الرباط- عادل الإقليعي 26/04/2004

أشار الأستاذ عبد الصمد فتحي، عضو الأمانة العامة للدائرة السياسية لجماعة العدل والإحسان بالمغرب، في حوار له مع “إسلام أون لاين.نت”، إلى أن مستقبل الحركة الإسلامية لن يتأثر بطرح “الشرق الأوسط الكبير”؛ ومن ثم نصح الحركات الإسلامية بعدم الانشغال بهذا الأمر أكثر من اللازم، والانشغال أكثر باستكمال التصور والمنهاج. واقترح تدشين ميثاق من قبل جميع الحركات السياسية الطامحة إلى التغيير، ليضع مبادئ وآليات هذا التغيير، بشرط أن يكون الشعب حاضرًا لكل ما يجري. كما نادى إلى استغلال هذه الفرصة، بلم الصفوف، ومراجعة الماضي، وإعادة الحسابات. وكذلك نادى إلى تفاعل المسلمين مع المستجدات، واستحضار المتغيرات الكبرى، وهي ظهور ملامح نظام عالمي جديد، يتمخض عن قوى وتكتلات جديدة متعددة.

*ما رؤيتكم لمستقبل الحركات الإسلامية في المنطقة في ضوء هذا الطرح الأمريكي؟

– إن مستقبل الحركة الإسلامية رهين بمستقبل الإسلام. وبالنسبة لنا، فـغد الإسلام قادم؛ آمن بذلك من آمن؛ وكفر بذلك من كفر. إننا على مشارف الخلافة على منهاج النبوة الثانية، كما أخبر بذلك المصطفى عليه الصلاة والسلام، وكما يبشر بذلك عالم الغيب والشهادة. إن هذه الصحوة الإسلامية وهذا المد الإسلامي الذي يملأ صداه سمع الدنيا وبصرها، مؤشر من مؤشرات هذا الغد الموعود. إن مستقبل الحركة الإسلامية لن يتأثر بهذا الطرح، كما لم يتأثر بسابقيه، وعلينا ألا ننشغل بهذا الأمر أكثر من اللازم، بل علينا أن ننشغل بالأساس: بناء الإنسان المسلم الفاعل التاريخي، وإيجاد الطليعة المؤمنة المجاهدة، واستكمال بناء التصور والمنهاج.

*إذا كنتم ترفضون الطرح الأمريكي من حيث المبدأ.. فهل لديكم بدائل متاحة؟

– الأمر لا يتعلق برفض مبدئي، يفهم منه الدفاع عن الأنظمة المستبدة صنيعة الغرب، ولا بقبول مبدئي يوحي بالرهان على أمريكا في التغيير التي تكن العداء للإسلام والمسلمين. إنما نحن بصدد حوار ومناقشة لمداخل التغيير الحقيقية. من هذا المنطلق، أقول إن أي مبادرة للإصلاح والتغيير من أمريكا ستبقى محط شك وريب، ما لم تغير من سياستها الخارجية، وتحكم منطق العدل والإنصاف في التعاطي مع قضايا أمتنا المستضعفة. وإن المدخل لذلك، يكمن في إعادة النظر في روح العداء للإسلام والمسلمين، والحركات الإسلامية. ينبغي على الغرب، وفي مقدمتهم أمريكا، إعادة النظر في كيفية التعامل مع الحركات الإسلامية، من خلال إدراك الأسس التي تقوم عليها.

فالحركات الإسلامية الجادة والأصيلة تؤسس مشروعها المجتمعي على الإسلام باعتباره منهاج حياة؛ يسمو بالفرد والمجتمع إلى تأسيس روابط بين أفراد المجتمع والإنسانية على أساس الحب والإخاء لا الكره والبغضاء، وعلى أساس العزة والكرامة لا الذل والاستسلام، وعلى أساس التعاون والتكامل لا الاستغلال والتبعية، وعلى أساس العدل والإنصاف لا الظلم والاستبداد، وعلى أساس الرحمة والقوة لا العنف وسفك الدماء.

إن خيار العداء والعنف والإرهاب لا ولن يوقف هذا المد الإسلامي الصاعد، إنما يذكي نار الحقد والانتقام، ويفتح المجال للعنف المضاد، فيأتي على الأخضر واليابس. إن أمريكا ليست قدرنا الوحيد؛ فالتغيير الحقيقي ينطلق بالاعتماد على العامل الذاتي، بعد الله سبحانه وتعالى، بتربية الأمة وتحرير طاقاتها لتكون لنا سندا بعد الله عز وجل في عملية الاقتحام.

التغيير الحقيقي يتأتى بجمع الجهود ولمّ الصفوف، في إطار العمل على المكشوف وفي الوضوح، بأن تجتمع القوى السياسية الرامية للتغيير، إلا من استثنى نفسه، لصياغة ميثاق على أرضية جامعة، يحدد معالم التغيير ومبادئه، وأن يصاغ هذا الميثاق على مرأى ومسمع من الشعب ليساهم في التقرير بالمصادقة عليه، ليكون الشعب فاعلا ومشاركا وليس قطيعا مفعولاً به. ثم يشرع في تطبيق بنود الميثاق، والتي من ضمنها وضع دستور من طرف جمعية منتخبة انتخابا حرا، يحدد الأجهزة وآليات العمل، لينطلق البناء بمشاركة كل أبناء الأمة، بدون إقصاء، في إطار تعددية تستوعب الجميع؛ وفي إطار الوضوح الذي من شأنه بناء الثقة. إن نقطة الانطلاقة هي التأكد من إرادتنا الذاتية، ومعالجة أمراضنا الذاتية، وتحرير إرادتنا الذاتية.

*هل تفكرون في التعامل مع هذا الطرح على أنه ورقة ضغط على أنظمتكم لتحسين أوضاعكم أو الاعتراف بكم أو تحقيق مكاسب ما؟

– إن الجواب على هذا السؤال يقتضي الجواب على السؤال المركزي الذي طرحناه، وهو: هل الطرح الأمريكي يهدف إلى تحسين وضعية الشعوب، والاعتراف بكل مكوناتها وتحقيق مكاسب لها، على رأسها الحرية والكرامة والديمقراطية والتنمية، بما لا يفقدها هويتها ومقوماتها الحضارية؟ بالنسبة لي الجواب لا، وبالتالي فهامش التناقض بين مصلحة الأنظمة الحاكمة والمصالح الأمريكية جد ضيق؛ فلذلك ينبغي عدم الرهان عليه، بل نتعامل معه في إطار حجمه الحقيقي، بما له وما عليه. إن هذه الفترة الحرجة مناسبة للم الشتات، وتوجيه الجهود، وجمع كلمة كل القوى الداخلية، حيت يراجع كل طرف ماضيه، ويعيد حساباته، ويستحضر أن مستقبل الأمة رهين بمشاركة جميع مكوناتها، ويكون هذا المنطلق في التغيير والإصلاح والبناء، بعيدا عن الانتهازية.

*ألا تخشون لو رفضتم الطرح الأمريكي أن تظهر على الساحة حركات إسلامية “صناعة أمريكية” وفق نموذج “الإسلام الأمريكاني”؟

– الحركة الإسلامية الجادة موجودة مند عقود رغم الحصار والقمع والتضييق، ورغم الكيد والاستضعاف؛ فكل هذه الأمور لم تزدها إلا نموا وانتشارا. وهذا سببه، بعد تأييد الله عز وجل وحفظه، ارتباطها بمصالح الأمة وتبنيها لقضايا شعوبها التي أصبحت تميز بين الأصيل والدخيل. والأنظمة حاولت تفريخ إسلام رسمي، قبل أمريكا ولكنها لم تنجح. فما كان لله دام واتصل وما كان لغير الله انقطع وانفصل.

* وكيف ستكون استجابتكم للمتغيرات القادمة؟ أم ستديرون لها ظهوركم؟

– على الدعاة إلى الله المقتحمين أن يعرفوا العالم، وأحداث التاريخ، وسببية حركته، والقوى المؤثرة فيه كما هي، لا كما يصورها الطموح الجامح أو الأمل المكبوت أو اليأس اليائس. لذلك لا يمكن أن ندير ظهورنا لما يجري في الواقع من أحداث ومتغيرات، بل علينا التعامل معها ومعرفة كيفية مصانعتها. أوجدنا الله عز وجل في هذه الحياة لا لندير ظهورنا لكل ما يظهر من متغيرات، بل لنتعامل مع كل المستجدات. أوجدنا سبحانه وتعالى، وتحملنا رسالة عظيمة، لا لنكون على هامش التاريخ، بل لنكون فاعلين في صناعته بتوفيق من الله سبحانه وتعالى.

نحن حملة رسالة تبشر الإنسان باسترجاع حق من أهم حقوقه المسلوبة، ألا وهو حق معرفة خالقه عز وجل، وندعو العالم إلى تحقيق السلام والأمن والعدل والكرامة والحرية بين جميع بني الإنسان دون تمييز أو استثناء. وتحقيق هذه الأهداف النبيلة الجليلة التي تتشوق لها الإنسانية جمعاء يتطلب عملا وحكمة؛ ومن الحكمة المرونة ومصانعة الواقع في إطار التكتيك، دون زيغ أو تيه عن المقاصد المنشودة والأهداف الإستراتيجية. لذلك سنتفاعل مع كل المتغيرات، بل سنسعى بإذن الله لنكون فاعلين فيها، بما يوافق وينسجم مع منطق الدعوة الذي قوامه القوة، وليس بمنطق الساحة الذي قوامه العنف، الذي نهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن نهجه والأخذ به. بالمقابل سنرفض وسنقاوم بكل الوسائل المشروعة كل ما يهدد هوية أمتنا.

*كيف ستعيدون هيكلة مواقفكم وبنائكم التنظيمي الداخلي؟ وكيف ستعيدون رسم علاقاتكم على الصعيد الخارجي وفق عاصفة المتغيرات القادمة؟

– إن هذه المبادرة ليست بالأمر الجديد؛ وليست بمثابة العاصفة التي تستدعي إعادة النظر في المواقف وفي البناء التنظيمي. فهي لم تغير من طبيعة العالم شيئا، ولم تكشف عن أمر جديد. إنما تؤكد تكالب قوى الاستكبار على أمتنا المستضعفة واستهدافها في هويتها ومقوماتها. إن منهاج التغيير يجب أن يستحضر المتغيرات الكبرى؛ وهي ظهور ملامح نظام عالمي جديد، يتمخض عن قوى وتكتلات جديدة متعددة، من مثل تكتل البحر الهادئ الذي تتزعمه اليابان التي تتفوق وتتقدم في بعض الميادين بعقدين من الزمان أو أكثر، ومن مثل وحدة أوربا الغربية التي تتوسطها ألمانيا التي برهنت تكنولوجيتها التي تعتمد الصناعة المدنية على تفوقها، وهناك تكتل جنوب شرقي آسيا، وكذلك تطلع الصين والهند…

هذه المتغيرات ستتوارى معها في الأفق المنظور الهيمنة الأمريكية، بسبب مديونيتها وعجزها المالي وسمعتها الفاسدة؛ ولأن الغلبة في المستقبل للقوة الاقتصادية وليس للقوة العسكرية. ويمكن أن تفتح للمسلمين المكانة الشريفة، بعد أن تزول عنهم أقفال الحكم المتمثل في سلاطين النفط وأضرابهم، والحكم الجبري المتمثل في الزعامات القومية. فلا نهوض لأمتنا إلا بالتكتل، ولا تكتل في ظل سياج القومية، ولا تحرر يرجى منها إلا بالحكم القرآني: حكم الشورى والعدل. ولا قبل للقوة المقتحمة بتحديات الداخل والخارج، إذا لم تتسلح بالإيمان، وتعطي للعامل الذاتي الأولوية في التمحيص والعلاج. إنها تحديات كبيرة، ولكن الله أكبر “ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين”.

*ما هو تقييمكم للفكرة؟ وما هو موقفكم بشكل عام منها؟

– في نظري أن المبادرة تعلن عن أهداف تبدو في ظاهرها دعوة لمحاربة الاستبداد الذي تعاني الشعوب من قهره وبطشه، ودعوة لمحاربة الأمية والجهل اللذين يعيقان حركة المجتمع، ودعوة لتنمية اقتصادية تخرج المجتمع من واقع التخلف والانحطاط. ثلاثة أهداف لا يمكن لعاقل أن يجادل في أهميتها، غير أن السياق الذي تأتي فيه المبادرة يفرض طرح عدة أسئلة عن خلفيتها وعن حقيقة مضامينها.

فالمبادرة تأتي في سياق يعرف ارتفاع موجة العداء من طرف أغلب أبناء الأمة الإسلامية المستضعفة إزاء أمريكا، بسبب سياستها الخارجية التي تكيل بمكيالين في قضايا أمتنا في فلسطين والعراق وغيرها. سياسة تجعل من المجرم الإرهابي الغاصب للأرض والوطن ضحية، ومن المدافع عن أرضه ووطنه وهويته مجرمًا إرهابيا. سياسة صنعت أنظمة الاستبداد، ودعمتها، ورعتها، وتغاضت عن جرائمها في حق شعوبها لعقود. سياسة دمرت شعب العراق وحضارته بدعوى البحث عن أسلحة الدمار الشامل، فوجد الدمار، ولم توجد الأسلحة إلا تلك التي صنعتها أمريكا. سياسة تتغاضى عن أسلحة الدمار الشامل المعلنة لدى الكيان الصهيوني، وعن جرائم التقتيل والتدمير والتخريب التي تستهدف الشعب الفلسطيني الأعزل.

كيف يمكن الجمع بين هذه الأفعال المؤلمة وتلك الأهداف “النبيلة”؟ إن المقارنة بين الأفعال والدعاوى يطرح أكثر من علامة استفهام على الخلفية ومضامين الأهداف المعلنة لدى كل ذي عقل. لا نقول هذا من باب رفض كل ما يأتي من الآخر، بل نحن مطالبون شرعا بالانفتاح على كتاب العالم وتجارب الإنسانية، بقدر انفتاحنا على كتاب الله المقروء جل وعلا، ومطالبون بالتعاون بين بني البشر، لكن على أي أساس؟

فلمصلحة مَن هذه المبادرة؟ هل لمصلحة الشعوب المسلمة التي منعت النصرة؟ أم لصالح أمريكا لحماية ورعاية مصالحها غير المشروعة في المنطقة؟ أم لصالح إسرائيل التي توفر لها المبادرة إطارا للاعتراف والتطبيع والتمكين من خيرات المنطقة، كما توفر لها فضاء لمسخ الهوية العربية والإسلامية بتسمية الأمور بغير مسمياتها “الشرق الأوسط الكبير”؟.

هل أمريكا جادة في تحقيق الديمقراطية في أوطاننا؟ هل هي على استعداد للقبول بنتائج صناديق الاقتراع، ولو كانت لصالح الحركات الإسلامية وبرامجها ومشروعها المجتمعي، ولو ذهبت بكراسي حلفائها ومن صنعوا على عينيها؟ هل يمكن لأمريكا أن تحترم إرادة الشعوب المسلمة في تحديد نظام حكمها، في حالة اختيارها للإسلام القائم على الشورى والعدل؟

ما المقصود من تحقيق المجتمع المعرفي؟ هل بتمكين الشعوب المسلمة من محاربة الأمية والتسلح بالمعلوميات والعلوم والتكنولوجيا والتقانة المحتكرة من طرف الغرب؟ أم الهدف هو الدعوة لإصلاح التعليم بمحاربة كل ما يمت بصلة لكتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم في برامجنا التعليمية، بدعوى أنهما يربيان على العنصرية والكراهية حتى تنسلخ الأمة عن هويتها وتتجرد من كل مقوماتها؟

وعن أي تنمية اقتصادية يتحدثون؛ هل سيمكنوننا من خيراتنا وسيرفعون أيديهم عن مصادرنا الحيوية؟ وهل سيتراجعون عن بخس أثمان موادنا الأولية وإغلاء أثمان موادهم المصنعة؟ أم سيزيلون مشنقة الديون عن رقاب شعوبنا، ويكسرون قيود المديونية التي يتحكمون في أسعار فوائدها الربوية، والتي تثقل كاهل الأمة عن أي انعتاق أو تحرر اقتصادي؟ ليس العيب أن يقدم لك أحد يد المساعدة أو النصيحة، ولكن هل تنفصل النصيحة والمساعدة عن فعل الناصح والمساعد؟