الشيخ محمد عبده علم من أعلام الإسلام في القرن الحاضر، تخرج من مدرسته رجال مثل السيد رشيد رضى حملوا راية الدعوة ودافعوا عن الإسلام بما كان لديهم من وسائل وعلى قدر اجتهادهم رحمهم الله، وللشيخ محمد عبده المزية الكبرى في زيادة الدعوة تغطي كل نقص ينسب إليه رحمه الله.

وكان لمحمد عبده تجربة شخصية، تجربة صوفية، في شبابه، وسأل شيخه أول اتصاله بالنورانية الإسلامية، ما طريقتكم؟ فأجابه أن طريقتنا الإسلام، وبمثل ذلك يجيب كل مؤمن حملوه أسماء وألقابا خلفها لنا التاريخ الإسلامي المليء بالفتن، والطرق الصوفية عديدة كثيرة، فتجد الصوفية يعرفون جماعتهم باسم الشيخ المؤسس، والصادقون منهم لا يعرفهم التعريف الكامل إلا أنهم مسلمون محمديون، أما المحترفون الزائغون فتقيدهم باسم خاص وعكوفهم على عادات وبدع يبتغون بها عرض الدنيا فتحجر ومهدية وعصبية ما أنزل الله بها من سلطان.

ويضيع الباحث عن حقائق الإسلام بين مذاهب الفقهاء والمتكلمين والفلاسفة وبين الطرق الصوفية فيسأل كما سأل محمد عبده الشاب: ما طريقتكم؟ ولا يقف عند السؤال من يرى انتهاك حرمات الله باسم الإسلام والتصوف، فيبرز لمحاربة أصحاب المرقعات الراتعين في كسلهم وبدعهم، وتسوقه انطلاقته الهاجمة فيحمل على أهل الله الصادقين، ويكفر ويطعن حيثما لاح له ما لا يعرفه من صريح الإسلام وظاهره، وهكذا يقف أمثال الشيخ ابن تيمية رحمه الله موقف الخصم العنيد من رجال الله، فهو يكفي ابن عربي لأن هذا الولي حاول أن يعبر عما لا يعبر عنه، وما عدا الصوفي الكبير أن أنبأ بما تحمله الألفاظ عن الحديث القدسي المتواتر الذي أخبرنا فيه المولى عز وجل أنه يصبح عين العبد وسمعه ويده، وما سلم من ابن تيمية إلا الشيخ عبد القادر الجيلي قدس الله روحه، فهو يجله ويعظمه ويشهد بسلامة عقيدته، ويعلم من يقرأ كتب القوم أن الجيلي رضي الله عنه يكتب مواقفه مع الحق سبحانه، فيقول: خاطبني الحق، وسألت الحق فأجابني، ولعل الإمام ابن تيمية رضي الله عنه لم ينكر مثل هذا لأنه وقف على الحديث الذي أوردناه يخبر به الرسول صلى الله عليه وسلم أن في هذه الأمة محدثين، فلم ينكر مقالة الجيلي، ولعل ابن تيمية إنما طعن من طعن سدا للذرائع.

على أن الحق الساطع ببراهينه وآياته تهطع له الأبصار وتدين له العقول، ويرجع علماء الإسلام الباحثون الصادقون إلى التماس وسيلة للعلم أسمى من العقل، يلتمسون نور الإيمان والإحسان عند الشيوخ المربين عندما تنقطع بهم أسباب العقل المسجون في عالم الحس المنقطع عن الغيب، وهكذا رجع الغزالي والفخر الرازي وسلطان العلماء عز الدين بن عبد السلام، وكثير كثير من العلماء الأعلام، وابن القيم الجوزية تلميذ ابن تيمية الأكبر يكتب ثلاث مجلدات في شرح رسالة للهروي أحد كبار العلماء بالله رجال الله. ومن علمائنا المعاصرين من أعوزتهم الأسباب للاتصال بالشيخ البصير المتبع يرشدهم إلى الطريق، فوقفوا من التصوف موقفا خيرا، يمجون الصوفية الصادقين ويشهدون بأثرهم البين القوي في إصلاح الأمة عبر التاريخ، لكنهم لا يعرفون مكان الصحبة والقدوة ويحسبون التصوف فقها باطنيا لتزكية النفس ضروريا يطبقه المسلم على نفسه، ومثالنا الأقوى على هذا الأستاذ المودودي أيده الله وأمد للمسلمين في عمره.

كان علماء المسلمين صوفية في كل بقاع الأرض وفي كل العصور، وكان الواحد منهم يسرد سلسلة شيوخه أو مشايخه في التربية الروحية، ولما طغت موجة الذين تحجروا وحجروا الناس على تدين قاس أجرد لا أثر فيه لرحمة الإسلام ومحبة الله لعباده ومحبة العباد لله ورسوله، أحجم الناس عن التربية الروحية فطال عليهم الأمد فقست قلوبهم، فكثير منهم من يرون أن الرسول الكريم ساعي بريد انتهت مهمته، وبئس ما يرون.

طريقتنا الإسلام، لا تلتبس المحجة البيضاء بغيرها من الطرق والمذاهب، وإن كان علماء الكلام ينسقون كلمات ومعاني في موضوع الذات والصفات، وإن كان الفقهاء يكرسون حياتهم، جازاهم الله خيرا، لضبط الشريعة ونصوصها، وإن كان غير هؤلاء يمسك من الإسلام بسبب، فإن الصوفية يلتمسون في المنهاج النبوي وسيلة لاكتساب الطاقة الروحية التي تحقق لهم التوحيد ذوقا وتحبب إليهم شريعة الله والوقوف عند حدوده.

يرى الناس عند الصوفية مظاهر تحجبهم عن الجواهر، فيسارعون إلى الحكم على ما يعملون، الصوفية يلهجون بالمحبة والذوق، ويتحدثون عن الغيب ومعرفة الله، ويلبسون المرقعات ويحضرون مجالس الذكر والسماع، هذا ما يعرفه العامة عن الصوفية، وقد يلتقون بجماعة مزركشة مرقعاتها وافرة لحاها تتحدث عن الأحوال والمقامات والمحبة والذوق، وسلوكها أبعد عن الإسلام من سلوك المردة الكافرين، فيعمم العقل العامي حكمه ويقول: هؤلاء هم الصوفية، وهذه شنشنتهم، وله العذر في ذلك إن كان لا يملك من التأني والذكاء ما يمكنه من استقصاء البحث حتى يجلس مع الصادقين، للناس العذر في عدائهم للصوفية لأن محترفي المرقعات والسبح كثيرون، يمشون على بطونهم زحفا لكل وليمة.

جمع لفظ الحديث النبوي المحبة والذوق في قوله عليه الصلاة والسلام: “ثلاث من كن فيه ذاق حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يقذف في النار”، ومن ذلك قوله: “ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد رسولا”، وتحدث القرآن الكريم عن الصحبة والاتباع وتصديق المتبوع وتخصيص الله بعض عباده بالعلم اللدني وإطلاعهم على الغيب في قصة موسى والخضر عليهما السلام.

ومجالس الذكر وردت فيها أحاديث أوردنا بعضها، ويبقى لنا من مظاهر الصوفية التي ينكرها العامة فيسألون: ما طريقتكم؟ لبس المرقعات والسماع، إن الصوفية الكرام أطباء للقلوب وهم يعلمون أن النفس الحيوانية تهفو دائما إلى عاداتها وشهواتها، فهم يعالجونها تارة بالعزم والحزم وتارة بالمراودة والملاطفة، يأمر الشيخ مريده بلبس المرقع خاصة إن كان يعلم أن في المريد كبرا واعتزازا بالبزة، يسمي الصوفية هذا بخرق العادة، ولكي يخرق الشيخ للمريد عاداته ويوصله إلى الموقف الفطري إلى النظرة الفطرية بين يدي الفاطر الخالق، يمنعه من عاداته، فيأمره بالصوم والصمت والعزلة والسهر ولبس المرقع وغير ذلك، هذه رياضة ومجاهدة، وصفها الغزالي ووصف مواقع الحكمة في التحلي بها، وتحديد الأعمال والكيفيات في ترويض النفس يرجع أمره للشيخ، ومن الشيوخ من لا يفرض ذلك على مريديه، وعلى قوة حال الشيخ مع الله يتوقف الأمر في ضرورة اتخاذ الخلوة وخرق العادات ومجاهدة النفس بالرياضة.

وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ما كانوا يفعلون ذلك، كفاهم الذكر لما قال لهم الرسول الكريم وللناس كافة: ” قولوا لا إله إلا الله تفلحوا”، ومن يرفض أعمال الصوفية في المجاهدة بزعمه أن ذلك بدعة ما عرفها الرسول وصحبه، إنما يبرهن على جهله بكوامن النفس وضرورة علاجها لتصفو لها العبادة والسعي إلى الله.

والسماع الصوفي معالجة للنفس بطريقة أخرى، إن النفس الحيوانية تطرب لسماع الموسيقى، أي أنها تلين فتكون لديها قابلية عند نشوة الطرب للميل حيثما تمال، فإن كان الغناء دنيويا فاجرا كان الطرب سبيلا للفجور، وإن كان السماع يحمل معاني سامية مالت النفس بسهولة إلى حيث يدعوها النشيد الصوفي، ويكفينا أن نذكر أن الرسول صلى الله عليه وسلم سمع أصحابه يغنون وردد معهم عندما بنوا المسجد وحفروا الخندق، ويكفينا أن مسجده صلى الله عليه وسلم كان مسرحا لمجلس فرح فيه المسلمون، ذلك حين جاء كعب بن زهير ينشد رسول الله صلى الله عليه وسلم قصيدته المشهورة، تتضمن غزلا جاهليا، وتتضمن مدحا للرسول وصحبه، وما أنكر على كعب منكر غزله، وإنما طرب رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أنشده:

أن الرسول سيف يستضاء به مهند من سيوف الله مسلول

فخلع عليه الصلاة والسلام بردته، يسمع الرسول الكريم وصحبه غزلا فيه مثل قول كعب في مسجد الرسول:

هيفاء مقبلة عجزاء مدبـرة لا يشتكي قصر منها ولا طول

فلا ينكرون، وإنما يطربون لما تخلص إليه الشاعر، وما بقي من القصيدة صنعة وفن استعملا في خدمة الإسلام وتمجيد الرسول وصحبه.

ويروي أحد كبار علماء المسلمين، والخصم الأول للصوفية، رحمه الله، وهو الإمام الشاطبي، في كتابه “الاعتصام” قصة أمسك فيها الفاروق عمر رضي الله عنه برجل كان يتغنى، يقول الشاطبي:

“حكى أبو الحسن القرافي الصوفي عن الحسن (يعني الحسن البصري إمام الصوفية التابعي الجليل) أن قوما أتوا عمر بن الخطاب رضي الله عن فقالوا: يا أمير المؤمنين، إن لنا إماما إذا فرغ من صلاته تغنى، فقال عمر: من هو؟ فذكر الرجل، فقال: قوموا بنا إليه، فإنا إن وجهنا إليه يظن أنا تجسسنا عليه أمره، قال: فقام عمر مع جماعة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم حتى أتوا الرجل وهو في المسجد، فلما أن نظر إلى عمر قام فاستقبله فقال: يا أمير المومنين، ما حاجتك؟ وما جاء بك؟ إن كانت لنا كنا أحق بذلك منك أن نأتيك، وإن كانت الحاجة لك أحق من عظمناه خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال له عمر؟ ويحك، بلغني عنك أمر ساءني، قال: وما هو يا أمير المؤمنين؟ قال أتتمجن في عبادتك؟ قال: لا يأمير المؤمنين، لكنها عظة أعظ بها نفسي. قال عمر: قلها! فإن كان كلاما حسنا قلته معك، وإن كان قبيحا نهيتك عنه. فقال:

وفؤاد كلـما عاتبـــــــته في مدى الهجران يبغي تعـــبي

لا أراه الـدهــــر إلا لاهيــا في تمـــاديه فقـد بــرح بي

يــا قرين الســوء ما هذا الصبـا فــنى العمــر كـذا في اللعب

وشبـاب بـــان عني فمضــى قبـــل أن أقــضي منـه أربي

مـــا أرجى بعـده إلا الفنــا ضيــق الشيـب عــلى مطلبي

ويــح نفسـي لا أراهـا أبــدا فــي جميــل لا ولا فـي أدب

نفـس لا كنت ولا كــان الهوى راقبــي المـولى وخـافي وارهبي

قال: فقال عمر رضي الله تعالى عنه:

نفـس لا كنت ولا كــان الهوى راقبــي المـولى وخـافي وارهبي

ثم قال عمر: على هذا فليغن من غنى”

يقف العامة عند المظاهر ويسائلون الصوفية ما طريقتكم؟ وهكذا سأل محمد عبده شيخه بعد أن وجد في صحبته راحة وطمأنينة ما كان يعرفهما، يقول السيد رشيد رضى حاكيا كلام محمد عبده بعد أن ذكر كيف كان في صغره عازفا عن الدراسة حتى لقي خاله، وكان صوفيا طريقته مدنية:

” في اليوم السابع سألت الشيخ: ما طريقتهم، فقال: طريقتنا الإسلام، أو ليس كل هؤلاء الناس بمسلمين؟ قال: لو كانوا مسلمين لما رأيتهم يتنازعون على التافه من الأمر، ولما سمعتهم يحلفون بالله كاذبين لسبب ولغير سبب، هذه الكلمات كانت كأنها نار أحرقت جميع ما كان عندي من المتاع القديم، متاع تلك الدعاوي الباطلة، والمزاعم الفاسدة، متاع الغرور بأننا مسلمون ناجحون، وإن كنا في غمرة ساهون، سألته: ما وردكم الذي يتلى في الخلوات أو عقب الصلوات؟ فقال : لا ورد لنا إلا القرآن، نقرأ بعد كل صلاة أرباعا مع الفهم والتدبير، قلت: أنى لي أن أفهم القرآن ولم أتعلم شيئا، قال: أقرأ معك، ويكفيك أن تفهم الجملة، وببركتها يفيض الله عليك التفصيل، وإذا خلوت اذكر الله -على طريقة بينها-. وأخذت أعمل على ما قال من اليوم الثامن، فلم تمض علي بضعة أيام إلا وقد رأيتني أطير بنفسي في عالم آخر غير الذي كنت أعهد، واتسع لي ما كان ضيقا، وصغر عندي من الدنيا ما كان كبيرا، وعظم عندي من أمر العرفان ونزوع النفس إلى جانب القدس ما كان صغيرا، وتفرقت عني جميع الهموم ولم يبق لي إلا هم واحد، وهو أن أكون كامل المعرفة كامل أدب النفس، ولم أجد إماما يرشدني إلى ما وجهت إليه نفسي إلا ذلك الشيخ الذي أخرجني في بضعة أيام من سجن الجهل إلى فضاء المعرفة، ومن قيود التقليد إلى إطلاق التوحيد، هذا هو الأثر الذي وجدته في نفسي من محبة أحد أقاربي وهو الشيخ محمد درويش خضر من أهل كنيسة أورين من مديرية البحيرة، وهو مفتاح سعادتي إن كانت لي سعادة في الحياة الدنيا، وهو الذي رد لي ما كان غاب عن غريزتي، وكشف لي ما كان خفي عني مما أودع في فطرتي”.

شهادة محمد عبده نشيد فرحة عظيمة بلقاء الشيخ وصحبة الشيخ، الشيخ مفتاح سعادته وهو الذي كشف له من أمره ما كان مستورا، ووسع له ما كان ضاق، وأيقظه من غفلته ليطلب المعرفة وأدب النفس، وبهذه البساطة، بساطة اللقاء والصحبة والذكر، بساطة التجربة الشخصية الصوفية، تجدد لرجال كرام دينهم وحياتهم وانفتحت أمامهم سبل الخير وصفت لهم عكرات الأيام، ومن صحب الكرام شم عطرهم وتزود منه على حد تعبير الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، وبقي لمحمد عبده هذه الذكرى العطرة، ولم يسلك رحمه الله على يد شيخ مرب يبلغه مقصده، وإنما عكف على التعلم والتعليم ترده إلى الخير بركة الشيخ درويش، وظن رحمه الله أن التصوف صحبة ساعة وهبة من نسمات الخير يعيشها المرء لحظة ثم يمضي، لذلك نجده في أخريات حياته يفكر في الانعزال عن ميدان السياسة ليخلو بعشرة شبان يربيهم تربية صوفية، وهكذا يغلط كبار علمائنا فلا ينفذون إلى حقائق السلوك وما يتطلبه من صبر ومداومة للذكر وقيام بشروط الصحبة حتى يأتي أمر الله.