خدمة قدس برس

أجهش المصلون في مساجد غزة بالبكاء، بعد الانتهاء من أدائهم لصلاة العشاء، إثر شيوع نبأ اغتيال الدكتور عبد العزيز الرنتيسي، زعيم حركة المقاومة الإسلامية “حماس” واثنين من مرافقيه، في قصف سيارته، في أحد شوارع مدينة غزة.

ولم يكن المصلون يعرفون بتعرض الرنتيسي لعملية الاغتيال، حيث وقعت العملية أثناء أدائهم لصلاة العشاء. وبعد انتهاء الصلاة تسرب الخبر إلى المصلين، الذين أجهشوا بالبكاء وتضرعوا بالدعاء إلى الله أن يحمي الشعب الفلسطيني وقادته، وأن يقبل الدكتور الرنتيسي شهيدا.

وخرجت مسيرات بشكل عشوائي من كافة مساجد غزة، وتوجهت إلى مشفى الشفاء في المدينة، وإلى منزل الدكتور الرنتيسي، فيما عمت حالة الاستنفار الشديد في المدينة، وسادت حالة من الغضب.

من فاجعة لفاجعة

لم يفق الفلسطينيون بعد من فاجعة اغتيال الشيخ ياسين في 22 آذار (مارس) الماضي، حتى فجعوا مرة أخرى باغتيال الدكتور الرنتيسي، الذي لا تقل شعبيته عن شعبية الشيخ ياسين، لاسيما بين صفوف أبناء حركة “حماس”، حيث أغمي على عدد كبير منهم في مشفى الشفاء، بعد تأكيد نبأ استشهاد الرنتيسي.

واختلطت مشاعر الحزن بالفرح في نفوس المواطنين، الذين توافدوا إلى مشفى الشفاء فور سماعهم نبأ تعرض الدكتور الرنتيسي لعملية اغتيال، حيث هتفوا فرحا حينما قيل إنه لم يستشهد، ولكن سرعان ما تحول هذا الفرح إلى حزن شديد وغضب، إثر الإعلان عن وفاة الرنتيسي متأثرا بجراحه.

فقد خرجت المسيرات في شوارع مدينة غزة تجوبها وهي تتوعد بالثأر والانتقام لاستشهاد قائد “حماس” وفي غزة، ومن قبله الشيخ ياسين زعيم الحركة ومؤسسها.

“صقر حماس” وفارسها يترجل

وكان الدكتور الرنتيسي لا يخشى الاغتيال، لاسيما وأنه وضع على رأس قائمة المطلوبين لدى سلطات الاحتلال الإسرائيلي، وأنه قد تعرض لمحاولة اغتيال قبل نحو عشرة أشهر، وكان دائما يقول إنه يتمنى الشهادة، ولكنه كان عميق الإيمان بأن لكل أجل كتاب.

كما عرف الدكتور الرنتيسي بمواقفه الصلبة لدرجة، أنه كان يفضل للبعض أن يطلق عليه لقب “الطبيب الثائر”، أو”صقر حماس”. لكن الفارس الذي ترجل بعد جهاد طويل، كان لينا مع إخوانه في “حماس” لا يقطع أمرا من دون مشاورتهم، لدرجة أن الدكتور الرنتيسي قال قبل حوالي ثلاثة أسابيع، في حفل تأبين الشيخ ياسين في الجامعة الإسلامية “إلى الذين يخشون الدكتور الرنتيسي، نقول لهم اطمئنوا فالقرار في حماس قرار جماعي والقيادة جماعية”.

وكان عبد العزيز علي عبد الحفيظ الرنتيسي قد ولد في 23 تشرين أول (أكتوبر) /1947 في قرية يبنا (بين عسقلان ويافا)، حيث لجأت أسرته بعد حرب العام 1948 إلى قطاع غزة، واستقرت في مخيم خان يونس للاجئين، وكان عمره وقتها 6 شهور. ونشأ الرنتيسي بين 9 أخوة وأختين.

والتحق عبد العزيز الرنتيسي في سن السادسة بمدرسة تابعة لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين “الأونروا”، وقد اضطرته ظروف عائلته الصعبة إلى العمل وهو في سن السادسة ليساهم في إعالة أسرته الكبيرة. ورغم ذلك كان الشهيد متميزاً في دراسته، حيث أنهى الدراسة الثانوية عام 1965، وتوجه إلى مدينة الإسكندرية المصرية ليلتحق بجامعتها ليدرس الطب فيها.

وأنهى الشهيد دراسته الجامعية بتفوق، وتخرج عام 1972، وعاد إلى قطاع غزة. وبعد عامين عاد إلى الإسكندرية ليحصل على الماجستير في طلب الأطفال. وفي العام 1976 عاد للقطاع ليعمل طبيباً مقيماً في مستشفى ناصر، (وهو المركز الطبي الرئيسي في خان يونس). والدكتور الرنتيسي متزوج وأب لستة أبناء اثنين من الذكور، وأربع من الإناث.

سيرته النضالية

شغل الدكتور الرنتيسي عدة مواقع في العمل العام منها عضوية هئية إدارية في المجمع الإسلامي، والجمعية الطبية العربية بقطاع غزة (نقابة الأطباء)، والهلال الأحمر الفلسطيني. وعمل في الجامعة الإسلامية في مدينة غزة منذ افتتاحها عام 1978 محاضراً، يدرس مساقات في العلوم وعلم الوراثة وعلم الطفيليات.

وقد اعتقل الرنتيسي عام 1983 بسبب رفضه دفع الضرائب لسلطات الاحتلال، وفي 5 كانون ثاني (يناير) 1988 جرى اعتقاله لمدة 21 يوماً. وأسس والشيخ أحمد ياسين وثلة من نشطاء الحركة الإسلامية في قطاع غزة تنظيم حركة المقاومة الإسلامية “حماس” في القطاع عام 1987.

وفي 4 شباط (فبراير) 1988 عادت قوات الاحتلال لتعتقله، حيث ظل محتجزاً في سجون الاحتلال لمدة عامين ونصف العام، على خلفية المشاركة في أنشطة معادية للاحتلال. وأطلق سراحه في 4 أيلول (سبتمبر) عام 1990. وفي 14 كانون أول (ديسمبر) 1990 اعتقل مرة أخرى إدارياً، وظل في الاعتقال الإداري لمدة عام.

في 17 كانون أول (ديسمبر) 1992 أبعد مع 400 من نشطاء وكوادر حركتي “حماس” والجهاد الإسلامي إلى جنوب لبنان، حيث برز هناك ناطقا رسميا باسم المبعدين الذين رابطوا في مخيم العودة في منطقة مرج الزهور، في جنوب لبنان، لإرغام سلطات الاحتلال على إعادتهم، وتعبيراً عن رفضهم قرار الإبعاد الإسرائيلي، ونجحوا في ذلك.

وقد اعتقلته سلطات الاحتلال فور عودته من مرج الزهور، وأصدرت محكمة عسكرية إسرائيلية عليه حكماً بالسجن، حيث ظل محتجزاً حتى أواسط العام 1997.

من سجون الاحتلال إلى سجون السلطة

خرج من المعتقل ليباشر دوره في قيادة “حماس”، التي كانت قد تلقّت ضربة مؤلمة من السلطة الفلسطينية عام 1996، و أخذ يدافع بقوة عن ثوابت الشعب الفلسطيني، وعن مواقف الحركة، ويشجّع على النهوض من جديد.

وقد اعتقلته السلطة الفلسطينية بعد أقل من عام من خروجه من سجون الاحتلال، وذلك بتاريخ 10 نيسان (أبريل) 1998، وأفرج عنه بعد 15 شهراً، بسبب وفاة والدته، وهو في المعتقلات الفلسطينية، ثم أعيد للاعتقال بعدها ثلاث مرات، ليفرَج عنه، بعد أن خاض إضراباً عن الطعام، وبعد أن قُصِف المعتقل الذي كان فيه من قبل طائرات إسرائيلية، وهو في غرفة مغلقة في السجن المركزي، لينهي بذلك ما مجموعه 27 شهراً في سجون السلطة الفلسطينية.

حاولت السلطة الفلسطينية بعد ذلك اعتقاله مرتين، ولكنها فشلت بسبب حماية الجماهير الفلسطينية لمنزله.

وفي العاشر من حزيران (يونيو) 2003 نجا صقر “حماس” من محاولة اغتيال نفذتها قوات الاحتلال الإسرائيلي، وذلك في هجوم شنته طائرات مروحية إسرائيلية على سيارته، حيث استشهد أحد مرافقيه وعدد من المارة بينهم طفلة.

وفي الرابع والعشرين من آذار (مارس) 2004، وبعد يومين على اغتيال الشيخ ياسين، اختير الدكتور الرنتيسي زعيما لحركة “حماس” في قطاع غزة، خلفا للزعيم الروحي للحركة الشهيد الشيخ أحمد ياسين. واستشهد الدكتور الرنتيسي مع اثنين من مرافقيه في 17 نيسان (أبريل) 2004 بعد أن قصفت سيارتهم في مدينة غزة، ليختم حياة حافلة بالجهاد بالشهادة.