إن التغيير المنشود ينبغي أن يبدأ من البداية، والبداية كما نراها، هي إعداد ميثاق وطني أو إسلامي، سمه ما شئت، ما دمنا ننطلق جميعا من كوننا مسلمين، ميثاق يحدد معالم النظام السياسي الذي يرتضيه الجميع دون إكراه أو إقصاء، ويسطر المبادئ التي ينبغي أن يلتزم بها الجميع، ثم بعد ذلك يكون الدستور الذي يحدد الصلاحيات والاختصاصات بشكل يرتفع معه الغموض المهيمن الآن، ويزيل كل إمكانية للتسلط والجبروت والانفراد بسلطة القرار.

ما تعليقكم على النقاش الدائر مؤخرا حول ضرورة إصلاح دستوري يتناول اختصاصات الملك؟

لا شك أن الواقع السياسي الذي يعيشه بلدنا، والأزمات الاقتصادية والاجتماعية التي يتخبط فيها، والمشاكل التي تتراكم وتنذر بأسوأ العواقب، كل ذلك يدعو إلى التفكير بجدية في سبيل التغيير أو الإصلاح الذي يبعد بلدنا عن الأخطار التي تتهدده، ويبوؤه المكانة اللائقة بين الأمم، والنقاش الجاري حاليا مسألة طبيعية وغير مستغربة، بل المستغرب هو ألا يكون هناك نقاش، وأن نبقى نتفرج والحال أن البلد يتردى يوما بعد يوم إلى الحضيض. لكننا نحن في جماعة “العدل والإحسان” لنا مقاربة مغايرة، وقد عبرنا عنها غير ما مرة، وإما بعبارات مختلفة، فنحن نرى أن النقاش الجاري لم يبدأ من حيث ينبغي أن يبدأ. إنه يجزئ الموضوع، ثم يتناول الأجزاء كلا على حدة، وبذلك تضيع النظرة الكلية والمقاربة الشاملة التي ينبغي أن تعتمد لمعالجة النظام السياسي المغربي. فالمسألة لا تتعلق ببعض بنود الدستور أو اختصاصات الملك، أو الحكومة أو البرلمان أو ما إلى ذلك، المسألة أعمق من ذلك، كله، وينبغي أن تؤكد في كليتها ثم ينظر في المقاربة الشاملة والمناسبة لمعالجتها. نحن بكلمة واحدة حيال نظام، شئنا أم أبينا، وشاء هذا النظام أم أبى يكرس الاستبداد ويهمش الكفاءات، ويلغي عمليا، وحتى لو لم يقصد ذلك، كل إمكانية للنهوض والخروج بالبلد من المأزق الذي يتردى فيه منذ أمد بعيد. فالمشكلة لا تنحصر في فرد وإنما في جهاز شب على ممارسات عتيقة وشاب عليها، ولا خبر له ولا استعداد بمطالب العصر وضروراته، لذلك فإني أعتقد أن السؤال المطروح اليوم هو من أين نبدأ؟ فإذا صحت البداية أشرقت النهاية. أما أن نمسك بالموضوع من أي نقطة وكيفما اتفق، فما أحسب أنه سيكون للنقاش أي جدوى.

يقدم الفصل 19 من الدستور الملك على أنه أمير المؤمنين، وحامي حمى الملة والدين. ما هو تصوركم لمؤسسة إمارة المؤمنين؟

الحديث عن إمارة المؤمنين لا يتسع له استجواب صحفي، وفضلا عن ذلك، فالموضوع من “المحرمات السياسية” إلا أن تقول فيه الكلام الرسمي المباح. ولا شك أنك تذكر أن الأستاذ محمد عبادي كان قبل أسابيع، قد قدم للمحاكمة وحكم عليه بسنتين نافذتين ابتدائيا قبل أن يبرأ في المرحلة الاستئنافية. وقد كان سبب المتابعة أنه استشهد بحديث نبوي شريف وهو حديث الخلافة على منهاج النبوة. فإذا كان مجرد الاستشهاد بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم يتناول النظام السياسي الذي ستعرفه أمته قد أدى إلى ما أدى إليه، فما بالك بالحديث الصريح للمساهمة في معالجة إشكالية مطروحة ولا يمكن القفز عليها إن كنا نريد بالفعل أن نؤسس لبداية صحيحة وتغيير حقيقي. وعلى كل حال فموقف العدل والإحسان معروف ولا فائدة من التكرار.

يرى البعض أن مناقشة إمارة المؤمنين، تفتح الباب أمام العلمانية. ما هو ردكم؟

هناك من يفكر بلونين، إما بالأبيض أو الأسود، وكأنه ليس هناك الاختيارات، من حيث أن الواقع يؤكد أن هناك خيارات متعددة، هذا من جهة، أما من جهة أخرى، فإن النقاش ينبغي أن يكون مفتوحا ويتناول كافة القضايا. فما العيب في ذلك وما الخطر أن يدلي كل بدلوه ويتكلم بما يراه. ولاشك أن الصواب سيجد مكانه ومكانته وأن الآراء الفاسدة سيتجاهلها الناس. أما أن تكمم الأفواه بحجة أو أخرى، فهذا ما لا يمكن أن يفيد مجتمعنا أو بلدنا في شيء، بل إنه قد يسبب حالة من الكبت والاحتقان فتنفجر يوما ما وتأتي -لا قدر الله- على الأخضر واليابس.

هل ترون أن الإصلاح الدستوري على هذا المستوى ضرورة ملحة؟

ما زلت تصر على طرح نفس النوعية من الأسئلة، وأكاد أتمسك بنفس “الدفع”، كما يقول المحامون، وإن اختلفت العبارات، أو أدخلت بعض الإضافات، ربما لاختلاف زوايا النظر أو لأنك تنطلق من مقاربة تباين المقاربة التي نتبناها نحن في العدل والإحسان. مرة أخرى أقول إن الإصلاح كل لا يتجزأ إلا للضرورات الإجرائية، وهو يقتضي شروطا لابد منها وفي مقدمتها وجود إرادة سياسية حقيقية للتغيير والإصلاح، وإلا كان الحديث بهذا الصدد كلاما استهلاكيا لا معنى له، أو تعلقا بالأوهام ليس إلا. وحينما أقول إن الإصلاح كل لا يتجزأ فهذا لا يعني أنه ينبغي أن يتم طفرة واحدة. فهذا لا يقول به عاقل. لكن التدرج المطلوب شرعا وعقلا شيء، وتسويق الأوهام شيء آخر تماما. يتحدث بعض الناس عن الإصلاح الدستوري وكأن ذلك ممكن جدا، دائما الخلاف يكمن فيما إذا كان ضرورة ملحة أم لا. أعتقد أنه ينبغي أن نحترم ذكاء الناس وأن لا نتحدث عن شيء يعلم عامة الناس فضلا عن اعتقادهم أن إمكانية تحقيقه إن لم تكن مستحيلة، فهي بعيدة الاحتمال في ظل الشروط الراهنة! الإصلاح غير ممكن ما دام الأسلوب المخزنبي في تدبير الشأن العام مازال مهيمنا، وليس هناك استعداد لسماع صوت العقلاء، أو الاعتبار بأحداث التاريخ القريب والبعيد، إن التغيير المنشود ينبغي أن يبدأ من البداية، والبداية كما نراها، هي إعداد ميثاق وطني أو إسلامي، سمه ما شئت، ما دمنا ننطلق جميعا من كوننا مسلمين، ميثاق يحدد معالم النظام السياسي الذي يرتضيه الجميع دون إكراه أو إقصاء، ويسطر المبادئ التي ينبغي أن يلتزم بها الجميع، ثم بعد ذلك يكون الدستور الذي يحدد الصلاحيات والاختصاصات بشكل يرتفع معه الغموض المهيمن الآن، ويزيل كل إمكانية للتسلط والجبروت والانفراد بسلطة القرار.

يرى حزب العدالة والتنمية أن الأولوية الآن في المغرب للإصلاح السياسي وليس للإصلاح الدستوري لدرجة أن مؤتمره الأخير تجاهل ورقة أعدها مصطفى الرميد حول الموضوع. ما هو تعليقكم على موقف حزب العدالة والتنمية؟

لحزب العدالة والتنمية رأيه وأولوياته، وهي منسجمة مع موقفه العام. ونحن لا يمكن أن نحاكمه انطلاقا من موقفنا واجتهادنا، ولذلك فإذا قلنا إننا لا نتفق معهم، فهذا تحصيل حاصل. لكن يبقى أن الجهة المؤهلة لأن تقول كلمتها الفصل في مدى صواب أي مقاربة أو اجتهاد هي الزمن. وأعتقد، والله تعالى أعلم، أن الأعوام المتبقية من العقد الحالي كافية وكفيلة بتجلية الصورة، وتبيان المنهج الخطأ من الصواب.

كتابات الأستاذ عبد السلام ياسين تركز على حديث الخلافة “ستكون في أمتي خلافة على منهاج النبوة ثم..” هل ما زلتم ترون أن الحل يكمن في خاتمة الحديث أي العودة إلى الخلافة كما كانت في قالبها التاريخي؟

حديث الخلافة على منهاج النبوة الموعودة ليس رأيا للأستاذ عبد السلام ياسين أو لغيره حتى يمكن مراجعته أو التخلي عنه. إنه صادر عن الصادق المعصوم صلوات الله وسلامه عليه، الذي لا ينطق عن الهوى (ما هو إلا وحي يوحى)، ولذلك فمازلنا مؤمنين والحمد لله نؤمن ونصدق بما وعد به الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، وسنبقى كذلك بحول الله. لكن هناك ملاحظتان لابد من الإشارة إليهما: أولا ليس من منطوق الحديث ولا مفهومه ما يفيد أن المعنى المراد هو عودة الخلافة بشكلها الحرفي التاريخي، لسبب بسيط وهو أن الزمان غير الزمان والظروف غير الظروف والإسلام جاء لكل زمان ومكان. وإذا كانت الفتوى تقدر زمانا ومكانا وشخصا، فما بالك بشكل نظام الحكم. إن الروح هو المطلوب وليس الشكل، وروح الخلافة الراشدة هو الحكم بالعدل والشورى وصون كرامة الإنسان، واختيار الحكام ومراقبتهم ومعاونتهم إن أحسنوا وتنبيههم وتقويمهم إن أساؤوا، وعزلهم إن ركبوا رؤوسهم وتمادوا في الإساءة وتعويضهم بآخرين، ونحن نعتقد أن التطورات المحلية والدولية كلها تفتل في حبل الموعود النبوي وتسير في الاتجاه الذي بشر به الرسول صلى الله عليه وسلم. أما الملاحظة الثانية فتتعلق بالموقف الشرعي المرتب عن هذه النظرة، فحينما نقول أننا نوقن ونصدق بما وعد به الله ورسوله من عودة الخلافة على منهاج النبوة مرة أخرى، فهذا لا يعني أنه ينبغي أن نقعد وننتظر. فهذا لا يقول به من لديه أدنى معرفة بإسلامه. المطلوب منا شرعا أن نعمل ونجتهد لزماننا وأن نسعى لما وعدنا الله به ورسوله صلى الله عليه وسلم، لا أن ننتظر انتظار الكسالى والبطاليين.