نداء آخر ودعوة أخرى تأتي ضمن سلسلة من الدعوات التي ما فتئت جماعة العدل والإحسان توجهها إلى المجتمع السياسي والمدني، نداء ودعوة إلى الحوار والالتقاء والتقارب.. دعوة إلى ردم الهوة التي تفصل أبناء الوطن الواحد، دعوة إلى لم الشتات وتوحيد الجهود من أجل مغرب جديد ، مغرب تسوده العدالة والمساواة ، مغرب قوي بأبنائه وبناته، عزيز برجاله ونسائه ، ظاهر بالحق والعلم ، وما ذلك على الله بعزيز !

نتابع ونسمع بمبادرات من هذا القبيل ، تهدف إلى توحيد الصفوف وتنسيق الجهود من أجل إنقاذ المغرب وإعادة بنائه وتحديثه ، لكنها تبقى مبادرات حبيسة القاعات والموائد التي تدور وتتجاذب حولها الأفكار والآراء ، ولحد الساعة لم نشهد قيام مبادرة جادة ومسؤولة بدأت بالفعل تشق الطريق الصحيح نحو ذلك التوحيد وذلك التنسيق المنشودين.

أكيد أن هناك حاجزا وسدا مانعا يحول بين تسجيل نتائج إيجابية من وراء تلك المبادرات، ومن أهم تلك الحواجز أذكر :

التعصب والإرث النضالي.

إن المجتمعات لا تتحضر إلا بقدر ما تتخلى عن الأنانيات وحب الذات والاستعلاء والطموح اللامشروع في البقاء والاستمرار ، وهذا السلوك المشين إنما يغرسه بعض المفكرين الذين يسترزقون بفكرهم ، ورجال السياسة والحكم في المجتمع ، فيصير بقاء هذه الأفكار التي لا تخدم الإنسانية في شيء ، وبالتالي بقاء أصحابها ومنظريها، رهن بمدى تقبل وتمثل عامة الناس لها، ولا ضير بعد ذلك أن يوجد بعض المعارضين لهذا الأسلوب في الحياة ..

غير أن الذي يحدث هو ظهور رغبة قوية وإرادة عارمة لدى فئة من الشعب ، تأخذ في التنامي والانتشار والتوسع إلى أن تشكل تيارا قائما بذاته يحمل مشروعا مجتمعيا شاملا ، يقطع مع هفوات الماضي وأخطائه ، ويبشر بمستقبل زاهر فيه العزة والكرامة للشعب.

…هنا يبدأ الكيد وتحبك المؤامرات وتنصب الفخاخ لهذا الوافد الجديد الذي قد ينازع أهل السابقة وأهل الامتيازات والمصالح والنفوذ…هكذا يظنون وهكذا يصور لهم حرصهم الأهوج على البقاء وتعصبهم القاتل لراياتهم التي لا يريدون أن تغازل الرياح سواها ، وألوانهم التي لا يحبون أن تعكس أشعة الشمس ألوانا غيرها !

فيبدأ التلويح بالتاريخ وبالرصيد النضالي والتضحيات..كأن كل تلك الأمجاد كانت تصنع لتبقى ويبقى أبطالها جاثمين على صدر هذا الشعب رغم كل أخطائهم وزلاتهم ، ورغم انكشاف نيا تهم ونشر فضائحهم ..ورغم بيان تنكبهم عن سابق نهجهم واختيارهم سبيلا أخرى تتعارض وتتقاطع مع مصالح الشعب .

ماذا يملك وافد اليوم ، هذا الطارئ ، في زعمهم وتقديرهم ،على الساحة السياسية ليقدمه للشعب كحلول للمشاكل التي يتخبط فيها ؟

أو لماذا لم يعلن عن وجوده قبل اليوم ؟ ولماذا لم يفصح عن موقفه من القضية الفلانية.. ويعلن استنكاره لهذا الفعل أو ذاك..وهكذا تتناسل و تتوالد الأسئلة معبرة عن الموقف الرافض للآخر الذي قد يختلف في منطلقاته وفي أسلوب عمله وتناوله للأمور.

سؤِال البرنامج:

لا ينفك الوطني ، صاحب التاريخ والرصيد النضالي ، وصاحب المواقف والبطولات أن ينتهي من سرد كل سيرته والاحتجاج بها، وكأنه غير واثق من نفسه أمام من أخذ يزاحمه ويضع مصداقيته في المحك…حتى ينتقل إلى ترديد الأسطوانة القديمة التي تتغنى بضرورة أن يطرح كل طرف برنامجه السياسي أمام الشعب، وكأن هذه البرامج عصى سحرية ستنهي مشاكل البلاد ! وأية برامج يتحدثون عنها ! ؟ خطوط عريضة تعرض لتصور ورؤية كل طرف لقضايا الأمة في التعليم والصحة والاقتصاد والسياسة الداخلية والخارجية وفي الجانب الاجتماعي والثقافي ..برامج تتشابه إلى درجة لا تكاد تميز بعضها عن البعض إلا بالديباجة، حتى أن بعض الأحزاب اتهمت أخرى بسرقة برنامجها!

رغم ذلك ، وفي جرأة تخفي وراءها خيبة أمل وإفلاس، وتواري عقدة نقص وانتكاس، وتبطن غصة نكوص وانحباس..تراهم يصرون ويلحون ويلوحون… لكن هذه المرة بسؤال البرنامج !

جماعة العدل والإحسان ممنوعة من التعبير والنشر وإبداء الرأي ، الجميع يشهد بهذا ويقر به ويتابع كيف أنها تحرم من أبسط حقوقها في الوجود ، ويدرك المتتبع تمام الإدراك بأن فاعلا في وضعية كهذه لا يمكنه أن يقدم أكثر مما قدم، بل ولقد قدمت الجماعة مبادرات وحققت مكتسبات ما كان غيرها ليحقق ولو عشرها ، وهذا بفضل الله ومنته ، ومع ذلك تجد من الأطراف والهيئات من يطالب الجماعة بطرح وبسط برنامجها على الملأ وكأن السبيل إلى ذلك ميسرة وسالكة !

طرحت الجماعة ما يمكن أن يلبي طلب هؤلاء الفاعلين ، ليس اضطرارا ولا بفعل الضغط ، بل انسجاما مع مبدئها في العمل وإيمانا بضرورة البيان ومد جسور التواصل والتفاهم مع الجميع ، عملا بقوله تعالى :{أدع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن} وقوله تعالى : { قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني وسبحان الله وما أنا من المشركين }

بل وكان ذلك حتى قبل أن يطالبها أحد به .

طرح مرشد الجماعة الأستاذ عبد السلام ياسين في مختلف مؤلفاته ، ما يمكن لكل مهتم ومتتبع أن يشكل من خلاله تصورا ونظرة حول المشروع الذي تحمله الجماعة وتبشر به، تبقى التفاصيل والإحصاءات والأرقام والمشاريع المفصلة .. والتي يعتبر من السذاجة السياسية مطالبة الجماعة الإفصاح عنها في الوقت الراهن ، يبقى كل ذلك إلى حينه ووقته . والجماعة ترجو أن ينتبه الحكام ويبادروا إلى توفير وتهيئ الظروف والأجواء المناسبة حتى تنتفع الأمة باجتهاد ومبادرات واقتراحات كل أبنائها ، قبل فوات الأوان ، وقبل أن تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن .. فيفرض التغيير بالعنف لا سمح الله ، فيخلط الأوراق ويضرب بعرض الحائط كل البرامج والمشاريع ويؤخر فرصة إنقاذ البلاد!

سؤال النيات:

لقد حقق المخزن في المغرب سبقا هاما على غيره من الدول في مجال محاكمة الناس على نيا تهم وإثبات التهمة قبل انتهاء التحقيق وتقديم القرائن والأدلة، وقد ورثت عنه بعض الأطراف هذا التقليد فبعد أن تحاورها وتناقشها وتتبادل معها الأفكار وتبين لها جملة من المواقف في الشأن الوطني أو الدولي ، وتوضح لها كيف يمكن أن تتعاون معها في القضايا المشتركة والهامة .. تفاجئك بحكمها المسبق على نيتك وتدعي بأن ما تظهره عكس ما تخفيه ، وأنه بمجرد أن تؤول إليك الأمور وتتصدر الشأن العام ستنقلب على الشعب وعلى الديمقراطية والانفتاح والحداثة ، وستجر البلاد إلى حكم شمولي أحادي لا مكان فيه للاختلاف أو للرأي الآخر …دوامة أخرى من التأويلات والتفسيرات البعيدة كل البعد عن النضج السياسي والإدراك الفعلي لما يروج في الساحة المغربية.

إن ما جناه المغرب بسبب هذه العقلية الأنانية المستعلية هو مزيد من التراجع على كل المستويات ، مزيد من التخلف والجهل والضياع والتيه..وليتأمل كل مواطن غيور ترتيب المغرب بين الأمم ، ونسبة الأمية والبطالة ، وعدد ضحايا قوارب الموت ، ونسبة المشردين والمتخلى عنهم،وعدد المعامل التي تقفل أبوابها في وجه عمالها، ونسبة الاستثمار الخارجي في بلدنا؛ أشكاله وأنواعه وميادينه، ومدى استفادة الخزينة العامة من موارده ! ؟ سيجد كل ذلك إلى خراب .. نسأل الله اللطف و العافية.

الحكام عجزوا عن تغيير هذا الواقع البئيس ، ربما لأنهم لا يملكون الحيلة والقدرة على ذلك ، لكن الشعب يقدر ويستطيع ، الشعب بنخبه وفعالياته وأطره ومفكريه .. بإمكانه أن يرفع التحدي ويراهن على التغيير نحو الأفضل.

لا ينبغي للشعب أن يعلن عجزه ويستسلم قبل أن يبادر ويحاول ويجرب ،لابد أن يتقد م إلى الساحة من يلمس من نفسه القدرة على المساهمة مع غيره لإنقاذ المغرب وإخراجه من دوامة المشاكل والاخفاقات التي يتخبط فيها، يعرض اقتراحه ويبسط رأيه ليس كبديل لغيره ، بل مشاركا من زاويته ومساعدا ومتعاونا مع باقي الأطراف لربح الرهان نحو الإصلاح.

هذا ما لمسته في الدعوة الأخيرة التي وجهتها جماعة العدل والإحسان من خلال المقال الذي وقعه الناطق الرسمي باسمها الأستاذ فتح الله أرسلان في العدد 124 من أسبوعية الأيام. وقد ننتظر أن تقوم وتبادر كل فروع الدائرة السياسية للجماعة ومندوبياتها ، وكما عهدنا ذلك فيها ، وتوجه دعوات إلى الهيئات السياسية والنقابية والحقوقية والجمعوية..وتنظم لقاءات وموائد مستديرة ، تعمق مع من سبق أن تواصلت معهم ، معاني وأسباب التفاهم وتثبت وتقوي أواصر الثقة، وتوسع نطاق الحوار ليضم أطرافا وفاعلين جدد ، وترفع سقف النقاش لتثير قضايا هامة وجادة لم يسبق التطرق لها من فبل…لكن هل سندشن لمرحلة أخرى من خيبات الأمل ومن ضيق الأفق وانسداده ؟ هل سنشهد طورا آخر من الإعراض ومن الحسابات الضيقة والتفسيرات الخاطئة لدوافع هذه الدعوة إلى الحوار التي تطرحها الجماعة ؟ هل سنتابع وقائع محاكمات جاهزة ومسبقة للنوايا ؟ الويل للمغرب إذن من هذه الذهنية المريضة ومن هذا المنطق المختل… الويل له إن أخفق في تجاوز هذه العقلية أو فشل في كسب تحدي التغيير، ولا حول ولا قوة إلا بالله !