مما نرثه عن الفتنة، وهو من أشد الأوبئة الاجتماعية فتكا، أنفة الناس عن الأعمال اليدوية والكسب الكاد. وبناء الإسلام يريد قلوبنا حية بالإيمان، وعقولا راسخة في العلم، وسواعد خبيرة صانعة. يخلف لنا الماضي الفتنوي شخصيات مزيفة، أنتجها الترف الطبقي، والتعليم النظري المستعلي على المهمات المباشرة العملية.

فتحت ظل الإسلام يكرم العامل، وتكرم الأطر المسماة وسطى، وتشجع المهارات المهنية واليدوية. ويكون العمل والكسب القيمة الأولى في الاقتصاد، يحرر العمل من طغيان رأس المال.

نقابات العمل والحرفيين والفلاحين والشغالين ينبغي أن يدخلها الإسلام. أعني إسلام الأخوة ونبذ الطبقية، والوقوف مع المستضعفين، وإنصافهم من الأغنياء. فما يريد الله عز وجل أن يكون المال دولة بين الأغنياء، لاسيما إذا كان الأغنياء كسالى لا يحسنون استثمار أموالهم فيما ينفع الأمة.

يجب أن يتحول هذا الحديث النبوي إلى وسام يعلق على صدر العاملين والمحترفين، ليصبح الفلاحون والشغالون في طليعة المكرمين تحت دولة الإسلام. تكريما تشريفيا وإنصافيا. نقسم لهم من الرزق على قدر جلالة هذا الوسام.

روى الطبراني والبيهقي عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “إن الله يحب العبد المحترف”. هذا يعطيهم في أعيننا الصدارة، لا نقلد اليساريين. هذا يعطي الصدارة في مجتمعنا للمسلم المحترف، إن كان عبدا لله، مؤمنا به سائرا مع ركب المؤمنين، لا كل كادح مكابد.

العمال تحت الإسلام -وكل مجاهد في خير الأمة عامل- جنبا إلى جنب مع التاجر المبرور. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيما رواه الإمام أحمد والبزار عن رافع بن خديج، وقد سئل: أي الكسب أطيب؟ قال: “عمل الرجل بيده، وكل بيع مبرور”.

لا يكون في الإسلام طبقة ضد طبقة، أقصد إسلام التجديد لا إسلام الفتنة. فرجل الصناعة والتجارة وأصحاب المشاريع بررة إن وفوا بحق الله وأنصفوا العامل والصانع. لا بد للدولة الإسلامية أن تغير الهياكل الموروثة بما يتلاءم مع البر الاجتماعي، وبعد تغيير الهياكل وأثناءه ينبري عامل الدعوة والتربية ليبث في النفوس الإيمان، وفي العزائم الإرادة، لتطبيق لوازم البر كما أمر الله تعالى حيث قال: ( ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب. ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيئين. وآتى المال على حبه ذوي القربي واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب، وأقام الصلاة وآتى الزكاة والموفون بعهدهم إذا عاهدوا والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون(. (سورة البقرة، الآية: 177)

كل طفيلي لا ينفع ماله المسلمين فليس من البر في شيء. وكل كانز كذلك! وكل مستغن لا يؤتي بعد الصلاة والزكاة ماله إيثارا على نفسه ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل فليس من البر في شيء. لا سيما والأمة كالأيتام في مأدبة اللئام والفقر فاحش، والحاجة ضاغطة!

لا تعايش تحت الإسلام بين الفقر المدقع والغنى الفاحش. وما تقريب الشقة بالأمر الهين. والله أكبر!