قال الله عز وجل في محكم كتابه: (لقد كان لكم في رسول الله إسوة حسنة لمن كان يرجـو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا). (سورة الأحزاب، الآية: 21) وقال عز من قائل يخاطب حبيبه ومصطفاه: (اتـل ما أوحي إليك من الكتاب وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون). (سورة العنكبوت، الآية: 45) وقال له العزة والمنة: (الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله ألا بذكر الله تطمئن القلوب). (سورة الرعد، الآية: 28)

في ثلاث آيات يفصّل لنا مكانة الذكر يرفعنا إلى مقام التأسي برسول الله صلى الله عليه وسلم، ومكانَتَهُ في عباداتنا، وأثره في قلوبنا. من لا يذكر الله كثيرا لا أُسوَةَ له برسول الله صلى الله عليه وسلم، لا يقدر على التأسي، وهو الاستناد والاتباع، لم يؤهل له. من لا يذكر الله في صلاته وإذا تلا القرآن فلا تلاوة له ولا صلاة. له صورة الصلاة وأركانها البدنية، لكن ذكر الله، وهو الأمر الأكبر والأعظم الذي من أجله شرعت العبادات، فاته ففاته لب العبادة. من صفات المومنين الاطمنئان للذكر والاطمئنان بالذكر، فمن لا طمأنينة له بذكر الله لا يستكمل صفات الإيمان.

لنا في رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة إن تحققت فينا ثلاثة شروط: رجاء الله، ورجاء الآخرة، وذكر الله الكثير. في كلمة (رجاء) معنى الانتظار. فالمتأسون برسول الله صلى الله عليه وسلم هم المقبلون على الله تعالى، المنتظرون لقاءه، الراجون مغفرته، اشتغلوا بذكره آناء الليل وأطراف النهار، يسبحونه ويمجدونه، عن الدنيا الهاجمة عليهم من كل المنافذ، تُغريهم وتدعوهم ليرتَموا في أحضانها.

جاءت هذه الآية الشريفة في سورة الأحزاب، في سياق وصف الله عز وجل لموقف الرسول الكريم، وموقف المومنين، وموقف المنافقين والذين في قلوبهم مرض. ذكرُ الله في سعة العافية وأمن المسجد والخلوة ذكر عظيم لكن ذكر الله في ساحة الوغى، والعدوُّ محيط، والخوف سار في الأفئدة، ذكرٌ أكبر لأن الذاكر لله الموقن به، بنصره أو لقائه كلاهما مطلب حسن بل أحسن، يصدر عن إيمان أقوى من المصلي التالي الذاكرِ في المسجد والخلوة. وهذا لا يقدر عليه إلا الرسل عليهم الصلاة والسلام، ومن تأسى بهم، واستند إليهم بالصحبة والملازمة والطاعة والاتباع والوفاء بالبيعة الجهادية.

قال الله تعالى يذكر المومنين بما حل بهم يوم الأحزاب: (إذ جاؤوكم من فوقكم ومن أسفلَ منكم وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنون بالله الظنونا هنالك ابتُلي المومنون وزلزلوا زلزالا شديدا). (سورة الأحزاب، الآيتان: 10-11) ابتلاء شديد وهَلَع وخوف. قال سبحانه: (وإذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا وإذ قالت طائفة منهم يا أهل يثرب لا مقام لكم فارجعوا ويستأذن فريق منهم النبيءَ يقولون إن بيوتنا عورة وما هي بعورة إن يريدون إلا فراراً). (سورة الأحزاب، الآيتان: 12-13)

هؤلاء المنافقون المتخاذلون المتهالكون المخذِّلون في قلوبهم مرض، لم تطمئن قلوبهم بذكر الله. في هذا الموقف الذي بلغت فيه قلوب أهل الإيمان الحناجر لِما يرون من أهوال، ولِما دب إليهم بالصحبة والرفقة من داء المنافقين مرضى القلوب، قُساتها من قلة ذكر الله، جاءت الآية الشريفة تأمر المومنين بالاستناد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الثابت في موقفه، الموقن بربّه، الموفي بعهده.

كان المنافقون عاهدوا الله قبل المعركة (لا يولون الادبار، وكان عهد الله مسؤولا(.(سورة الأحزاب، الآية: 12) فلما جدَّ الجد فروا، والتمسوا الأعذار عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، واتهموا الله ورسوله بأن الله ورسوله ما وعداهم إلا غرورا. خواء في القلوب، ذِممٌ خربة، غَدْرٌ، سلوك انهزامي.

في مقابل هؤلاء الغافلين عن الله صورة الوفاء المطلق الذي وفاه رسول الله صلى الله عليه وسلم لميثاقه العظيم الذي أخذه الله على أنبيائه عليهم الصلاة والسلام، حمَّلهم به أمانة الصدق ليكونوا مرجعا وملاذا ونموذجا ثابتا للحق والإيمان والجهاد. قال الله تعالى بين يدي قصة الأحزاب: (وإذ أخذنا من النبيئين ميثاقهم ومنك ومن نوح وإبراهيم وموسى وعيسى بن مريم وأخذنا منهم ميثاقا غليظا ليسأل الصادقين عن صدقهم وأعد للكافرين عذابا أليما). (سورة الأحزاب، الآيتان: 7-8)

أمامنا ثلاثة ركائز للإيمان: رسول من الله هو الأسوة، وذكر الله هو الزاد، والصدق المسؤول وفاء بالميثاق مع الله عز وجل.

أُخِذَ على النبيئين عليهم الصلاة والسلام ميثاق خاص، وأخذ على عامة بني آدم ميثاق الفطرة. فمن وصل حبله بحبل النبوءة، وصحب الرُّسُل وتأسى، أو صحب من صحب من صحب وتأسى، امتَدَّ إلى فطرته النائمة عن ميثاقها دَفْقٌ من الحياة الإيمانية، وشع فيها ضوء إحساني من مشكاة الميثاق النبوي الغليظ، واكتسب من جاء برأسمال صدق مزيداً من الصدق.

على هذا الأساس الفطري من جانبك، النبوي من جانب المصحوب الأسوة عليه الصلاة والسلام، تنبني الشخصية الإيمانية الإحسانية بذكر الله.كل العبادات شرعت لذكر الله. كل الأعضاء الظاهرة والباطنة منتدبة لذكر الله. ذكر القلب، أعظمها، ثم ذكر اللسان، ثم ذكر الأعضاء عندما تتكيف بكيفيات الصلاة، أو تُمْسك نهارَ الصوم، أو تطوف وتسعى وتقف وترمي في نسك الحج.

ذكر الله به يتقدس الكيان القلبي للمومن، ويكون التقديس أعظم إن كان ذكر الله أدومَ. ويكون ذكر الله أعظم إن كانت دواعي الغفلة وأزمة الموقف أشدَّ. وبهذا يكون الذكر في الجهاد، الذكر عندما يخاف الناس ويزدحمون على مخارج الأمان ومهارب الجبن، أكبر الذكر.

يدلنا الله تعالى على أن كل العبادات تتضمن الذكر، وقد قرأنا آية الذكر في التلاوة والصلاة، فيقول عن الصيام: (ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ما هداكم ولعلكم تشكرون). (سورة البقرة، الآية: 12) وفي الحج، قبله وأثناءه وبعده يقول عز من قائل: (فإذا أفـضتم من عرفات فاذكروا الله عند المشعر الحرام واذكروه كما هداكم وإن كنتم من قبله لمن الـضالين. ثم أفيـضوا من حيث أفاض الناس واستغفروا الله إن الله غفور رحيم. فإذا قـضيتم مناسككم فاذكروا الله كذكركم آباءكم أو أشد ذكرا) إلى أن قال سبحانه: (واذكروا الله في أيام معدودات). (سورة البقرة، الآيات: 198-201) والحج جهاد من أشرف الجهاد، كله للذكر وبالذكر. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما رواه أبو داود والترمذي عن أم المومنين عائشة رضي الله عنها: “إنما جعل الطواف بالبيت وبين الصفا والمروة، ورمي الجمرات لإقامة ذكر الله”.

وفي ختم صلاة الجمعة وهي مشهد عظيم من مشاهد الأمة، لا أعظم في حشدها إلا حشد الجهادِ، ذكر. قال الله تعالى: (فإذا قـضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فـضل الله واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون). (سورة الجمعة، الآية: 10)

يقول السادة الصوفية: “من أوتي الذكر فقد أوتي منشورَ الولاية”. كلمة منشور معناها في ذلك الزمان الوثيقة التي تتضمن قرار السلطان بتعيين فرد في مرتبة تشريفية ما.

نحن نسأل الله القوي العزيز الحنان المنان أن يكون مستقبلُ الذاكرين الله كثيرا في ساحات الجهاد بكل وجوه الجهاد، تأسيا بالأسوة العظمى صلى الله عليه وسلم وبمن معه، تجاوزا لعصور الذكر في قعر التكايا وأمن الخلوات. ونسأله أن يكون سلوكُ من بعدَنا سلوكا جهاديا يكون للأعضاء فيه ذكرها بأنواع العبادات، وللقلب ذكرُه وللسان، وللروح ذكرُها عندما تتقدم مقتحمة عقبات الخوف والتخاذل فداءً لدين الله، وخدمة لتراث رسول الله، وبناءً لأمة رسول الله، وتشييدا للخلافة الثانية على منهاج رسول الله.

ثم بعد الدعاء نقرأ هذه الصفحة المشرقة من نثر شيخ الإسلام ابن القيم قال: “الذكر منشور الولاية الذي من أعطيه اتصل، ومن مُنِعَه عُزِل. وهو قوت قلوب القوم التي متى فارقها صارت الأجساد لها قبورا، وعمارةُ ديارهم التي إذا تعطلت عنه صارت بُوراً. وهو سلاحهم الذي به يقاتلون قطّاع الطريق، وماؤهم الذي يطفئون به التهاب الحريق، ودواء أسقامهم الذي متى فارقهم انتكست فيهم القلوب، والسبب الواصل والعلاقة التي كانت بينهم وبين علام الغيوب.

إذا مرضنا تداوينا بذكركم فنترك الذكر أحيانا فننْتكِس

به يستدفعون الآفات، ويستكشفون الكربات، وتهون عليهم به المصيبات. إذا أضلهم البلاء فهو مَلْجَؤُهم، وإذا نزلت بهم النوازل فإليه مفزعهم.(…)

“في كل جارحة من الجوارح عبودية مؤقتة، والذكر عبودية القلب واللسان، وهي غير مؤقتة. بل هم يؤمرون بذكر معبودهم ومحبوبهم على كل حال: قياما وقعودا وعلى جنوبهم. فكما أن الجنة قيعانٌ وهو غراسها، فكذلك القلوب بورٌ خراب وهو عمارتها وأساسها. وهو جلاء القلوب ودواؤها إذا غشيها اعتلالها، وكلما زاد الذاكر في الذكر استغراقا،زاد المذكور محبة إلى لقائه واشتياقا (…)”.

“به يزول الوَقْرُ عن السماع، والبَكَمُ عن الألسن، وتنقشع ظلمة الأبصار. زيّن الله به ألسنة الذاكرين، كما زين بالنور أبصار الناظرين. فاللسان الغافل كالعين العمياء، والأذن الصمّاء، واليد الشلاء”.

قلتُ: هنيئا لهذا الشباب الصاعد في حركة الصحوة الإسلامية، يكون منهم إن شاء الله أجيالٌ تحابت في الله فاستحقت أن تكون تحت ظل الله، ويكون منهم من يذكر الله خاليا فتفيض عيناه فيستحق ذلك الظل الكريم مرتين. نسأل الله العظيم الكريم أن تتألف منهم كتائب تذكر الله كثيرا في معمعان الجهاد، ويكون لها التأسي الكامل، والأسوة الحسنة، والسلوك المُتَسامي إلى مقامات فاز بها الصحب الكرام لهادي الأنام.