003 على ثقة أكثر من 37 % من مجموع المغاربة المؤهلين للتصويت ثم إن الحكومة المنبثقة عنها لا تسعى إلى تطبيق سياسات تعبر عن مطامح أغلبية المواطنين بل تقتصر على تنفيذ السياسات المملاة من طرف المؤسسات المالية الدولية؟

إن مثل هذه الحقائق تفند ادعاء مشروع الميزانية استهداف محاربة الفقر ومحاربة الفوارق الاجتماعية والجهوية. فقطاع الصحة يعاني من حيف كبير، في وقت يحتاج فيه الشعب المغربي إلى ثلاث أضعاف ما هو متوفر من أطباء وممرضين وأدوية وبنيات تحتية على امتداد التراب الوطني. كما أنه في الوقت الذي يعاني فيه أكثر من 2 مليون عاطل من حاملي الشهادات من عواقب البطالة فإن ميزانية الدولة لا تلتفت إليهم حيث تقرر تخصيص 7000 منصب شغل فقط للسنة الثانية على التوالي كأقل عدد تسجله الميزانيات العامة في المغرب منذ الاستقلال وحيث تحظى الترقيات الداخلية للموظفين بالنصيب الأوفر من هذه المناصب. بل أن سنة 2004 ستشهد بداية تطبيق الإحالة المبكرة على التقاعد بهدف تخفيف عبء الكتلة الأجرية كما يقال والاكتفاء بالأعداد اللازمة لسير المرافق العمومية.

إن هذا النقص الهائل في التشغيل تقابله إعفاءات ضريبية مغرية لأصحاب رؤوس الأموال والشركات، كما تمنح لهم إعفاءات عن أداء متأخرات مساهمات الضمان الاجتماعي. فالبرجوازية الهجينة في المغرب تتمكن بفضل نفوذها وتغلغلها في أجهزة السلطة من تحقيق كل ما تطمح إليه من امتيازات لكنها لا تقوم بأية استثمارات إنتاجية حقيقية في المقابل.

(2)  بنية الموارد العمومية

أما بالنسبة للموارد العمومية التي تبلغ 167,6 مليار درهم فستعرف زيادة بنسبــة 4,32 % عن سنة 2003. ترجع هذه الزيادة بالأساس إلى المداخيل الاستثنائية كمداخيل الخوصصة التي تصل إلى 12 مليار درهم والاقتراضات الخارجية التي تصل إلى 38 مليار درهم. أما بالنسبة للمداخيل العادية فستعرف نموا ضعيفا بينما ستعرف مداخيل الرسوم الجمركية تدهورا آخر بنسبة 15% .

ومعلوم أن مداخيل الدولة تتدهور سنة بعد أخرى بفعل بيع الدولة للمرافق العمومية وبفعل تفكيك الرسوم الجمركية. فإذا كانت الخوصصة تؤدي إلى بعض المداخيل الاستثنائية فإنها تؤدي بالمقابل إلى حرمان الدولة من المداخيل العادية التي تدرها ممتلكات واحتكارات الدولة. فهذه المداخيل لا تمثل في مشروع القانون المالي لسنة 2004 سوى 4 % فقط من مجموع المداخيل بدلا من 10 % في القانون المالي لسنة 98/1999. أما مداخيل الخوصصة التي كانت تقدر في القانون المالي لسنة 98-1999 بنسبة 2 % فقط من مجموع الموارد فقد ارتفعت في مشروع القانون المالي لسنة 2004 لتصل إلى 9 % أي بمبلغ 12 مليار درهم ومن المتوقع خوصصة فعلية لل من مجموعة البنك الشعبي و16 % من اتصالات المغرب بينما سيتم التحضير لخوصصة كل من المكتب الوطني للنقل والمكتب الوطني للسكك الحديدية ومكتب استغلال الموانئ وتحويل بريد المغرب إلى شركة مساهمة. والملاحظ أن مداخيل الخوصصة إما أن تستعمل لتغطية عجز الخزينة العامة فلا يتم توظفها في مجال الاستثمار أو توضع في صناديق لا توجد مراقبة ديموقراطية عليها ولا علاقة لها بميزانية الدولة.

كما تعرف مداخيل الرسوم الجمركية تراجعا سنة بعد أخرى نتيجة تفكيك هذه الرسوم تطبيقا لإملاءات اتفاقيات مراكش حول التجارة الدولية واتفاقيات الشراكة الأورومتوسطية التي تلزم المغرب بإزالة كل الحواجز الجمركية في أفق سنة 2010. فعواقب تراجع هذه المداخيل لن تستشعر بحدة إلا حينما لا يتبقى للمغرب ما يبيعه من مقاولات عمومية مربحة.

لقد أصبحت نسبة المداخيل العادية تتراجع أمام نسبة المداخيل الاستثنائية لميزانية الدولة فالمداخيل الضريبية تبلغ 60 % من ميزانية الدولة، بينما تبلغ مداخيل الخوصصة والقروض الجديدة وعائدات احتكارات الدولة 40 % من هذه المداخيل، و تعتبر هذه الظاهرة خطيرة بالنسبة للمستقبل، لأن النفقات ستبقى في تزايد مستمر.

وأمام التدهور الحاصل في مداخيل الميزانية لن تجد السلطات العمومية أمامها سوى القيام بمزيد من الاستدانة الخارجية والتي لا يمكن للدولة أن تتجاوز حدود معينة لها، أو الزيادة في معدلات الضرائب التي تعتبر وسيلة سهلة. ونظرا لهيمنة العقلية البرجوازية على دواليب السلطة فإن الزيادات المتوقعة في الضرائب ستهم بالأساس الضرائب على الإنفاق التي يؤديها أوسع الجماهير ولا تميز بين الغني والفقير كما ستتزايد الضرائب المفروضة على دخل الطبقة العاملة بينما ستتزايد في المقابل الإعفاءات الممنوحة للشركات ولأرباب العمل وللمداخيل العليا.

إن كلمة الإصلاح في المغرب لا تعني بالنسبة للطبقة العاملة وعموم الجماهير في جميع المجالات وخاصة في المجال الضريبي سوى تكريس مزيد من الحيف ومزيد من اتساع الفوارق الطبقية. فالإصلاح الجبائي الذي اعتمد في المغرب منذ أواسط عقد الثمانينات لم يكن هدفه تحقيق العدالة الجبائية وتقليص الفوارق الاجتماعية بل كان يسعى إلى تكريس المزيد من هذه الفوارق. ففي إطار هذا الإصلاح تم تخفيض معدلات الضريبة العامة على الدخل المفروضة على المداخيل العليا وتكريس الضغط الجبائي على الشرائح الدنيا من المداخيل. كما تم تخفيض الضريبة على الشركات من 48 % الى 35 % وتخفيض معدلات الضريبة على القيمة المضافة المفروضة على السلع الكمالية مثل الويسكي والذهب والتحف النادرة…الخ من 30 % إلى 20 % لتصبح في نفس مرتبة المواد الأساسية. فهذا الإصلاح جاء لتدعيم توجهات سياسة التقويم الهيكلي التي تخدم بالأساس مصالح الكومبرادور والشركات متعددة الاستيطان.

ثانيا: تقدير توجهات مشروع ميزانية2003

(1)  هاجس التوازنات الهيكلية

إن ما يستفاد من مشروع القانون المالي لسنة 2004 هو استمرار البحث عن سبل المحافظة علــى التوازنات المالية الكبرى: كحصر عجز الميزانية فــي حدود دنيا تقل عن 3 % من الناتج الداخلي الإجمالي والمحافظة على مستوى منخفض من عجز الحساب الجاري لميزان الأداءات في حدود 1 % في المتوسط والحفاظ نتيجة لكل ذلك على مستوى منخفض من التضخم في حدود 1 %.

وتظهر كلفة الحفاظ على التوازنات الكبرى في ظل مديونية داخلية وخارجية مرتفعة من خلال الضغط الممارس على النفقات العمومية سواء على مستوى الاقتصاد في نفقات خدمة الدين الخارجي أو عبر ضغط نفقات التسيير من خلال تجميد وإحداث التفاوت في رواتب وأجور الموظفين(تم احداث تفاوت صارخ في الأجور بين أنواع من الموظفين بدون أي مبرر معقول، كما هو الشأن بالنسبة لأجور موظفي التفتيشية العامة للمالية مقارنة بأجور باقي الموظفين أو التمييز بين أجور المهندسين العاملين في الوظيفة العمومية مقارنة بأجور فئة المتصرفين الذين يعتبرون عصب قطاع الوظيفة العمومية…) أو من خلال حصر نسبة التوظيف العمومي وتقليص نفقات دعم المواد الأساسية.

إن الطريقة التي يتم بواسطتها تقليص العجز المالي تفتقد إلى الشفافية. فوضعية القطاع العمومي متأزمة ونفس الشيء بالنسبة لأوضاع الجماعات المحلية، فإذا أخذنا بعين الاعتبار وضعية ما يسمى بالحسابات الثابتة Comptabilité consolidé سنجد أن العجز المالي الثابت يفوق العجز المالي الرسمي بمعدل 2 الى 3 نقط مقارنة مع الناتج الداخلي الإجمالي. كما أن العجز المالي الرسمي لا يفي بالغرض لأنه لا يأخذ بالحسبان محاسبات احتكارات الدولة وممتلكاتها. فمن حيث الكيف يعتبر تقليص العجز المالي هدفا بحد ذاته. فما هي دلالة الإصرار على تخفيض عجز الميزانية العامة بالنسبة للمتطلبات الاقتصادية والاجتماعية للبلاد؟ هل من شأنها إحداث تحسن في الوضعية الاقتصادية والاجتماعية المتدهورة؟ هل ستحقق توزيعا عادلا للدخل الوطني وللعبء الضريبي؟ هل ستؤدي إلى الارتقاء بوضعية حقوق المرأة و التخفيض من نسبة العجز في التشغيل أو إلى تراجع معدلات البطالة؟ هل بذلك ستتحسن جودة خدمات المرافق العمومية؟

العكس تماما هو الذي يترتب عن هذا الاصرار نتيجة الحالة الانكماشية التي تتولد عنها مما ينعكس على تراجع دينامية السوق الداخلي.

(2) – التوجهات الانكماشية لسياسة التوازنات الهيكلية

إن ظروف الجفاف والارتفاع الكبير والمتسارع لسعر النفط إضافة إلى تقلبات سعر الأورو بالنسبة للدولار وكذا تقلبات مبيعات الفوسفات، لا تقف وحدها وراء التوجهات الانكماشية لسياسة الميزانية التي دأبت الحكومات المتعاقبة على ممارستها والتي تتجلى من خلال ضعف مستوى الاستثمار والتشغيل العمومي مثلا… بل تقف ورائه كذلك املاءات الدائنين ومتطلبات متابعة برامج التقويم الهيكلي PAS التي تغير اسمها إلى اسم خادع وهو برنامج الاصلاح الاقتصادي والاجتماعي PRES والتزامات المغرب اتجاه المنظمة الدولية للتجارة والشراكة الأورومتوسطية إضافة إلى الاختلال البنيوي للميزانية العامة (هيمنة نفقات التسيير ونفقات المديونية على نفقات الاستثمار).

لذلك يصعب في ظل هذه الوضعية التكهن بنسبة النمو المعلنة خلال السنة المقبلة وهي 3 %، خصوصا وأن السلطات العمومية تبني افتراضاتها التوقعية على أهداف غير يقينية، كتوفر سنة فلاحية جيدة واستقرار معدل التضخم في حدود 2 % مع تحقيق فائض في الحساب الجاري لميزان الأداءات بنسبة 1 % من الناتج الداخلي الاجمالي وحصر معدل عجز الخزينة في 3 % بالنسبة للناتج الداخلي الاجمالي واستقرار سعر صرف الأورو بالدولار (1,17) واستقرار سعر النفط (25 دولار للبرميل) وكالتطلع إلى جذب المزيد من الاستثمارات الأجنبية الخاصة وخوصصة باقي المقاولات العمومية و تحفيز الاستثمار عبر منح المزيد من الحوافز الجبائية للمقاولات الخاصة (المحلية والأجنبية). فلسان حال السلطات العمومية يؤكد مقولة أن أرباح اليوم (التي سيحققها القطاع الخاص عبر الحوافز المقدمة له) سوف تؤدي إلى عدد من مناصب الشغل في الغد. لكن أغلب هذه الافتراضات لا تتحقق بشكل أتوماتيكي حيث ضلت هذه المقولة تتردد خلال عقدين من الزمن أي منذ 1983 بينما كانت الحصيلة تفاقم مهول في حجم البطالة وإفقار واسع للطبقة الكادحة والمتوسطة مقابل إثراء فاحش في أوساط الطبقة العليا.

إن سياسة التوازنات الكبرى الانكماشية تؤدي إلى التضحية بالتنمية والى خلق حالة من الادخار الإجباري تهدف فقط إلى دفع أعباء الديون الخارجية، بينما يفترض في المقابل مزاولة سياسة مالية تنموية توسعية عبر الزيادة في حجم الدخل وفرص التوظيف والزيادة في مستوى المعيشة وبعث الحيوية في قدرة الدولة على أداء وظائفها والزيادة طبعا في مقدرة البلاد على دفع أعباء ديونها الخارجية.

(3) – غياب أي رؤية استراتيجية تنموية عن القوانين المالية المتعاقبة

فقد تحولت الميزانية العامة من أداة تنموية إلى هدف بحد ذاتها تختزل نفسها في تدبير اللحظة. فالميزانيات العامة المتعاقبة ظلت وفية للمنهجية المتبعة في المغرب منذ سنة 1983 في تحضير قوانين المالية والقائمة على الأرثوذكسية المالية. وفي هذا الإطار تختزل القضايا الكبرى في المراهنة على جذب الاستثمارات الأجنبية الخاصة عبر خوصصة مختلف المرافق العمومية وعبر انتظار أن تنفتح الحواجز الجمركية وغير الجمركية التي تفرضها أوروبا على المنتجات المغربية. كما يتم اختزال إشكالية العالم القروي في تزويد القرى بالماء والكهرباء والى حد ما في تشجيع التعليم الأساسي، غير أن هذه العناصر لا أثر لها على تعمق ظاهرة انتشار الفقر والأمية في البوادي المغربية نتيجة الإهمال والاستغلال الفاحش ونتيجة للجفاف كما لم تستطع الحد من الهجرة القروية المتزايدة؟

فغياب سياسة مندمجة لتدبير الفضاء الجغرافي قد يؤدي أولا إلى إضفاء الطابع القروي على المدن نتيجة احتداد الهجرة نحو المدن بمعنى أن المدينة ستفقد روحها وتصبح مجرد تجمعات سكنية. ومن شأن هذه الوضعية أن تؤدي إلى تفاقم المشاكل في المراكز الحضرية من بطالة وانتشار للجريمة وأزمة السكن إلى غير ذلك من المآسي، وتعميق الهوة ما بين الطبقات والفئات والشرائح الاجتماعية.

(4) – علاقة القطاع الخاص بالدولة

فيما يتعلق بعلاقة الدولة بالقطاع الخاص لا زال منظور القطاع الخاص للدولة هو منظور البقرة الحلوب، حيث تتحالف طبقة أوليغارشية بيروقراطية مع هذا القطاع الذي يغتني عبر الريوع المتنوعة التي تمنح له عبر الإعفاءات الجبائية أو عبر منح الأراضي والتجهيزات الأساسية والمساعدات المادية ومنح رخص استغلال المناجم والمقالع والصيد في أعالي البحار … وما دام هذا المنظور الاستغلالي قائم، فليس هناك من سبيل إلى تحقيق الصالح العام من خلال السياسة المالية؟.

لقد أقبلت الحكومات المتعاقبة على إعطاء مختلف الامتيازات المغرية لقطاع خاص مدلل لا رغبة له في الاستثمار. فقد أعفي هذا القطاع من مساهمات الضمان الاجتماعي وخولت له مختلف الامتيازات الجبائية وإقبار قانون حوادث الشغل الذي سبق أن صادق عليه البرلمان نتيجة ضغوط أرباب العمل بينما لم يتحقق من مضمون الحوار الإجتماعي سوى ما كانت تتطلع إليه البرجوازية من اقرار مرونة مدونة الشغل التي تطلق يد أرباب العمل في مجال استغلال اليد العاملة.

(5 – ممارسة العنف بأبعاده الاقتصادية والاجتماعية

لقد أصبح القانون المالي أداة لممارسة العنف الاقتصادي والاجتماعي، كإعفاء حكومة التناوب للأراضي الحضرية غير المبنية من الضريبة والذي قدم كهدية لصالح الطبقة البرجوازية بينما لم يتم إعفاء الخدمات الطبية وعدد من النوادي الاجتماعية والرياضية من الضريبة على القيمة المضافة كما لم يتم إعفاء استيراد معدات الأشخاص المعاقين من الرسوم الجمركية ومن الاقتطاع الضريبي، ولم يتم العمل على تفعيل السلم المتحرك للأجور، بينما تم تجميد أجور المياومين والعرضيين في الإدارة حيث ضلت دون الحد الأدنى للأجور. كما تم الإبقاء على التوزيع الجغرافي غير العادل للاستثمارات العمومية …. فقد كانت المعارضة السابقة والأغلبية الحالية تضع هذه الأمور من بين أولوياتها قبل دخولها الحكومة لكنها تجاهلتها تماما بعد ذلك وسارت في الاتجاه المعاكس خلال السنوات السابقة.

ومن بين المظاهر الجديدة المستحدثة في مجال العنف الاقتصادي والاجتماعي نشير إلى التصرف في أجور ورواتب الموظفين بكل حرية وفرض إقتطاعات إما برسم الصندوق المغربي للتقاعد أو إقتطاعات برسم الصندوق الوطني للاحتياط الاجتماعي بدون سابق إعلان ودون إذن مسبق، وحيث ستشهد السنوات الثلاث المقبلة زيادة في حجم الاقتطاع برسم التقاعد حيث سيرتفع المعدل من 7 % إلى 10 % دون أن يواكب ذلك زيادة محسوسة في الرواتب والأجور. ومقابل منح الامتيازات والحوافز والهدايا إلى أصحاب الثروات نجد الحكومات تستعمل خطابا متشددا اتجاه الطبقة العاملة خصوصا العاملة منها بالقطاع العمومي. فمنذ مدة تلجأ الحكومة إلى التذمر من ثقل الكتلة الأجرية التي تصل إلى 11 % من الناتج الداخلي الإجمالي وتحاول تبرير تدمرها من خلال إجراء مقارنة تلك النسبة بدول مثل مصر 6 % أو كوريا الجنوبية أقل من 6 % ، بينما تتجنب الإشارة إلى وضع بعض الدول كفرنسا مثلا التي تتجاوز كتلتها الأجرية 12 %. كما يتجنب هذا الخطاب الإجابة عن تساؤلات متعددة كالتساؤل عن دور ضعف مستوى الناتج الداخلي الإجمالي وضعف نسبة التنمية في ارتفاع هذه النسبة؟ وهل كل مكونات هذه الكتلة تعتبر أجورا صرفت مقابل استهلاك حقيقي لقوة العمل أم صرفت كعلاوات وأجور وامتيازات خيالية للأوليغارشية البيروقراطية النافذة؟ ثم ما هي بنية هذه الكتلة؟ وما هي درجة تمركزها؟

(6)  تخبط السياسة المالية وسوء التدبير

بالإضافة إلى الخلل الهيكلي الذي يمس بنية الميزانية العامة وتوجهاتها فإن السياسة المالية تتسم على العموم بالتخبط وسوء التدبير الناجم أساسا عن عدم كفاءة النخبة المسيرة للشأن العمومي، مثل ارتفاع نسبة الفائدة مقارنة مع سنة 1997 خصوصا ما يتعلق بفوائد الدين الداخلي التي تفوق نسب النفقات الجارية، كما تتجاوز نفقات الفائدة حجم نفقات الاستثمار. إضافة إلى أن تمويل العجز يؤدي إلى تشديد الضغط على الموارد المالية المحلية نظرا للرصيد السلبي للقروض الخارجية.

أما بالنسبة لما يسمى بالتدبير النشيط للمديونية الخارجية فالملاحظ أنها إذا كانت تسير نحو الانخفاض فإن المديونية الداخلية تسير في اتجاه تصاعدي حيث بلغت في مشروع ميزانية سنة 2004 ما قدره 30 مليار درهم بزيادة قدرها 16,78 % عن سنة 2003 وهو مبلغ يتجاوز نفقات الاستثمار العمومي بكثير. كما أن المديونية الخارجية إذا كانت قد عرفت بعض الانخفاض منظورا إليها بالدرهم فإنها تبقى مرتفعة جدا منظورا إليها بالدولار والعملات الأجنبية الأخرى.

وتجدر الإشارة إلى أن مشكلة المديونية لا تكمن في الحجم فقط، بل تكمن أيضا في كيفية استعمال وتوظيف القروض، والمشكل هنا هو أن مردودية المشاريع التي يتم تمويلها مشكوك فيها أو أنها ذات مردودية منخفضة.

بدلا من الخاتمة

نستخلص في الأخير أن مشروع القانون المالي لسنة 2004 تم إعداده كسابقيه في ظل تعليمات المؤسسات المالية الدولية وأن لا علاقة له برغبات وطموحات الجماهير الشعبية التي عبرت عن رفضها التام للسياسات المتبعة من خلال مقاطعتها الواسعة للاستحقاقات الانتخابية الرلمانية التي جرت في 27 شتنبر 2002 والانتخابات الجماعية التي جرت في 12 شتنبر 2003. وإذا كان هذا المشروع يخدم بالأساس مصالح طبقة أوليغارشية بيروقراطية وحلفائها من البورجوازية الهجينة التي تتغذى على الريوع المستخلصة من مصادر الثروة البحرية والمنجمية والغابوية … ويفتح المجال أمام سيطرة مطلقة للرأس مال الأجنبي على مختلف القدرات الاقتصادية الوطنية، فإنه يفضح عدم كفاءة الأوليغارشية الحكومية عبر أخطاء جسيمة تكرس معاناة دافعي الضرائب من عامة الطبقات الكادحة وتزيد أوضاع الطبقات الكادحة وعموم الجماهير سوءا.