حضارة تفتقر إلى القيم مصيرها إلى زوال

الدكتور عبد العزيز الرنتيسي

لكل حضارة جناحان لابد من نهوضهما معا حتى يكتب لها البقاء، وفقدان أي من الجناحين حتى وإن تعاظم الجناح الآخر لا يكفي لبقاء الحضارة، والجناح الأول وهو الأهم جناح القيم، والجناح الثاني جناح العمارة والتقدم المادي، وحضارة الغرب ما من شك أنها أثرت البشرية في الجانب المادي، حيث الثورة الصناعية والثورة المعرفية، مما جعل من الكرة الأرضية قرية صغيرة، ناهيكم عن غزو الفضاء وما تمخض عنه من فوائد علمية، وكل ذلك سخر لراحة الإنسان واستمتاعه بالحياة، وبالرغم من أنها على الصعيد المادي أيضا تفننت في صناعة الموت بتطويرها لأسلحة الدمار الشامل مما يهدد الحياة على وجه الأرض، إلا أننا نقر ونعترف أن الحضارة الغربية أبدعت في المجال المادي بصورة غير مسبوقة.

وأما جناح القيم في الحضارة الغربية فقد ضمر وتلاشى تماما، مما أفقدها توازنها، ومن ثم قدرتها على البقاء، ويسجل ذلك الشهيد “سيد قطب” في كتابه “معالم في الطريق” قائلا ( إن قيادة الرجل الغربي للبشرية قد أوشكت على الزوال، لا لأن الحضارة الغربية قد أفلست ماديا أو ضعفت من ناحية القوة الاقتصادية والعسكرية، ولكن لأن النظام الغربي قد انتهى دوره لأنه لم يعد يملك رصيدا من القيم يسمح له بالقيادة )، وصدق سيد قطب رحمه الله فلا تكاد تسمع من الغرب إلا شعارات خادعة تفتقر إلى المضمون.

ففي الوقت الذي تتحدث فيه أمريكا عن العدالة المطلقة، نرى أنها تمارس على أرض الواقع أبشع صور الظلم، فهي التي تقف بكل قوتها مع الاحتلال الصهيوني، تسانده بكل أشكال الدعم العسكري والاقتصادي والإعلامي والمعنوي والسياسي والدبلوماسي بدون تحفظ، وتصم الشعب الفلسطيني المعتدى عليه بالإرهاب في الوقت الذي تبرئ فيه ساحة الصهيوني المعتدي من هذه التهمة، وأمريكا تحمل المسلمين مسئولية ما أصابها في الحادي عشر من سبتمبر دون أن تقدم دليلا واحدا، بل تعتم بوضوح على الفاعل الحقيقي والذي كل الدلائل تشير أنه أمريكي صهيوني أو يهودي، وهذا يعني أن حضارة الغرب تفتقر لأهم قيمة أرسى قواعدها الإسلام وهي العدل ( ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى ).

وفي الوقت الذي تزعم فيه أمريكا أنها راعية الديمقراطية والحريات في العالم، نرى أنها تدعم الأنظمة الدكتاتورية في العالم خاصة في عالمنا العربي والإسلامي، بل وتحرص على بقائها وترعاها وتوفر لها الحماية، وتشجعها بل وتكرهها على مصادرة الحريات لشعوبها، وتكميم الأفواه، وانتهاك حقوق الإنسان.

وفي الوقت الذي تتحدث فيه أمريكا عن إعلان الحرب على الإرهاب، نراها تمارس الإرهاب بأبشع صوره من غطرسة وتدمير وقتل ونهب وتحقير لكل شعوب الأرض، وإلا ماذا يمكن أن نسمي قتل مئات الآلاف من البشر في هيروشيما وناجازاكي، وقتل الأبرياء في ملجأ العامرية بالعراق، وتدمير مصنع الشفاء للدواء في السودان، وقتل الأطفال والشيوخ والنساء ومحو القرى بكاملها في أفغانستان، وماذا يمكن أن نسمي تهديد “بوش” من لم يكن معنا فهو مع الإرهاب، إلا أنه إعلان الحرب على كل من لم يقف مع أمريكا في معركتها ضد الإسلام، وأقول ضد الإسلام لأنها لو كانت ضد الإرهاب لكان أولى بأمريكا أن تعلن الحرب على الكيان الصهيوني الذي يذبح الأطفال، ويصر على الاحتلال، ويشرد أكثر من أربعة ملايين فلسطيني من وطنهم، ويدنس المقدسات، ويحاصر ويجوع، ويعتقل الآلاف من شباب وشيوخ المسلمين، ويسقط الأطفال في ممارسات جنسية قذرة عن طريق الاغتصاب بهدف ربطهم بشبكات العمالة، فلو كان لأمريكا بقية من مصداقية لتصدت للإرهاب الصهيوني بدلا من تأييده ودعمه وتزويده بكل آلات الدمار، ولأعلنت دعمها لمقاومة شعبنا المشروعة من أجل التحرر ودحر الاحتلال.

وفي الوقت الذي تتحدث فيه أمريكا عن حقوق الإنسان نراها تسحق الإنسان، تجوع الأطفال حتى الموت كما تفعل في العراق، وتفرض الحصار على الشعوب كما تفعل في السودان وليبيا والعراق وكوبا وباكستان وغيرها من دول العالم، وتنهب الخيرات كما يحدث في بلادنا حيث تنهب ثرواتنا وعلى رأسها البترول، وتفرض علينا التخلف فيكل الميادين وعلى رأسها ميدان الصناعة حتى نبقى سوقا لمنتجاتها، ونراها تمارس التمييز العنصري البغيض بأبشع صوره، فهناك الملايين الذين يفترشون الأرض ويلتحفون السماء على الأرصفة من الطبقات المعدمة، ناهيكم عن دعمها المطلق للعنصرية التي يمارسها اليهود الصهاينة ضد المسلمين كما تجلى ذلك في موقفها من مؤتمر “دوربان” في جنوب أفريقيا.

وأما عن الانحطاط الخلقي فحدث ولا حرج، فقانون الحرية الشخصية في الغرب يرعى ويحمي كل خلق ذميم، فالزنا والربا وشرب الخمر واللواط والخيانة الزوجية وبيوت الخنا ودور القمار والأفلام الإباحية وغيرها مما تحرمه الأديان تعتبر من الحريات التي يمارسها الإنسان في أمن تام في ظل القانون، ومن دس أنفه ليصحح هذه الأخلاق الهابطة، فيأمر بالمعروف وينهى عن المنكر يقع في طائلة القانون ويعاقب، حتى من اعترض على مسلكيات ولده أو ابنته لا ترحمه قوانين الغرب، وهذا أدى في النهاية إلى تفكك الأسرة وتحلل المجتمع، مما خلق حالة من الاضطراب النفسي على مستوى الفرد، مما أدى إلى زيادة مطردة في أعداد المنتحرين رغم توفر كل أسباب الراحة على المستوى المادي.

من كل ما سبق نستطيع القول أن الغرب نجح في كسب الأعداء بسبب سياسته الخارجية، كما نجح في تدمير الفرد والمجتمع بسبب خواء الروح وضياع القيم، فهل يمكن أن ينقذه من الانهيار تقدمه المادي ؟!!

لماذا يتنافس الشباب الفلسطيني على العمليات الاستشهادية ؟

بقلم : الدكتور عبد العزيز الرنتيسي

لقد أذهل شباب فلسطين العالم بأسره وهم يحوّلون أجسادهم إلى قنابل ذكية ، و أكثر العالم ذهولا كان محور الفساد و الشر الذي تتحكم في أفعاله المجرمة قوة غاشمة و حقد أسود على المسلمين ، و لِمَ لا يصيبه الذهول و الإرباك و قد بدت الجدر الأمنية عاجزة صاغرة أمام هذه القنابل البشرية ، و شباب فلسطين لا يتوانون في انتقاء أهدافهم بدقة متناهية ليحوّلوا حياة المحتلين إلى دمار ، لا يقتصر على الحافلة و الصالة و المطعم و السوق ، و لا على الاقتصاد و المعنويات و الهجرة و الحياة اليومية ، و لكنه دمار زلزل قناعتهم في إمكانية استمرار وجودهم على ما اغتصبوا من أرض المسلمين ، و ضيّع آمالهم في مزيد من التوسع على حساب دولنا العربية التي لم تعد تملك إرادة التصدي للعدوان الصهيوني الغاشم ، خاصة أن أمريكا بما تملك من قوة ظالمة تقف من وراء هذا الإرهاب الصهيوني ، توفر له الغطاء اللازم ، و تمدّه بكل أسلحة الدمار الشامل ، ليواصل الصهاينة عدوانهم دون رادع من قانون دولي ، و لا وازع من ضمير أو خلق أو دين .

و لما كانت العمليات الاستشهادية سلاح المستضعفين في مواجهة من ظنّوا أنهم يملكون الحق المطلق في إذلال البشرية و امتصاص خيراتها ، و لما كان هذا السلاح سلاحا استراتيجيا رادعا و هاما في مواجهة أسلحة الدمار الشامل التي يمتلكها محور الفساد و الشر في العالم ، عملت قوى الشر جاهدة من أجل تجريد المستضعفين من هذا السلاح ، فشنّت حملة إعلامية قذرة وصمت فيها العمليات الاستشهادية بـ (الإرهاب) الذي يفتك بالمدنيين (الأبرياء) ، و كأن محور الفساد و الشر يقيم وزنا للمدنيين و الأبرياء خاصة إذا كانوا من المسلمين ، و كأن الصهاينة الغاصبين مدنيون و أبرياء !! .

و ما لبث هذا المحور أن دفع ببعض المنتفعين ممن ينتسبون زورا و بهتانا لهذا الشعب الفلسطيني المعذّب ، ليشنّوا حملة مشبوهة ضد العمليات الاستشهادية ، و ينالوا من كرامة الشهداء ، و قد وفّر لهم الدعم المادي و الإعلامي و المعنوي .

و لما فشلت كل المحاولات الرامية لوقف العمليات الاستشهادية ، نشط الباحثون و المحللون و السياسيون و الخبراء لدراسة هذه الظاهرة بهدف القضاء عليها ، و لما كان لكل فعل دوافعه ، استنفر معسكر الفساد و الشر كل قواه لمعرفة الدوافع التي تجعل الإنسان يصنع من جسده العاري – إلا من الإيمان – قنبلة بشرية ، و حتى لا أترك محور الفساد و الشر في حيرته أودّ أن أضع بين يديه بعض الدوافع لعله يعالجها  و ما أظنه فاعل – كي يجرّد الشباب المسلم من هذا السلاح المؤثر و الرادع :

أولا : الدفاع عن النفس : ما يمارسه الصهاينة بدعم من محور الفساد و الشر في العالم من قتل متعمد و بدم بارد لأبناء المسلمين العزل في فلسطين ، حيث يقوم الصهاينة بالفتك بالمسلمين من أطفال و شباب و شيوخ و نساء في مذابح جماعية و اغتيالات فردية ، و على مدى ما يزيد على القرن ، فلا تكاد ترى بيتا فلسطينيا واحدا قد نجا من مأساة مؤلمة ، و قد خلفت هذه المذابح آلاف الأرامل و الثكالى ، و عشرات الآلاف من الأيتام ، فكيف يمكننا أن نصون دماء أبناءنا إن لم يدفع العدو ثمن جرائمه ؟!! .

ثانيا : الدفاع عن الوطن : فاغتصاب فلسطين و طرد شعبها و قد استولى عليها الصهاينة عام 1948 بقوة السلاح ، و تشريد الملايين من أبنائها يتجرّعون الذل و الهوان و الحرمان في مخيمات اللجوء ، بينما يقيم الغزاة من الصهاينة دولتهم على أنقاض شعبنا و على تلال من جماجم أبنائنا ، و على حساب دماء و دموع و آهات أطفالنا و نسائنا ، فكيف يمكننا أن نحرر أرضنا و نعيد المشرّدين من أبناء شعبنا إلى مدنهم و قراهم و نضع حدا لمعاناتهم إن تخلينا عن سلاحنا الذي أفقد العدو أمنه و استقراره ؟! ..

ثالثا : الدفاع عن المقدسات : فكيف السبيل لتطهير مقدسات المسلمين وعلى رأسها المسجد الأقصى من دنس الصهاينة، وكيف السبيل لإعمار العديد من مساجد فلسطين التي أصبحت أثرا بعد عين بعد تدمير الصهاينة لها، أو تحويلها إلى زرائب وحانات للخمور، إمعانا في إذلال المسلمين والنيل من كرامتهم وعقيدتهم.

رابعا: الدفاع عن حرية المعتقلين: فلا زال الاحتلال يمارس حملة اعتقالات واسعة ضد المدنيين العزل، ويحتفظ بأكثر من عشرة آلاف فلسطيني في ظروف اعتقال مأساوية لاإنسانية، فيما يسمى بمعتقل أنصار في صحراء النقب، فكيف يمكنهم أن يتنسموا الحرية ما لم يدفع الصهاينة ثمن الاحتفاظ بهم باهظا؟

خامسا: الدفاع عن حقوقنا السياسية والمدنية: فلابد من التصدي لضغوط محور الفساد والشر التي تمارس على السلطة الفلسطينية ودولنا العربية كي تقوم بملاحقة الشباب الإسلامي، والتضييق عليهم، واعتقالهم، واغتيالهم، وحرمان التنظيمات الإسلامية من ممارسة حقوقها المدنية والسياسية، ومنعها من المشاركة في تقرير مصيرها، ومحاصرتها، وعزلها، والتصدي لأنشطتها المشروعة التي تصب في مصلحة الوطن العليا، واتهامها ووضعها على قوائم الإرهاب، وشن حملات إعلامية ظالمة ومفتراة ضدها.

سادسا: الدفاع عن حق الشعب الفلسطيني في حياة كريمة: وذلك بمواجهة سياسة الحصار والدمار والتجويع التي يمارسها الصهاينة بدعم من محور الفساد والشر، بهدف تركيع وإذلال الشعب الفلسطيني، وإغلاق المؤسسات الخيرية التي تقدم العون لضحايا الإرهاب الصهيوني من أيتام ومعوزين، وحرمان الشباب الفلسطيني من أي فرصة للحياة الكريمة في ظل دولة تقام على ترابه التاريخي.

سابعا: الدفاع عن الثروات الوطنية والقومية: فلابد من وضع حد لما يقوم به محور الفساد والشر من نهب لخيرات المسلمين، مما جعل الملايين من أبناء الأمة يموتون جوعا، بينما يتمتع الغرب الحاقد ومعه الصهاينة الأشرار بما يسلبونه من أموالنا وثرواتنا القومية، وتسخيرها لضربنا، ونشر الفساد في بلادنا، والعمل المحموم على صرفنا عن قيمنا ومبادئنا ومثلنا.

ثامنا: تعزيز ثقة أمتنا العربية والإسلامية بقدراتها: ففي ظل التهديد المستمر من قبل محور الفساد والشر لدولنا العربية والإسلامية، فلا تكاد ترى دولة آمنة من تهديدهم ووعيدهم وعدوانهم، ووصمهم دولنا العربية والإسلامية بالإرهاب في الوقت الذي تعاني فيه كافة شعوبنا العربية والإسلامية من إرهاب محور الفساد والشر، فمن فلسطين إلى الشيشان، وكشمير، والبوسنة والهرسك، وكوسوفا، والعراق، وأفغانستان، وغيرها من بلاد المسلمين المستضعفة، في ظل ذلك لابد من إعادة ثقة الأمة بقدرتها على الدفاع عن نفسها، وتحقيق ما تصبو إليه من نصر وتمكين.

تاسعا: طمع الشباب المسلم في مغفرة الله ورضوانه: فلا نشك لحظة أن من يجود بدمه دفاعا عن أرض وكرامة وعقيدة ودماء المسلمين شهيد كريم على الله، وخيرة هؤلاء الشهداء المتصدرون للعمليات الاستشهادية، فأمل الشباب المسلم كبير في حياة أفضل في جنة عرضها السماوات والأرض، فإن كان محور الفساد والشر لا يؤمن بذلك فهو وشأنه، أما نحن فعلى ثقة بكتابنا ونبينا صلوات ربي وسلامه عليه وبوعد الله لنا.

الحركات الإسلامية هي المستقبل … لماذا؟بقلم : الدكتور عبد العزيز الرنتيسي

إن تقدم الحركات الإسلامية لا يحتاج إلى تقديم الأدلة، فهناك تراجع واضح لكل التوجهات المناوئة للفكر الإسلامي في الشارع العربي والإسلامي لصالح الحركات الإسلامية، ففي الانتخابات الأخيرة في كل من المغرب وباكستان والبحرين سجلت الحركات الإسلامية فوزا منقطع النظير، ومن الملفت للنظر أن هذا التقدم يأتي رغم التضييق على الحركات الإسلامية، وملاحقتها، وحرمانها من الكثير من الحقوق التي تتمتع بها التوجهات الأخرى، فأحينا لا تستطيع أن تقيم حزبا، وإذا سمح لها بإقامة حزب فلا يسمح لها بامتلاك منبر إعلامي، ثم لا يلبث أن يضيق عليه بإصدار الأوامر بحل الحزب، أو اعتقال زعيمه، أو إعدامه سياسيا بإقصائه عن الحلبة السياسية.

ثم لا ننسى التضييق على المؤسسات الخيرية الإسلامية، سواء كانت اجتماعية أو تعليمية أو صحية أو ثقافية أو غير ذلك، وكذلك الحملات الإعلامية الظالمة والموجهة للنيل من الحركات الإسلامية وقادتها ورموزها، وتأتي تلك الحملات من جهات تملك ناصية الإعلام والتوجيه، فلا تتورع أن تلبس الحق بالباطل والباطل بالحق، فهي تملك الإعلام والتعليم والمؤسسات، وفي نفس الوقت تفتقر إلى الضمير الذي يمكن أن يكبح جماح نزواتها وأحقادها على الإسلام وحملة لوائه، ومن أخطر ما يواجه الحركات الإسلامية أن خصومها يملكون السلطة التي لا يتورعون في استخدامها للقمع والتهديد والتصفية والاعتقال والترهيب.

بالرغم من ذلك فقد أثبتت الحركات الإسلامية حضورا لا تستطيع القوى العظمى في العالم أن تغض الطرف عنه، ويقف الغرب أمام هذا المد الإسلامي في حالة من القلق، فمن ناصح لأمريكا أن تقوم بحملة عدائية شرسة ضد تلك الحركات، وأن تعمل على شطبها من الوجود بقوة السلاح، ومن مشفق يخشى المستقبل كرئيس “السي آي إيه” سابقا “فوللر” الذي يرى أن على أمريكا أن تعترف بالحركات الإسلامية كواقع سياسي لا يمكن تجاهله، وأن تتقبل الحقيقة القائلة بأن هذه الحركات الإسلامية تشكل المستقبل الواعد في أقطارها.

ويبقى السؤال مطروحا بقوة، لماذا تقدمت الحركات الإسلامية رغم تلك العقبات والقنابل التي تعترض طريقها ؟ وهل في مقدور قوى الشر في العالم أن توقف هذا الزحف القادم ؟

قد يعتقد بعض المحللين أن ما تقدمه الحركات الإسلامية من خدمات لشعوبها هو السبب الأهم في ذلك، خاصة إذا ما أضفنا إلى ذلك إخفاق العديد من الأنظمة في تقديم يد العون لتلك الشعوب، وفشلها في انتشالها من براثن الجهل والفقر والمرض، مضافا إلى ذلك اتهام الشعوب للأنظمة بالفساد المالي والإداري والأخلاقي وغيرها من أشكال الفساد التي ضاعفت من معاناة الشعوب.

ما من شك أن هذا سبب له وجاهته، ولكن لا يمكنه أن يفسر تقدم الحركات الإسلامية في بلدان غنية، تتفانى أنظمتها في تقديم الخدمات لشعوبها، كما أنه لا يستطيع أن يقدم تفسيرا لازدهار الحركة الإسلامية في أوروبا وأمريكا ومختلف أقطار العالم.

وأصحاب هذا الرأي يرون أن التصدي للمد الإسلامي، وقطع الطريق عليه إنما يتم عن طريق إصلاح الحكومات، وإخلاص الأنظمة لشعوبها والقضاء عن كل أشكال الفساد، هذا صحيح ولكنه يبدو بعيد المنال، فمن شب على الفساد شاب عليه.

ولكن الأمر أعمق من ذلك وأبعد بكثير، وعلينا إذا أردنا أن نتبين الأسباب الحقيقية أن نقلب النظر في جوهر الإنسان ومعدن الشعوب، ثم علينا أن ننظر في الدور الكبير الذي تلعبه الحركات الإسلامية محليا وإقليميا، عندها فقط سنعرف الإجابة الحقيقية.

إن خطاب الحركات الإسلامية للشعوب خطاب ينسجم تماما مع فطرة هذه الشعوب ( فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها ) إذن هي تخاطب الفطرة فتنسجم فيما تطرح مع جوهر وحقيقة الإنسان، بينما غيرها يخاطب الشهوات على اختلافها، شهوة المنصب والجاه والمال والنساء، ولما كانت الغالبية الساحقة من شعوبنا العربية والإسلامية على فطرة الإسلام، حدث الاضطراب والصراع الداخلي بين الشعوب والأنظمة التي فرضت على شعوبها مناهج وأفكارا مستوردة بقوة السلاح وليس بقوة الحجة والمنطق، فجاءت الحركات الإسلامية لتلبي نداء الفطرة، وتهزها من الأعماق، فلاقت القبول من أصحاب الفطر السليمة التي لم تفسدها رغائب الجسد.

ثم إن خطاب الحركات الإسلامية خطاب ينسجم مع الكرامة الإنسانية، فالحركات الإسلامية هي التي تحمل لواء الجهاد دفاعا عن كرامة الأمة، وليس لأغراض تكتيكية أو أهداف فئوية أو شخصية ضيقة، وهي التي تجعل الأمة تعيش معاني الكرامة واقعا عمليا ملموسا، فلا تقبل بأسباب الذل والهوان، وترفض التنازل عن شبر من أرض المسلمين رفضها التخلي عن التمسك الفرائض.

فالحركة الإسلامية في فلسطين كانت ولا تزال عاملا هاما في التصدي لكل المؤامرات التي حيكت من قبل أمريكا وأوروبا وتل أبيب بهدف تصفية القضية والوجود الفلسطيني، فاصطدمت تلك المؤامرات بصلابة الحركة الإسلامية وتشبثها بالحقوق كاملة غير منقوصة، ورفضها التنازل عن أي منها، واستعدادها لدفع ثمن موقفها هذا، ففي مرج الزهور أغلقت باب الإبعاد ودفعت الثمن، وفي فلسطين جادت بأرواح خيرة أبنائها في عمليات استشهادية أقضت مضاجع العدو، وكانت إذا وعدت شعبها وتوعدت عدوها أوفت، فحازت بسبب ذلك وبسبب عدم تبنيها لعمليات غيرها على مصداقية عالية، فكانت بذلك العنوان الحقيقي والممثل الأمين لكرامة الأمة.

بينما كان خصومها يقدمون في كل صباح تنازلات جديدة، ويتسابقون للتعاون مع العدو لضربها، وينشرون الإحباط والتثبيط عن المواجهة، بل وفتحوا باب إبعاد الفلسطينيين من وطنهم على مصراعيه، فما كان من الشعوب إلا أن لفظت هؤلاء الخصوم وتشبثت بعنوان الكرامة.

ثم إن خطاب الحركة الإسلامية خطاب ينسجم مع القيم والأخلاق، تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، بينما كان خصومها غارقون في الفساد، يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف، ولقد صبرت الحركات الإسلامية على كل أشكال الظلم والقهر التي لم يتردد خصومها في ممارستها ضدها، إلا أنها حافظت وبكل أمانة على نظافة سلاحها، فلم توجهه إلا إلى أعداء الأمة، فكم من فتنة خطط لها خصومها ولكنها وأدتها في مهدها حفاظا على وحدة الصف.

من أجل ذلك تتقدم الحركة الإسلامية، وتلتف من حولها الجماهير، وباتت تمثل المستقبل بإذن الله ( ليحق الحق ويبطل الباطل ولو كره المجرمون ).

الحمد لله

بقلم : الدكتور عبد العزيز الرنتيسي

اللهم لك الحمد على النجاة كما كنت سأحمدك على الشهادة ، فالنجاة من المؤامرة لها آثارها الهامة :

لقد كشفت للعالم حقيقة هؤلاء القتلة من الصهاينة اليهود ، و إن كانت حقيقتهم الدموية لا تخفى إلا على البسطاء من المسلمين الذين لم يقرأوا التاريخ و لم يتدبّروا القرآن ، أو على تلك الشعوب من غير المسلمين التي يقودها قادة من المتصهينين فلا يرون الأمور إلا بالعين الصهيونية .

لقد كشفت هذه العملية أيضاً عجز الجانب الأمريكي أو قل تواطؤه مع ما يمارسه الصهاينة من إرهاب ضد الشعب الفلسطيني ، و إن كان هذا الأمر أيضاً لم يكن خافياً إلا على البسطاء ، و لا يتنكّر لحقيقته من غير البسطاء إلا المتأمركين الذين أعمتهم مصالحهم الشخصية عن رؤية الحقيقة .

لقد بيّنت هذه العملية الفاشلة أيضاً لأصحاب البصر الكليل أن الأمر أولاً و أخيراً كله لله وحده ، (لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَ مِنْ بَعْدُ وَ يَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَ هُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ) (الروم 5:4) ، فليس في مقدور أحد غيره سبحانه تحديد آجال الخلق و مصائرهم ، و لا يشكّ في ذلك أصلاً إلا من ران على قلبه و عميت بصيرته و عاش جنون العظمة فهتف في داخله مع فرعون (أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى) (النازعـات: 24) .

كشفت هذه العملية الجبانة أن الشعب الفلسطيني ما زال بكلّيته بعقله بوجدانه بكلّ أحاسيسه مع المقاومة ، و أن الشعب الفلسطيني يستطيع أن يميز الخبيث من الطيب ، و أنه كان على وعي بكلّ ما يدور و لو في الخفاء .

لقد كشفت هذه العملية أن الأمة العربية و الإسلامية ممثلة بشعوبها قد حدّدت وجهتها ، و أنها باتت في شوق إلى نصر و لو كان على شاكلة فشل عملية اغتيال جبانة خطط لها العدو و ساهم في تنفيذها الخونة .

لقد كشفت هذه الجريمة أن هناك نفراً من أبناء هذا الوطن  و الوطن منهم براء – قد باعوا ضمائرهم و أنفسهم للعدو بأبخس الأثمان ، و أنهم قد أبدوا كامل استعدادهم للعب دورٍ قذر ضد أبناء شعبهم ، بل و ضد قضية هذا الشعب العادلة .

و يجري همس واسع الانتشار بين المتحرّرين من قيود الخوف و المسئولية ، فما أصدق الكلمة التي تخرج من أعماق قلوب نقية عذراء صافية ، لم يعكر صفوها حقد أعمى ، و لا تعبئة موجهة من ضالّ مضلل ، فقد حذّرنا كتاب الله من الموجهين الضالين المضلين (وَ لا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَ أَضَلُّوا كَثِيراً وَ ضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ) (المائدة: 77) ، فبعيداً عن قيود الخوف الذي يحرِم صاحبه أمانة كلمة حق أمام سلطان جائر ، و بعيداً عن قيود المسئولية التي تضفي على صاحبها شيئاً من التكلف و المجاملة مما يجعله بعيداً عن التعبير بصورة تعكس الحقيقة بدقائقها ، و بعيداً عن غشاوة الجهل و التعبئة الفاسدة الموجّهة ، ستنطق الفطرة بصفائها فلا تهمس في أذنك إلا بكلمة صدق و حق .

و لقد سمعت إجماع القلوب الصافية و هي تنظر بعين الريبة لبعض اللقاءات الأمنية التي سبقت العملية الإرهابية الصهيونية التي استهدفت حياتي يوم الثلاثاء الماضي العاشر من يونيو 2003 ، و من حق هذه القلوب المتحرّرة من أيّ تأثير أن ترتاب ، فإذا كان هناك كما تسرّب في الإعلام لقاء أمني جرى يوم الأحد مع موفاز ، و إذا كان قرار اغتيالي قد اعتمد يوم الأحد كما تسرّب أيضاً في الإعلام الصهيوني ، فكيف يمكننا تجاهل العلاقة مع تحرّك الطائرات في اليوم التالي – أي الإثنين  و لكن حظها العثر أني تنبهت لوجودها فترجلت من السيارة فوراً و أخذت أسير على الأقدام في شوارع غزة مما جعلها تعود أدراجها ، لتعاود متابعة صيدها في اليوم التالي الثلاثاء فتنجح في إصابة السيارة بقذائفها و حممها ، فلا يستطيع صاحب القلب النقي الذي لم يعكّر صفوه حقد أسود أو جهل أعمى أن يتجاهل مسئولية هذا اللقاء عن تلك الجريمة ، أو أن يقول إنها محض مصادفة و لا ارتباط بين الأمرين ؟!! ..

و في مقال لأستاذنا الأكرم عبد الله فهد النفيسي في صحيفة الوطن الكويتية بتاريخ 13/6/2003 بعنوان (رسالة مفتوحة إلى عبد العزيز الرنتيسي) ، وضع هذا المفكر العظيم إصبعه على موطن الداء و البلاء كما يراه فقال (عندكم يا عبد العزيز في فلسطين مشكلة أخطر بكثير من الصهاينة فالصهاينة عدو ظاهر من الممكن تحديده و معرفته و لكن العدو الأخطر المدمّر هو العدو المستتر الذي يمشي معك كتفاً بكتف و ربما يصلي معك فرضاً بفرض) ، ثم أضاف قائلاً : (إن الخونة  يا عبد العزيز  و المتعاونين مع الصهاينة يمشون في شوارع غزة و الضفة آمنين مطمئنين و ما لم يتطهّر الشارع الفلسطيني منهم و مجلس وزرائكم منهم فلن تأمن المقاومة و لن يأمن المجاهدون).

و تحت عنوان (لا تنخدعوا بالاستنكارات) كتب الدكتور عودة بطرس عودة في صحيفة العرب اللندنية بتاريخ 11/6/2003 ، فلم يبتعد في كثير أو قليلاً عما ذهب إليه الأستاذ عبد الله فهد النفيسي ، و لقد أفاض المفكّرون في تسليط الضوء على ما وراء الستار ، و لقد أجمعوا على أن هناك من قبِل لنفسه أن يلعب لعبة خطيرة جداً ، و لصالح من ؟ لصالح “شارون” ، و ضد من ؟ ضد الشعب الفلسطيني ، و ضد قضيته العادلة .

إن هذا اللاعب على ما يبدو إن كان ما ذهب إليه كتابنا على اختلاف مشاربهم صحيحاً فقد ينجح في ضربنا في أعزّ ما نملك & إنه يعمل على ضرب وحدة الصف الفلسطيني في الصميم و هي التي نعوّل عليها كثيراً في معركتنا مع الاحتلال ، إنه يشعل اللهيب داخل الصف الفلسطيني ليحيل الصراع إلى صراع فلسطيني داخلي بدلاً من كونه صراعاً فلسطينياً  صهيونياً ، إنه يهدّد مستقبل و وجود و مصير شعب بكامله ، و مستقبل و مصير قضية هي أعدل قضية عرفها التاريخ ، إنه يهدّد مستقبل اللاجئين و حقّهم في العودة ، و يهدّد مستقبل المعتقلين و حقّهم في الحرية ، إنه يقامر بالمقدسات و الوطن و كأنه تركة ورثها عن والده .

و تقترب إسلام أون لاين.نت / 15/6/2003 أكثر من بؤرة التسليط فتكشف عن تقرير ملخص لاجتماعات صهيونية فلسطينية عقدت قبل قمة العقبة الصهيونية الفلسطينية الأمريكية ، و بناء على “إسلام أون لاين.نت” فقد حصلت على نسخة منه بتسريب خاص من داخل مركز صهيوني معنيّ بمتابعة المفاوضات الصهيونية الفلسطينية ، عن خبايا و تفاصيل لم تنشر من قبل لما دار في تلك الاجتماعات ، وفي هذا الاجتماع يعلن صاحب الحظوة لدى أمريكا و شارون أنه على استعداد لتقديم المساعدة الميدانية لقتل الرنتيسي .

و لقد كشف جهاد الخازن الغطاء بتاريخ 16/10/2002 و ذلك في صحيفة الشرق الأوسط عن مكالمة هاتفية قد تمت بينه و بين صاحب الحظوة ، و قد هاتفه قائلاً : “أنا على أتم الاستعداد أن أرسل عشرة ليقتلوا الرنتيسي ثم أعتقلهم” ، هكذا و بكل بساطة ينظر إلى دماء الفلسطينيين .

إن اللقاءات الأمنية سيئة و مشبوهة و خطيرة و مدانة ، و أنها تسيء لوحدة الشعب الفلسطيني و لكرامته و تاريخه الجهادي الناصع ، فاللقاءات الأمنية لا يمكن أن تكون إلا لصالح الإرهاب الصهيوني ، و هدفها الأوحد هو توفير الأمن للاحتلال على حساب الأمن الفلسطيني ، إن الصهاينة و هم يعيشون المأزق هم في أمس الحاجة لأرعن يحلم بمملكة على ضفاف نهر من الدماء ، يكون لديه الاستعداد الكامل أن يبيد الشعب الفلسطيني من أجل إرضاء طيشه و هوسه.

لماذا اغتال الصهاينةُ الشيخَ ؟!

بقلم : الدكتور عبد العزيز الرنتيسي

لم أرد في هذا المقال أن أغوص في التحليل السياسي بحثا عن الأسباب التي دفعت اليهود الصهاينة لارتكاب هذه الجريمة النكراء، فهذا أمر قيل فيه الكثير ويمكن أن يقال فيه ما هو أكثر، وأهم ما قيل فيه وما يمكن أن يقال عن دوافع الصهاينة لارتكاب هذه الجريمة النكراء أن القتلة هم من اليهود الذين جُبلوا على سفك الدماء، فقتل المسلمين الذين يأمرون بالقسط جزء لا يتجزأ من شريعتهم التلمودية، بل ومن طقوسهم الدينية (وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الِّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ)، ولكني أردت في مقالي هذا أن أقلب النظر بحثا عن الحكمة الإلهية من وراء تمكينه سبحانه للصهاينة من دماء الشيخ رحمه الله رحمة واسعة.

فانطلاقا من إيماننا الراسخ أنه لا يجري في ملك الله إلا ما يريد (إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ)، وأن خيرة الله لعباده المؤمنين خير من خيرتهم لأنفسهم، وأن الأمور قد يظهر في نهايتها من الخير ما يناقض ما بدا في مطالعها من شر (فَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا)، فإنني على ثقة أن هناك حكمة إلهية من وراء ما حدث تنحصر  والله أعلم – في مكر الله بيهود (قُل لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ سَتُغْلَبُونَ) ونصر الله لعباده المؤمنين(وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ)، وفي إطار ما نؤمن به من حكمة ربانية فيما جرى يبرز السؤال الذي نحاول الإجابة عليه: لماذا مكَّن الله سبحانه اليهود من مرادهم في النيل من حياة الشيخ رغم أنه أفشلهم في محاولتهم السابقة؟ أنا واثق أن الحكمة من وراء ذلك لا يعلمها إلا الله جل في علاه، ولكننا نجتهد عل وعسى أن يفتح الله علينا، فينير عقولنا لبلوغ بعض من حكمته فيما حدث، فالأمر أولا وأخيرا بيده وحده (وَاللّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَـكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ).

ومن أجل ذلك وضعت بعض النقاط التي شرح الله صدري إليها آملا أن أكون قد اقتربت من الصواب، والسؤال الأول لماذا قدر الله للصهاينة في هذه المرة أن ينالوا من حياة الشيخ بينما أفشلهم في المحاولة السابقة؟

– ما من شك أن أجل الشيخ قد انقضى )فَإِذَا جَاء أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ(، فلم يشأ الله لهذا الشيخ المجاهد إلا أن تتوج حياته التي قضاها في سبيل الله بوسام الشهادة فاتخذه شهيدا )وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاء(، وأعظم الشهادة أن تأتي بغدر من قتلة الأنبياء عليهم السلام، ولقد كنت أرى كطبيب أن صحة الشيخ في الأيام الأخيرة كانت في تدهور مستمر، لدرجة أنني كنت أشعر في قرارة نفسي بقلق شديد على حياة الشيخ وقد أسررت إلى بعض الإخوة بقلقي هذا، وهذا الشعور كان قد انتاب العديد من الإخوة القريبين من الشيخ أيضا، وشاركني في ذلك الدكتور محمود الزهار الذي راعه ما رأى من ضيق في التنفس كان يعاني منها الشيخ، بينما لم تكن صحة الشيخ في أي وقت سابق على هذه الدرجة من الخطورة وإن كان المرض دوما ملازما له، ولذلك كان لابد أن يكون الفشل نصيب المحاولة الأولى لأنه كان لازال في عمر الشيخ بقية.

– لقد كان مع الشيخ في المرة السابقة بعض الإخوة من القيادة، مما شكل فرصة للعدو أن يغتال الشيخ ثم يختبئ وراء الأباطيل زاعما أن الشيخ لم يكن مستهدفا ولكن وجوده مع المستهدفين قد أدى إلى استشهاده، وهذا من شأنه أن يؤدي إلى امتصاص ردة الفعل المحلية والإقليمية والدولية وتخفيفها خاصة في ظل التغطية الأمريكية على الجرائم الصهيونية، ومن شأنه أيضا أن يساعد الصهاينة على الإفلات من عار استهداف رجل على كرسيه المتحرك، وإن كان هذا الصنف من البشر لا يكترث كثيرا بأي عار يمكن أن يلحق به، إلا أنهم يحاولون دائما تغليف جرائمهم بثوب التبرير للتدليس على الناس، فكان فشل المحاولة السابقة ضروريا إذن حتى لا يتحقق لهم ما يريدون، وأما نجاحهم في هذه المرة فقد فوت عليهم الفرصة لإخفاء حقيقتهم، فنزعت منهم هوية الانتماء للصنف البشري، فجريمة من هذا النوع لا يمكن لبشر أن يقترفوها، وهذا مما لا شك فيه سيؤدي إلى إساءة وجوههم على المستوى الدولي، وقد بدا ذلك واضحا بردة الفعل غير المسبوقة على مستوى العالم.

وأقول مجيبا على السؤال الثاني: لماذا مكنهم الله من الشيخ إذن؟

– علينا ألا ننسى أنه لابد من القضاء على نفوذ هذا الصنف من الوحوش البشرية، وذلك حماية للعالم مما قد ينشر هذا العفن البشري فيه من فساد، وقد بين سبحانه أن فساد اليهود يعم الأرض )لَتُفْسِدُنَّ فِي الأَرْضِ(، ولذلك جعل الله إذلالهم والتسليط عليهم إحدى سننه التي لا تتبدل )وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَن يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ(، والتسليط عليهم لابد أن يسبقه تحريض المسلَّطين حتى لا يبقى في قلوبهم شيء من الرحمة وهم يقومون بواجبهم المقدس في تطهير العالم من دنس هؤلاء الأشرار، ومن هنا وقع الصهاينة في فخ مكر الله بهم إذ تمت الجريمة بدرجة عالية من البشاعة أثارت غضبا عارما على مستوى الكرة الأرضية )فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا(، وعلى ما يبدو أن الذي سيسوم هؤلاء القتلة سوء العذاب في هذه المرة هم المسلمون، فجاءت الجريمة مستفزة للمسلمين بقوة، ومستنهضة لهممهم، وهذا ما يجعلني أرجح أن هؤلاء الصهاينة سيمكنهم الله من هدم المسجد الأقصى في المستقبل – ربما غير البعيد – وذلك زيادة في تحريض الأمة واستنهاضها ضدهم.

– لم يعد سرا أن هناك مخططات تصفوية للقضية الفلسطينية والوجود الفلسطيني، وهناك للأسف الشديد من يسيل لعابه كي يعطى دورا في التصفية أملا في تحقيق حضورا لنفسه في بيئة ترفضه، وهذا الصنف من أبناء الأمة موجود على طول وعرض الخارطة الفلسطينية والعربية والإسلامية، وإن أحداثا من هذا الحجم كفيلة بالفعل التراكمي أن تزيد من عزلة وإقصاء هؤلاء المنافقين، وبالتالي تقليص مخاطرهم، وإضعاف قدرتهم على التصدي للنهوض المتسارع على مستوى الأمة، وهؤلاء المنافقون كانوا دائما يدا على أمتهم لصالح الصهاينة الأعداء، وجرائم من هذا الوزن كفيلة أن تضعهم في دائرة الاتهام والتهميش، مما يضعف دورهم الهدام فينعكس ذلك سلبا على قدرة العدو على المواجهة وبالتالي على تنفيذ مخططاته.

– إن اغتيال الشيخ وفر جوا مناسبا لتصعيد المقاومة دون أن ينهار التماسك الفلسطيني الذي يشكل أهم مقومات النصر في معركة الوجود التي يخوضها شعبنا ببسالة نادرة.

– بل أستطيع القول أن دماء الشيخ الطاهرة قد وحدت الصف الفلسطيني على اختلاف شيعه السياسية على خيار المقاومة، ليصبح الخيار الوحيد لكل الفصائل الفلسطينية بإذن الله تعالى.

رحم الله شيخنا كانت حياته بفضل الله خيرا للمسلمين، وكذلك كان استشهاده.

لا للقتلة

الدكتور عبد العزيز الرنتيسي

في الوقت الذي يعلن فيه الغرب حربه القذرة على الإسلام، وتمزق صواريخه وقنابله أجساد المسلمين في أفغانستان، وتسرق طائراته النوم من عيون أطفال المسلمين، ويزرع دوي قنابله الرعب في قلوب نساء المسلمين، تدفعنا النخوة والمروءة والكرامة أن نلعن العدوان الغربي الصليبي على إخواننا هناك، وتحركنا أمانة الواجب أن نخذل عنهم، وأن ننصرهم، فإن حالت بيننا وبينهم الحدود، وإن شغلنا عن نصرتهم عدو متربص بنا نقارعه، فلا أقل من مسيرة احتجاج نرفع بها معنوياتهم، ونفضح بها الحقد الصليبي الذي ما زال همه الأول تدمير دينهم واجتثاث عقيدتهم ( ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا )، ونشعر بها الغرب الصليبي أننا أمة واحدة وأن العدوان على أفغانستان عدوان على مليار وربع المليار مسلم.

ولما كان شعبنا الفلسطيني هو أكثر شعوب الأرض معاناة من الإرهاب، على يد اليهود الصهاينة الذين يمارسون أبشع صور الإرهاب ضد شعب بكامله، لذلك كان شعبنا من أكثر الشعوب إحساسا بمرارة ما يجري على أرض المسلمين في أفغانستان من إرهاب أمريكي، فلا عجب إذن أن يخرج الآلاف من طلاب فلسطين في مسيرة سلمية يعبرون عن تعاطفهم مع إخوانهم المسلمين وينددون فيها بالعدوان الغاشم عليهم، ولماذا لا يفعلون ذلك ؟ فهل التعاطف مع الأخوة محظور على المسلمين دون غيرهم ؟ فلماذا تعاطف يهود العالم مع ثلاثة عشر جاسوس يهودي إيراني، فتفهمت دول العالم هذا التعاطف بين الأخوة في العقيدة من اليهود ؟ فهل من المباح في شرع التحالف مع أمريكا أن ينصر اليهودي أخاه اليهودي ولو في إيران بينما يمنع المسلم من أن يبح حنجرته دفاعا عن دماء المسلمين في أفغانستان ؟ ولماذا يمنع التنديد بأمريكا هنا بينما تسمح به أمريكا نفسها من خلال ثلاث مسيرات جابت شوارعها ؟ أم أننا ملكيون أكثر من الملك !!.رب قائل يقول أن الاحتجاج على الإرهاب الأمريكي يغضب أمريكا، وأن أمريكا تجيز لنفسها ما لا تسمح به لغيرها، ولذا علينا فقط أن نتابع جرائم الصليبيين في أفغانستان على شاشات التلفزة دون أن نسمح للعبرات أن تروي غليل صدورنا، ولا لأحزاننا أن تفجر بركان الغضب الذي يضطرم في قلوبنا، بل علينا أن نبارك المبضع

الصليبي وهو يقتطع جزءا من لحمنا الحي، ويتمادى البعض في غيه فيرى أنه من الواجب علينا أن نمد يد العون للقصاب الأمريكي وهو يقطع أوصالنا، ونقول لهذا البعض المنهزم ماذا جلبت لنا على عقود تربو على العشر نظريات الانبطاح المذلة من نكبات وويلات ؟ ” الانحناء إلى العاصفة “، و ” الكف لا يلاطم مخرز “، و ” حط راسك مع هالروس وقول يا قطاع الروس ” ؟!!! هل جنينا من ورائها غير الهزائم والتخلف على كل الصعد والتراجع المستمر عن الثوابت الوطنية، والاستسلام الرخيص لمن يمرغون أنوفنا في التراب ؟!!

لذلك لا نستطيع تفهم تصرف الشرطة في قطاع غزة عندما وقفت في وجه طلاب وتلاميذ فلسطين الذين خرجوا إلى الشوارع يعربون عن رفضهم للجرائم الأمريكية ضد الإسلام، خاصة أن هؤلاء الفتية هم الذين سطروا أروع الملاحم في تصديهم للاحتلال، وهم الذين خضبت دماؤهم كل شبر من ثرى الوطن، وهم عدة هذا الشعب وذخره في معركة التحرير، وإذا أجاز البعض لأنفسهم أن يتفهموا تحريم التعبير عن الغضب الذي يعتمل في الصدور ضد الحليفة أمريكا !! فكيف يمكنهم أن يتفهموا إطلاق الرصاص الحي على رؤوس وصدور شباب فلسطين في الوقت الذي نحرم استخدامه ضد العدو الصهيوني بإعلاننا وقف إطلاق النار، فلمصلحة من سفكت هذه الدماء ؟ ولمصلحة من يشق الصف الفلسطيني وتضرب وحدته التي رسخت قواعدها الانتفاضة ؟ وما هي أهداف من أصدر الأوامر بقتل الشباب والأطفال ؟

إن ما جرى يوم الاثنين في قطاع غزة أمر خطير جدا، ولقد أجمعت على خطورته كافة الفصائل والقوى الفلسطينية التي نددت بإطلاق الرصاص على المتظاهرين، ولقد بات واضحا أنه لا يمكن منع تكرار ما حدث إلا إذا أدرك البعض أنهم ليسوا فوق القانون، وأنهم ليسوا هم القانون، وأن العقاب يمكن أن يطالهم، فبدون محاكمة العابثين بأرواح الشعب ستزداد الجرأة على الدم الفلسطيني، ولذا دعونا نطلقها صرخة صادقة أمينة مخلصة خالصة لوجه الله ” لا للقتلة “، وليتذكر الذين يضعون أصابعهم على الزناد قول رسول الله صلى الله عليه وسلم ( لزوال الدنيا أهون على الله من قتل امرئ مسلم )، وليتذكروا أيضا أن الأيام دول ( وتلك الأيام نداولها بين الناس ).