نحن غدا بحاجة لدعاة فعلة، لا لخطباء ملتهبين من فوق رؤوس الشعب.

دعاة فعلة. قلب مع الله، ولسان لاهج بذكره والثناء عليه والدعاء إليه، ويد تصنع في الطين، في البيئة الملوثة تصلحها، في مخلفات الفساد تميط أذاها، في المهمات الشاقة الدائبة اليومية جهاد.

يستعمل الناس كلمة “تضحية” ونستبدلها نحن بكلمة بذل النبوية. الذي يعبر عن عمله بكلمة تضحية ينظر إلى عمله يستكثره، ويمن به، ويعظمه، لينال رضى الناس. والتطوع في الخير الذي نعبر عنه بكلمة بذل فتوة ترى فضل الله على أهلها أن أهلهم لخدمة دينه والموت في سبيله.

ولا معنى لعبارة الحل الإسلامي إلا ببذل شامل. يبدأ ببذل العصبة المؤمنة مالها ووقتها وجهدها وعرقها ونفوسها في سبيل الله، ثم يسري البذل في المجتمع ليذيب الفروق الطبقية، والظلم الاجتماعي، ويحول البطالة عملا، والكسل نشاطا، والتواكل همة، والتبعية استقلالا.

سيسألنا الناس، يسألنا الشعب، يوم نصل إلى الحكم: بماذا أتيتم؟ أية خدمة؟ أي تغيير؟ في حياتنا اليومية؟ في آمالنا؟ في كرامتنا؟ ما هو بديلكم عن الإدارة الرشوية؟ عن الاقتصاد الاستغلالي؟ عن البوادي السائبة؟ عن المدن الفاسدة؟ عن الأسواق الكاسدة؟ عن الأيدي العاطلة؟ عن التعليم الفاشل؟ عن الصحة الخربة؟ عن الشباب المخدر؟ عن الأمية والجهل الفاشيين؟ عن الخبز الذي نبتاعه بكرامتنا واستقلالنا من خارج؟ عن أموالنا التي يبذرها السفهاء؟ وتطول لائحة البؤس حتى كأنها بلا نهاية. شبكة أسئلة من ورائها غابات من المشاكل.

لو كانت الدعوة معارضة أبدية لكفى أن نربي خطباء يصدعون بكلمة الحق في المحافل، وكتابا يعلقون على فشل الآخرين في الجرائد.

لو كان الإسلام قضية ضائعة، يبرر أهلها ضياعهم ويسلون أنفسهم بعرض المبادئ السامية، لكفانا أن نحسن أساليب الخطاب للبكاء على ما ضاع.

لو كان الإسلام ماضيا لا يرجع لكفانا أن نختار من بيننا من يتقن ترجيع الحنين، والبكاء على الأطلال.

لكنها معارك: إيجاد شغل للعاطل وخبز للجائع، وتغيير اجتماعي، وتوزيع عادل، وإدارة مجدية، وصناعة تقنية، وقوة تدفع العدو، واقتصاد يحررنا من التبعية.

إنتاج وتوزيع ومستوى معيشة. تدبير ما كان غيرنا يدبره من صغير الأمر وكبيره. مع هذا الفارق الضخم، وهو أنهم كانوا في هوي إلى أسفل العقبة والهوي سهل على الهمم الساقطة، بينما نحن أن نصعد العقبة ونقتحمها. مخلفات تركوها. فساد على كل المستويات.

كيف تكنس القاذورات؟ كيف ينظف البيت؟ كيف يعاد ترتيبه؟ كيف توزع وظائفه؟ كيف تستصلح العناصر البشرية ذات الغناء والخبرة في خدمة الفتح الإسلامي؟

أموال ضاعت فكيف تعوض؟ من أين نقترض؟

لا بد أن يستثمر خيراتنا غيرنا لمدة ريثما نقدر نحن على الاستقلال، كيف علاقتنا بمن يستثمر؟

مهمات كالجبال، تحتاج لرجال سامقي الهمم، متوفري الخبرة، قادرين على العطاء بلا حساب. بذل.

دعاة فعلة، متواضعون، على مستوى المهمات اليومية، بالصبر الدؤوب. وعلى مستوى المهمات المصيرية، بنفس الهمة، والفعل الخبير، والدقة والتواضع.

دولتكم يا جند الله لن تكون أعظم من استعدادكم للبذل، كما أن الزحف لبنائها لن يكون إلا سرابا إن لم يدفعكم لساحة الشهادة في سبيل الله حبكم لله تبذلون فيه مهجكم، طاعة له وتطوعا. قال الله عز وجل: (فمن تطوع خيرا فهو خير له).(سورة البقرة، الآية: 184) خير له في الآخرة وخير للأمة منذ الدنيا.