بين ظهرانَينا حاملو أوزار ومرتكبو كبائر وعتاةٌ ظالمون ومتَّقون متبتلون وخَطّاءون توابون. المجتمع الغثائي خليط، مريض، مدخول. استحق وصف الغثائية لَمّا ظهرت عليه علائم الهزيمة، وتجمعت عليه أكَلَة القصعة، فتَمّ عليه الوصف النبوي. لكنْ ما سنَدُنا في إطلاق وَسْم الجاهلية عليه؟ قُضاة نحن جائرون أم دُعاة حائرون؟ قصدُنا الهدايةُ والتسديد أم قصدنا الثلب والعيب، بلا حجة ولا رَويَّة؟

لا مفر لنا من التدقيق لمعرفة ما بنا ونحن نطمح لتغيير ما بأنفسنا. لا مفر من معرفة الداء على حقيقته لا على صفة يشوهها لنا ويضخمها ضِيقُنا بما نرى من عِوَج وما يتعاظم في أعيننا من مسؤوليات التقويم. لا مفر من تحقيق الصفة الشرعية المطابقة لحالنا لنُنْزل عليها حكم الله بلا شطط ولا جهل. إذاً نكونُ نحن الجاهليين إن لم نفعل.

أهو مجتمع جاهلي فنقاطعه ونعاملَه على أنه غيرٌ؟ ومن نحنُ حتى نَنْفصلَ عنه وندّعيَ الهدايةَ من دون الناس؟ ما هي حدود الجاهلية، وكيف تخطيناها واستعلينا عليها؟ أم هو مجتمع مسلم؟ فما بال التهم يُصفَع بها وجـه المجتمع فيطلِقُ عليه بعض الشباب الملتحي صفة الجاهليـة؟ أين تقف الجاهليـة؟ وما خصائصها؟

أسئلة لا بد من بحثها والجواب عنها حتى لا نربطَ مصير الدعوة بأحكام مسبقة خطإٍ، وبكلمات أطلقها بعض الدعاة مِمَّن لهم ظـرفهم واجتهادهم وقصدهم فتلقفها طوائف من الملتحين واستعملوها استعمالا فضائيا، فزادوا وِزراً ثقيلا على أوزار تنوء بكاهل الأمة. وأي وِزر أعظم من تكفير أمة محمد صلى الله عليه وسلم بغير علم!

الأمة متوعكة مريضة، الأمة ينخَر فيها داء الأمم وتأكل الغثائية أحشاءها، لكنْ أن نُسَمِّيَ مجتمعاتنا جاهلية!أن ندْخل في الزقاق الضيق المُظلم وعلى عيننا منظار اليأس! أن نساهِم بتغميض الحقيقة على أنفسنا وتنفير المسلمين منا!

في مجتمعاتنا الغثائية تشتبك الجاهلية بالإسلام، وتختلط، وترتبـك. على قسماتِ وجه المجتمع الغثائي، وفي دخائله النفسية وزواياهُ الذهنية وعاداته التقليدية وعلاقاته الاجتماعية واقتصاده وسياسة حكمه ومكان المرأة والطفل والرجل فيه، علائم جاهلية، وخدوش، وبثور، وجروح.

في مجمعاتنا الغثائية يختلط الحق بالباطل. الجاهلية باطل في صَرافَتِها، والذي أُنْزلَ على محمد صلى الله عليه وسلم من الدين وشُرِع له ولنا بالتبعية حق في صرافته.أقول: باطل في صرافته،حق في صرافته،أي في مثالية الخير التي لا وجودَ لها في عالم الخطائين، وفي نهاية الشر التي لا تتشخص إلا في الشيطان الرجيم. الجاهليون فيهم خيار كما نرى في الفصل المقبل إن شاء الله.

متى اختلط الحق بالباطل، ودخل الإسلام على الجاهلية فبقي منها رواسبُ، أو أعادت الجاهلية كرَّتها على الإسلام فعكرت صفوه، فتلك “الفتنة”. الفتنة مفهومٌ محوري، الفتنة حكم نبوي،الفتنة تَحفّظٌ وحِكمة ولزوم لجانب التحري والصواب.

نكتفي هنا بتعريف موجز للفتنة لنرجع إلى المفهوم في الفقرة المقبلة إن شاء الله. روى ابن أبي شيبة أن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه قال لسائل سأله عن الفتنة: “لا تضرك الفتنة ما عرفت دينك. إنما الفتنة إذا اشتبه عليك الحق والباطل”. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم خص حذيفـة بعلم الفتنة ومعرفة المنافقين،فيسأله الصحابة رضي الله عنهم في هذا الفن من العلم، ويأتيه عمر بن الخطاب وهو أميرٌ للمومنين يناشده اللهَ أعُمَرُ من المنافقين! أيُّ اتهام للنفس! أي سُمُو! أيّ دين! يا من لا يحسنون الظـن إلا بأنفسهم ويَصمون المسلمين!

الحق الدين: وهو إسلام وإيمان وإحسان. مراتب ودرجـات، وزيادة في الإيمان ونقصان، ومعصية وتوبة، وسلوك إلى أعلى وانحطاط إلى دركات. الحق القرآن والسنة،الشِّرعةُ والمنهاج،وما اجتهد فيه أئمة المسلمين فأجمعوا،أو تناوله قياس الفقيه التقي فهو مذهب.والبعث حق، والشفاعة حق، والحساب والميزان والجنة والنار.

ونرى بعد حين إن شاء الله ما هو الباطل الجاهلي.

السؤال هنا: هل يدخل الباطل الجاهلي في إسـلام المسلم؟ هل يبقى في النفس المسلمة بقايا جاهلية؟ هل تتساكن الجاهلية والإسلام في نفس واحدة ومجتمع واحد؟ كيف تتفاعل عناصر الجاهلية وعناصر الإسلام في النفس المفتونة والمجتمع المفتون؟هل تبقى هذه النفس وهذا المجتمع في دائرة الإسلام أم يخرجان منها بارتباك عناصر الإسلام بعناصر الجاهلية؟

عقد الإمام البخاري في كتاب الإيمان من صحيحه: “باب المعـاصي من أمر الجاهلية، ولا يُكَفَّرُ صاحبه إلا بالشـرك”. وذكر حديثاً نبـويا وبَّخ فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا ذر لما سب رجلا وعيره بأمه. قال له المربي الرسول صلى الله عليه وسلم: “يا أبا ذر، أعيَّرته بأمه؟ إنك امرؤٌ فيك جاهلية!” الحديث.

هكذا لم يسكُت صلى الله عليه وسلم عن الخطـإ، ولم يطـرد الصحابي المهاجر السابق من الإسلام. بل علَّمَ حدود الحق ومزالق الباطل.

وروى الإمام مسلم في صحيحه عن أبي مالك الأشعـريِّ رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “أربـع في أمتي من أمر الجاهلية لا يتركونهن: الفخر في الأحساب، والطعن في الأنساب، والاستسقاء بالنجوم، والنياحة”.

أربع من أمور الجاهلية يشدد الحديث في تركهن، لكن لا يُخْـرِجُ الأمة عن الإسلام لوجودهن واستمرارهن. هن معصيات بعضهن أفحش من بعض. هن بَصَمَاتٌ جاهلية على صفحات السلوك الإسـلامي والعقيدة الإسلامية. فجاهلية دون جاهلية: جاهلية كفر وجاهلية معصية.لا يكفر صاحب المعاصي إلا بالشرك. ولا يكفَّرُ المجتمع كله لوجود ملحدين بين ظهرانيه، ولا لفُشُوِّ المعاصي فيه.

كلمة “جاهلية” تُفيد لُغة معنيين اثنين: الجهلَ ضد العلم، والجهـلَ ضد الحلم. فالجاهلية النموذجية تجهل الحق وهو الدين، وتغمِط حق العباد وتظلم وتعنُف. هاتان سِمتان بارزتان في جاهلية عصرنا رغم تقدم العلوم الطبيعية ورغم الصيحة المدوية باحترام حقوق الإنسان.عنف الجاهلية المعاصرة وجهلها بالله يُعَرِّضان الإنسانية والأرض والجو والبحر للخراب. يَتَوقع الخبراء بعد ثلاثين سنة أن ترتفع حرارة الكوكب درجتين فتَحُلَّ الكارثة. وتلك كهانة عصرية. والله أعلم بعواقب الأمور.

نُسند المدلولَ اللغَويَّ للفظ “جاهلية” إلى مدلوله الشرعي كما دلت عليه آيات أربع من كتاب الله عز وجل تُحيط بالمفهوم وتُجليه. أربع خصائص في أربع آيات، لم يرد في القرآن ذكر للجاهلية في غيرها. فهي جامعة مانعة في التعريف بما هي الجاهلية. لمن يستمعون القول فيتبعون أحسنه. أولئك الذين هداهم الله. وأولئك هم أولو الألباب. اجعلنا اللهم منهم بفضلك.

1- في “ظن الجاهلية” ورد قولُه تعالى في معرض التذكير بأحداث أُحُدٍ وتزلزل المنافقين: “وطائفةٌ قد أهمتهمُ أنفسهم يظنون بالله غيرَ الحق ظن الجاهلية. يقولون هل لنا من الأمر من شيء. قل إن الأمر كلَّه لله. يُخفون في أنفسهم ما لا يُبدون لك”.

ظن الجاهلية باطل، “غير الحق”. ظن الجاهلية فراغ في العقيدة، وفقدان للثقة بالله تعالى، وهزيمة وخوف من الموت ونكوص عن الجهاد. ظن الجاهلية عاهة النفوس الجاهلية الأولى، ومصدر بلاء العقل والفكـر والسلوك. وعن تخلخل العقيدة تتفرغ العاهات الجاهلية الأخرى. أهمها جاهلية الحكم.

2- ورد ذكر “حكم الجاهلية” في قوله عز وجل عن أهل الكتاب الذين كفروا بمحمد صلى الله عليه وسلم ولم يرضَوْا بحكم شريعته المهيمنة على الكتاب، ولم يرضَخوا لحكومة الرسول الخاتم. قال جل من قائل: “أفَحُكْمَ الجاهلية يَبْغون. ومَنْ أحسنُ من الله حكما لقوم يوقنون”.

إذا كان “ظن الجاهلية” خللا في العقيدة وجُنوحا عن الحق لا تُعرف آفَتُه لأول وَهْلة لخفائه وكُمونه في الصدور، فإن “حكم الجاهلية” ظاهرُ العلاقة بين الحاكم والمحكوم، ظاهرُ تقيّدِ المجتمع بالشرع أو تفلّتِه منه، ظاهرُ السياسة إما أن تكونَ شورى فهي حق، أو تكون استبدادا يمارسه جاهليون كفار على مجتمعات جاهلية كافرة. فالكل جاهلية في جاهلية،أو تكونَ استعمارا واحتلالا يمارسه جاهليون كفار على المسلمين فهي مصيبةٌ، أن تكونَ مُلْكا عاضا أو جبريا يمارسه باسم الإسلام متلبسون بالإسلام أو مستورون وارثون للعروش أو منافقون طغاة تسكت عنهم الأمة وتخضـع لأنَّ معهم السيفَ أو لأنهم شوكتُها الوحيدة، فتلك فتنة.

3- الخِصِّيصة الثالثة من خصائص الجاهلية هي “تبرج الجـاهلية” الواردِ النهيُ عنها في قوله تعالى يخاطب نساءَ النبيِّ: “يا نساءَ النبيء لستن كأحدٍ من النساء إن اتقيتُنَّ. فلا تخضعن بالقول فيطمعَ الذي في قلبه مرض. وقُلن قولا معروفا. وقَرْنَ في بيوتكن. ولا تبرجن تبرُّج الجاهلية الأولى. وأقمن الصلاة وآتينَ الزكاة. وأطِعْن الله ورسوله”.

قال أهل اللغة: تبرُّجُ المرأة إظهـارُها لمحاسنهـا، وخروجُها من بُرجها وحِصْنِها.

في كتاب الله عز وجل الهُدَى لمن يستمع. فقد جاء ذكر “ظن الجاهلية” و”حكم الجاهلية” في صيغة الاستنكار. وهنا في “تبرج الجـاهلية” نهيٌ مباشر وخطاب مباشر لمن ارتفعت همتهنَّ لأعلى من مرتبة “أحدٍ من النساء”. خطابٌ مباشر رؤوف، لأن صلاح النساء تقواهن واستقـرارهن وإقـامتهن للصلاة وإيتاؤُهن الزكاة وإطاعتهن الله ورسوله وتلقينهـن مبـادئ الإيمان للذرية وحفظُهن الفطرة. صلاح نساء المسلمين هو المنطلقُ الضروريُّ لاعتقال الجاهلية وسَدّ منابعها وخَنْقِها والقضاء عليها في المهد.فتنة النساء وضياعُ النساء وتشرد النساء وبُؤس النساء ما مثلها فتنة.

4- “حَمِيّة الجاهلية” هي العصبية القبلية،والعنف الذي لا ينضبط، والتَّمالُؤُ على الباطل، ونُصرة أخيك العنصريِّ ظالما أو مظلوما. “حمية الجـاهلية” هي روح المعبود القومي. هي نقيصة في الدين وفتنة عظيمـة لأنها تنقُـض أساس وحدة الملة. ونرجع إلى أم الفتن هذه في الفقرة التالية إن شاء الله تعالى.

ورد عيب “حمية الجاهلية” وغضبيَّتِها في قوله تعالى يصف غَلَيَان المشركين يوم الحديبية: “إذ جعل الذين كفروا في قلوبهم الحميَّة حمية الجاهلية. فأنزل الله سكينته على رسوله وعلى المومنين وألزمهم كلمة التقوى وكانوا أحق بها وأهلها. وكان الله بكل شيء عليما”.

مع عيب حمية الجاهلية وصفُ نَقيضِها الإسلاميِّ: السكينةِ الجـامعةِ بين المومنين، ولزومِهم كلمة التقوى وهي جـامعة. وكان الله بكل شيء عليما. سبحانه لا إله إلا هو.