تحت إشراف اتحاد المنظمات الإسلامية بفرنسا، انعقد الملتقى الواحد والعشرون لمسلمي فرنسا بالمعرض الدولي Le Bourget تحت شعار “حرية التدين في المجتمعات المعاصرة”، وذلك بين 9 و12 أبريل.

والاتحاد يجمع عددا من الجمعيات الإسلامية العاملة في الساحة الفرنسية منذ العام 1983، ومن هذه الجمعيات: العصبة الفرنسية للمرأة المسلمة، وجمعية الشباب المسلم الفرنسي، وجمعية الطلبة المسلمين بفرنسا، والجمعية الخيرية لمساندة الشعب الفلسطيني…

برنامج اللقاء كان غنيا بمجموعة من المحاضرات والندوات، شارك فيها العديد من العلماء والمثقفين مسلمين وغير مسلمين. بالإضافة إلى أمسيات فنية أحيتها مجموعات إنشادية من فرنسا وبريطانيا وفلسطين وماليزيا.

وقد جاء هذا اللقاء، مباشرة بعد مصادقة البرلمان الفرنسي على قانون منع الحجاب في المدارس وغيرها من المؤسسات الحكومية، لذلك جاءت مداخلات أغلب الأساتذة المحاضرين معالجة لهذا المشكل، الذي مس الأقلية المسلمة بفرنسا. وفيما يلي فكرة عن هذه المداخلات:

1) من الكلمات التي ألقيت خلال المهرجان كلمة الأستاذ التهامي بريز، رئيس الاتحاد، الذي تكلم عن الشعار وربطه بما عرفته فرنسا من منع للحجاب في مدارسها ومؤسساتها الرسمية، مشددا على أن فرنسا انتقلت من لائكية متسامحة إلى لائكية إقصائية تستهدف المسلمين من خلال هذا القانون. وأضاف أن تطبيق هذا القانون سيؤدي إلى تعارض مع روح العلمانية التي تنص على حرية التدين.

كما أشار إلى عدة أحداث منها إحراق مسجدين بمنطقة Haute Savoie، وأدان أحداث 11 مارس بإسبانيا، وندد باغتيال الشيخ أحمد ياسين، مع التأكيد أن الاتحاد يرفض الخلط بين الصهاينة واليهود الذين يعتبرون جزءا من المجتمع يجب احترامه والتعايش معه في فرنسا.

وذكر أن مشكل الحجاب لا يجب أن يحجب عن الأنظار ما حققه المسلمين داخل المجتمع، وعلى رأس هذه الإنجازات مجلس الدولة للدين الإسلامي، وهو اعتراف للدولة بالدين الإسلامي سيؤدي لا محالة إلى إحقاق مجموعة من حقوق المسلمين…

2) وعرف المهرجان مداخلة للأستاذ أحمد جاء بالله نائب رئيس اتحاد المنظمات الإسلامية بأوربا، وهو أيضا عضو في المجلس الأوربي للبحوث والإفتاء، ومدير للمؤسسة الأوربية للعلوم الإنسانية بباريس.

وقد كان موضوع محاضرته “الحريات الدينية في الإسلام” حيث قسم الحرية في الإسلام إلى حرية فردية وحرية جماعة، موضحا أن العدل يقتضي تحقيق التوازن بين الحريتين.

ويعتبر أن الحرية الدينية كانت ولا تزال عبر التاريخ البشري من الأمور الأساسية ومن صلب المطالب التي سعى الإنسان لتحقيقها.

الإسلام يرفض الإكراه، قال تعالى “لا إكراه في الدين” وقال عز وجل “لست عليهم بمسيطر”، مهما كانت الديانة فالإسلام يحترم اختيار الإنسان، قال تعالى “وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر”.

ثم أشار إلى أهمية الحوار بين الأديان، حوار بالتي هي أحسن لأنه يدور حول مسائل خلافية يصعب حلها، قال تعالى “ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن إلا الذين ظلموا منهم”…

3) كما تقدم الأستاذ Vincent Gasser بمداخلة تحت عنوان « L Islam : une peur Européenne ? »، تحدث فيها عن أصل المشكل، وهو أن بعض الفرنسيين ما يزالون يرون المسلمين شعوبا متوحشة يجب أن تتحضر، نفس النظرة القديمة التي أدت إلى الاستعمار. بل إن أوربا ولمدة طويلة رفضت أن تعترف بالإسلام كدين، واعتبرت المسلمين طائفة منغلقة على نفسها « Secte ».

كما أشار إلى أن فرنسا تبحث عن “المسلم” الذي يخدم مصالحها « Le gentil musulman de service » الذي تجده في جمعيات كـ « SOS Racisme »وفي أحزاب كالحزب الاشتراكي « PS » … أولئك النوع من الناس الذين يشنون حربا على الإسلام أكثر ضراوة من الحرب التي يشنها المثقفون الفرنسيون.

ويضيف ملاحظة مهمة، وهي أن المدرسة في فرنسا تعرف مشاكل عدة فالحل عندهم هو توجيه الأنظار نحو الحجاب في هذه المدارس. والمستشفيات أيضا تعرف مشاكلا، مات الآلاف في الصيف الماضي بسبب هذه المشاكل، فالحل عندهم أيضا هو رفض الحجاب في هذه المستشفيات…

وانتهى إلى القول أن محاربة العنصرية ضد الإسلام والمسلمين هي مسؤولية الجميع.

4) كما تدخل الفرنسي « JEAN BAUBEROT » والذي عرف بمواقفه المشرفة ودفاعه عن المسلمين في لجنة « STASI » التي درست مسألة الحجاب في فرنسا بتكليف من الحكومة.

وكانت محاضرته بعنوان « Liberté religieuse en France » بدأ فيها بقراءة مقتضبة لتاريخ اللائكية في فرنسا مشيرا أن عصر الأنوار فيها عرف حربا شرسة بين المثقفين اللائكيين ورجال الدين وهي خصوصية فرنسية تتميز عن باقي الدول الأوربية.

ويضيف أنه يجب أن يفهم الجميع أن التنوع داخل المجتمع هو غناء وثروة كبرى وليست خطرا على الجمهورية، كما أن وحدة المجتمع بكل مكوناته هو قوة لا تقهر، وتشتت المجتمع هو ضعف خطير…

وختم كلامه بالقول إنه بالحوار البناء وبالتعاون سيصل الجميع إلى بناء مجتمع أفضل.

5) بعد ذلك تدخل الدكتور أحمد الراوي رئيس اتحاد المنظمات الإسلامية بأوربا، وكانت محاضرته بعنوان “مسلمو أوربا والحريات الدينية”، حيث ذكر بتكريم الله عز وجل للإنسان، قال تعالى “ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر”.

وذكر بأن تاريخ أوربا يعج بالأمثلة عن الاضطهاد الديني لم يسلم منه البروتستان، ولم يتوقف خلال عصر الأنوار. ولم يتطور هذا الموقف إلا بعد صدور الإعلان العالمي لحقوق الإنسان عن الأمم المتحدة سنة 1948.

الاتحاد الأوربي نشأ على أساس اقتصادي فلم يتطرق للأمور الحقوقية إلا مؤخرا حيث صدر عنه ميثاق الحقوق الأساسية، والذي نص على حرية التدين بوضوح، ويضيف أنه لا يستطيع أحد أن ينكر الحريات الدينية التي يتمتع بها المسلمون في أوربا عموما وفي فرنسا على وجه الخصوص، لكن هذا لا يسمح بالتنازل عن أي واجب ديني.

وفي موضوع الحجاب، أشار الدكتور إلى القرار الصادر عن جمعية حقوق الإنسان والتابعة للأمم المتحدة في فبراير 2004، الذي يصف قرار فرنسا بمنع الرموز الدينية بأنه يخرق الحرية الدينية وحرية التعبير…

وفي الأخير أكد على ضرورة مقاومة هذا القانون بالطرق الحضارية، والبعد عن ردود الأفعال الحماسية.

6) كما عرفت إحدى الندوات مشاركة الأستاذ فريد عبد الكريم، الذي تحدث عن ضرورة النقد الذاتي، لأن واقع المسلمين لا يسر، وكمثال: إذا حضر الفرنسي متأخر للمحطة يقول: “تأخرت عن القطار”

« J ai raté le train »، ولكن العربي المسلم يقول “ذهب القطار وتركني” أو “مشى علي التران”.

عندما كان الحديث عن مظاهرات ضد قانون الحجاب، هناك من حدد دجنبر كموعد للتظاهر وهناك من حدد يناير وآخرون فبراير … وعند التظاهر تناول الكلمة رجال ولم نسمع المعنيات بالأمر.

مشكل الإجرام المنتشر بين المسلمين، مشكل خطير بؤثر على الرأي العام الفرنسي والأوربي، مشكل الجهل، مشكل العنف…

مجهود كبير مطلوب من مسلمي فرنسا ليكونوا في المستوى.

7) وفي ندوة أخرى تدخلت الأستاذة سعيدة قدة لتذكر بمسألة هامة وهي أن المجتمع الفرنسي بدأ النقاش حول الحجاب منذ 1989، ومضت 15 سنة لم يحاول خلالها السياسيون الفرنسيون فهم الخصوصية في اللباس المتعلق بالمرأة المسلمة، بل أثبتوا، من خلال قانون منع الحجاب، القطيعة الخطيرة بينهم وبين أبناء فرنسا ذوي الديانة الإسلامية.

8) أما الأستاذة مليكة ضيف فقد ركزت على أهمية معرفة المجتمع وفهمه والتواصل مع أفراده، من أجل التعريف بالإسلام وتحبيبه للناس.

وقد شددت على تجنب العنف في القول والعنف عموما، مشيرة إلى أن الشعب الإسباني خرج قبل شهور لإعلان رفضه للحرب على العراق في مظاهرات متعددة، ولعل الكثير من ضحايا 11 مارس خرجوا في هذه المظاهرات، فكيف يقتلون بحجة رفض الحرب على العراق!

وأشارت إلى أن الكثير من المسلمين لم يقرؤوا الإنجيل، لا يعرفون أنه يؤكد على فعل الخير وتجنب الشر وبر الوالدين و… لا يعرفون أنه يقص قصص الأنبياء: آدم، نوح، موسى…

معرفة هذه الأمور تيسر التواصل مع الآخر وجهلها مشكل كبير يعقد عملية التواصل. وتضيف: “لي أم مسيحية، حين أكلمها عن الإسلام تقول هذا جيد، لكن انظري إلى سلوكات المسلمين، وهذا رأي الكثيرين”.

9) وشارك الباحث  François BURGAT بمداخلة بعنوان « La liberté religieuse et les libertés politiques » أشار فيها إلى خطورة الدور الذي تلعبه وسائل الإعلام الفرنسية في التضييق على الحرية الدينية للمسلمين.

ومن المتدخلين أيضا « Noël Mamére » أحد نواب حزب الخضر في البرلمان وأحد القلائل الذين صوتوا ضد قانون منع الحجاب والأستاذ فؤاد العلوي السكرتير العام للاتحاد، والشيخ عبد الله بن بيعة، والأستاذة نورة جاء بالله، والأستاذ طارق أوسروا، والأستاذ حسن إيكيوسن، والشيخ عبد الله لصفر، والدكتور محمد الهلباوي…

وقد تخلل اللقاء تنظيم الاتحاد بالتعاون مع الهيئة العالمية لتحفيظ القرآن الكريم والمعهد الأوربي للعلوم الإنسانية، مسابقة لحفظ وترتيل كتاب الله تعالى، بينت المجهود الكبير الذي تبذله المراكز الإسلامية في أوربا لتحفيظ القرآن لأبناء المسلمين.

ولقد لقي المهرجان نجاحا كبيرا، بحيث فاق عدد الزوار المائة ألف حسب تصريح السكرتير العام للاتحاد.