كلمة قومة أخذناها من تاريخنا. فقد كان علماؤنا يسمون جند الله الناهضين في وجه الظلمة قائمين. عرف تاريخنا قائمين من آل البيت كالإمام الحسين بن علي، وزيد، ومحمد النفس الزكية، ويحيى، وإبراهيم. نستعمل كلمة قومة تفاديا لاستعمال كلمة ثورة. لأن “ثورة” فيها العنف ونحن نريد القوة. والقوة وضع يد التنفيذ في مواضعها الشرعية بينما العنف وضعها بميزان الهوى والغضب. “ثورة” كلمة استعملت لوصف الحركات الاجتماعية الجاهلية، فنريد أن نتميز في التعبير ليكون جهادنا نسجا على منوالنا النبوي، لا نتلوث بتقليد الكافر. على أن القومة نريدها جذرية تنقلنا من بناء الفتنة ونظامها، وأجواء الجاهلية ونطاقها، إلى مكان الأمن والقوة في ظل الإسلام، وإلى مكانة العزة بالله ورسوله، ولابد لهذا من هدم ما فسد هدما لا يظلم ولا يحيف، هدما بشريعة الله، لا عنفا أعمى على الإنسان كالعنف المعهود عندهم في ثوراتهم.

فتربيتنا الإيمانية وتنظيمنا الجهادي ينبغي أن يرصدَا طاقاتنا ويوجهاها لقومة أعمق أصلا، وأرفع وأوسع منبسطا، من حروب التحرر من الاستعمار وثورات ما بعد التحرر، تلك “الثورات” التي نقلت شعوبنا المغلوبة على أمرها من نظام جاهلي يميني إلى آخر يساري، ثم عودا على بدء في حمى الاضطراب التي تعصف بنا على يد حكام الجبر فينا.

تربيتنا وتنظيمنا ينبغي أن يعدا القوة الإسلامية الذاتية التي لا تعتمد على سند جاهلي، لتقاوم آثار الفساد في مجتمعاتنا وجند الإفساد الجاثم على صدرنا، حتى نستقيم على أقدامنا، ونكسب المناعة ضد الغزو الفكري، والغزو الفعلي، والحصار الكائد والخانق من وراء حدودنا. في بلادنا الإسلامية صنائع للجاهلية، وسدنة من بني جلدتنا لمصالحها وفكرها، يحكموننا بغير ما أنزل الله. فجهادهم لا يتأتى بوسائل على نمط وسائلهم، ولا على أرضية صنعوها وهيأوها وبثوا فيها الألغام من حيث لا ندري. لن يقوم القومة الإسلامية إلا جند الله الذين يتعين أن ننشئهم ونربيهم على نشدان الشهادة، ثم ننظمهم وننظم تغلغلهم في الشعب تعاطفا معه وتعليما وتبشيرا وتحريضا، حتى تتألف الموجة الإسلامية العارمة التي ينبغي أن نقودها لتكون قومة إسلامية لا ثورة عمياء.

في القومة الإسلامية ينبغي أن يعرف كل مجاهد من جند الله مهمته في الصف، يتصورها بوضوح كما يتصور المهمة الكلية للجند وخط سيره. وإن كان صناع الثورات لا يعرفون من التربية إلا التثقيف الإيديولوجي يتلوه الانضباط الحديدي في التنظيم، فإن صناعة القومة تريد من جند الله، مع الإيمان بالله والسباق إليه، مشاركة في الفهم والتنفيذ بحافز من داخل، بحافز الإيمان والبذل في الله. ولا تأتي الطاعة لنظام الصف إلا مكملا من خارج.

أمرنا الله عز وجل أن لا نطيع أمر المفسدين. قال عز من قائل على لسان صالح عليه السلام يخاطب قومه: (ولا تطيعوا أمر المسرفين الذين يفسدون في الأرض ولا يصلحون). (سورة الشعراء، الآيتان: 151-152)

والأمر سار فينا إلى يوم القيامة. فعندما تتألف الموجة العارمة يستطيع المؤمنون إيقاف الفساد بالعصيان الشامل، والإضراب العام، والنـزول للشارع، حتى يخزي الله المسرفين الذين يفسدون في الأرض ولا يصلحون. على أن القومة قد تشق وسط الأحداث المتموجة طريقا إلى الإسلام غير هذه المحجة الناصعة. فيربى المؤمنون على الصمود الطويل، دون رفض الفرص التاريخية والفجوات والثغرات في صف المسرفين. ويرصد الصف الإسلامي على سلوك تلك المسيرة القاصدة دون أن يمنعه ذلك عن النفاذ إلى الحكم من مسارب جانبية كلما كان التسرب حكمة. هناك خطر احتواء الموجة الإسلامية بإفساد الرجال، والكيد للحركة، والانحراف بها. ولكن متى كانت التربية إحسانية، وكان الجند وقادة الجند ربانيين، فإن لعبة الاحتواء تنفضح وتنهزم آخر الأمر.

صمود ومرونة، خط ثابت وحركة حكيمة. لابد أن نعرف قواعد الحرب السياسية المحلية والعالمية. ولا بد أن يكون للتنظيم المجاهد أفق فكري، ومواضع أقدام على رقعة السياسة، واستعداد لمزاحمة الأعداء ومكايدتهم ما دامت الموجة العارمة لما تتألف. ولا بد أن تكون التربية إعدادا شاملا لذلك المؤمن المجاهد الذي ينبري أمام العدو، يعرض صدره للرصاص والدبابات عند الحاجة، لكنه يتجهز بكل أسباب القوة العلمية والعملية ليساهم في الصف وراء القيادة في التقدم خطوة خطوة بالقضية الإسلامية، سرا وجهرا، كرا وفرا، يوما لنا ويوما علينا، حتى النصر إن شاء الله.