النداء العُلْوي يُهيب بك يا إنسان باقتحام العقبة، ويستفهمك سائلا لتتيقظ إلى أن هنالك عقبة تقتحم، وأن لاقتحامها شروطا. (فلا اقتحم العقبة! وما أدراك ما العقبة؟)(سورة البلد، الآيتان: 11-12) استفهام وحض واستنهاض.

ثم ينوع الله الرحمن بخلقه، الفارح بتوبة عباده، الخطاب لتقوم الإرادات الباردة، وتعزم على طلبه سبحانه الهمم الراكدة. فمِنْ أساليب إثارتك يا إنسان وتعليمك وتنبيهك أن تُعرَض عليك مراتب الإرادات. قال الله تعالى: (من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه، ومن كان يريد حرث الدنيا نوته منها، وما له في الآخرة من نصيب).(سورة الشورى، الآية: 20) وقال عز من قائل: (من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوَفّ إليهم أعمالهم فيها وهم فيها لا يبخسون. أولئك الذين ليس لهم في الآخرة إلا النار، وحبط ما صنعوا فيها. وباطل ما كانوا يعملون).(سورة هود، الآيتان: 15-16)

وأنت ترى أصلحك الله أن الله جلت حكمته لا يبخس أهل الدنيا أعمالهم في الدنيا. وما تفوق العالم المصنع المتعلم المنظم من حولنا إلا نتيجة توفية الله عز وجل لكل قوم أعمالهم وَفق ما يريدون.

فما السبيل إلى أن تقترن إرادتنا لله والآخرة بالإرادة الجهادية القائمة أسبابها على العمل الدنيوي التصنيعي التكنولوجي التنظيمي؟ مهما نَحِدْ عن تربية القرآن وأحضان النبوة نَزِغْ عن الطريق.

إن الله اللطيف الخبير أدّب نبيه صلى الله عليه وسلم فأحسن تأديبه، فكان من أهم ما أدّبه به لنتعلم نحن الأمة الربانية المرحومة أن قال: (واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه، ولا تعدُ عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدنيا ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فُرُطا).(سورة الكهف، الآية: 28) يريدون وجهه، لا إله إلا الله!

اقُتُرِحَ عليك الاقتحام، وعُينت لك الرفقة مع المريدين الذاكرين غير الغافلين، أرباب القلوب العاكفين بباب الله بالغداة والعشي. فأين إرادتك من الإرادات؟ وأين همتك من الهمم؟ إن كانت لا تحركنا الإهابة القرآنية فلعل ملاحظة أقراننا في الإنسانية والإسلام، السابقين الراقين في مرافع الإحسان، توقد فينا حمية المنافسة.

قال شيخ الإسلام ابن القيم في تفصيل الإرادات والهمم: “لذّة كل أحد على حسب قدْره وهمته وشرف نفسه. فأشرف الناس نفسا، وأعلاهم همة، وأرفعهم قدرا، من لذّته في معرفة الله، ومحبته، والشوق إلى لقائه، والتودد إليه بما يحبه ويرضاه. فلذته في إقْباله عليه، وعكوف همته عليه. ودون ذلك مراتب لا يحصيها إلا الله، حتى تنتهي إلى من لذته في أخس الأشياء من القاذورات والفواحش في كل شيء من الكلام والفعال والأشغَال”.

وصنف الإمام الغزالي إرادات الناس وتعلُّقَها بالمطلوبات والمحبوبات، من لعب الأطفال، يرى الأطفال أن اللعب أعظم اللذات، إلى لذة البطن والفرج عند الكبير، إلى لذة العلم في عمر النضج، إلى لذة الرئاسة لمن نَالَهَا بالسيف أو القلم. ويشير الغزّالي من طَرْف خَفِيٍّ إلى قصته حين زهد في الرئاسة وخرج يبحث عن الدليل إلى الله فسخر منه الساخرون. قال: “وكما أن الصبي يضحك على من يترك اللعب ويشتغل بملاعبة النساء وطلب الرئاسة، فكذلك الرؤساء يضحكون على من يترك الرئاسة ويشتغل عنها بمعرفة الله تعالى. والعارفون يقولون: (إنْ تسخروا منا فإنا نسخر منكم كما تسخرون فسوف تعلمون)”.(سورة هود، الآيتان: 38-39)

من الإرادات من زادُها العَوَز، ومن الهمم مَن طبعها الخَوَرُ. كان لأمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز نفس تواقة عالية. قال لمولاه مزاحم وقد تعجب مزاحم من زهد مولاه الذي كان في شبابه متوسعا في المعايش فلما ولي أمر المسلمين ضرب لمن بعده مثلا خالدا : “ويحك يا مزاحم! لا يكثرن عليك شيء صنعته لله، فإن لي نفسا توّاقة، لم تَتُقْ إلى منزلة فنالتها إلا تاقت إلى ماهو أرفع منها، حتى بلغت اليوم المنزلة التي ما بعدها منزلة. وإنها اليوم قد تاقت إلى الجنة”.

هذا التوقان المجيد إلى الجنة حُداءٌ تترنم به النفوس الطيبة. وهناك التوقان الأعظم، الشوق إلى رب الجنة والنار، والسعي إليه والعجلة إليه على أجنحة الهمم الطيارة.

ما تحدث ابن عبد العزيز عن هذه المرتبة، وكانوا في القرون الثلاثة الفاضلة كتومين لمواجيدهم وأشواقهم. ولله همم أولياء الله الذين حَدَوْنا وتحدّونا بالإخبار عن إراداتهم الشامخة ومطالبهم السامية. جزاهم الله عنا أفضل الجزاء، فسروا لنا بمثالهم وقصة حياتهم معاني القرآن حين ينادي “سابقوا”، “سارعوا”، ومعاني “من تقرب إلي شبرا تقربت إليه باعا” الوارد في الحديث القدسي. همم صوارم!

قال الإمام الشيخ أحمد الرفاعي: “ليست الهمة أن يقف الرجل عند حجابه، بل الهمة أن يَفْتِق شراع الحجاب، ويتدلى إلى الرحاب. صوارم الهمم تفعل ما لا يمر بالأوهام. حُجب الغيوب لا تشق إلا بسهام القلوب”. وعلى قدر همتك تُعطى. فأي شيء طلبت في عمرك يا إنسان! أما سمعت نداء ربك الكريم (ادعوني أستجب لكم)؟(سورة غافر، الآية: 60) وليس الطلب بالتمني، لكن بالتشمير والهجرة إلى الله بعد التوبة والإنابة مع المنيبين.

لعلكِ يا نفسي الراكدة الهامدة القاعدة تجدين مُنيبا يقرع سمعك بقوارع اللوم كما كان يقرَع الأئمة السابقون. قال كبير من كبراء الأمة، أسمِّعُكِ كلامه بعد ثمانية قرون ونصف عسى وعسى: “يا غلام! على قدر همتك تعطى! اِبْعَدْ عما سوى الحق عز وجل بقلبك حتى تقرب منه. مُتْ عنك وعن الخلق وقد رفعت الحجب بينك وبين ربك عز وجل. قال (الغلام): كيف أموت؟ (الجواب:) مت عن متابعة نفسك وهواك وطبعك وعاداتك، وعن متابعة الخلق وأسبابهم. وآيس منهم، واترك الشرك بهم وكل شيء سوى الحق عز وجل. اجعل أعمالك كلها لوجه الحق عز وجل(…) فإذا فعلت هذا فقد مُت عنك وحييت به”.

“ولله الهمم ما أعجب شأنها، وأشد تفاوتها! فهمة متعلقة بمن فوق العرش. وهمة حائمة حول الأنتان والحُشّ. العامة تقول: قيمة كل امرىء ما يحسنه. والخاصة تقول : قيمة المرء ما يطلبه. وخاصة الخاصة تقول: همة المرء إلى مطلوبه”.

“فلله همة قطعت جميع الأكوان! وسارت فما ألْقَتْ عصى السير إلا بين يدي الرحمان، تبارك وتعالى. فسجدت بين يديه سجدة الشكر على الوصول إليه”.

من أصحاب الحسرة والثبور من لا يجد من إرادتهِ رفْدا لهبُوطها، ولا من همته جهدا لسقوطها. ومن الرجال من تَبْلُغُ إرادته توترها ومدها، وتناهض نفسه في ميدان المنافسة قِرْنَها ونِدّها، وتقتحم همته الأكوان خارقة عقبتها وسدها. اخرق السدود بينك وبين المولى، عسى أنواره لك تَجَلّى.

قال الإمام الغزالي: “السد بين المريد وبين الحق أربعة: المال والجاه والتقليد والمعصية(…). فينْبغي أن يطلب كشف ذلك من المجاهدة لا من المجادلة(…). فإذا قدم هذه الشروط الأربعة (وهي خرق سدود المال والجاه والتقليد والمعصية)، وتجرد عن المال والجاه كان كمن تطهر وتوضأ ورفع الحدث وصار صالحا للصلاة. فيحتاج إلى إمام يقتدي به. فكذلك المريد يحتاج إلى شيخ وأستاذ يقتدي به لا محالة ليهديه إلى سواء السبيل. فإن سبيل الدين غامض وسبل الشيطان كثيرة”.

من قال إن سبيل الدين غامض؟ أنت يا حجة الإسلام، يا من كانت تشد إليه الرحال للفتوى وتتزاحم حوله الرجال للاستفادة والتلمذة؟ ثم خرجت تطلب إماما بعدما أعياك نطح السدود والتماس الأشنان لتغسل بها ذات نفسك من أدْران الهوى والدنيا!

لقد كلفتنا جسيما أن نُبَيِّن لمن لا يريد أن يسمع كيف يكون سبيل الدين غامضا ورسول الله صلى الله عليه وسلم علم أصحابه وبين، وما ترك صغيرة ولا كبيرة إلا أوضحها وجلاها حتى تركهم على مثل المحجة البيضاء، ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك.

جزاكم الله عنا خير الجزاء يا أكابرنا. لقد أمحضتمونا النصح حين أجمعتم على أن سُلوك الطريق إلى الله عز وجل بلا إمام مرشد ولي مغامرة في وُعورة لا أول لها ولا آخر.

كنت قد شارفت الأربعين عندما تداركني الرؤوف الرحيم بالمومنين بهبة ويقظة، فهام الفؤاد، وغلب التفكير في المبدإ والمعَاد، فوجدتني محمولا على الطلب مدفوعا إليه. كيف السبيل إليك يا رب؟ وعَكفت على كتب القوم، فما منهم إلا من صرفني للبحث عن الرفيق قبل الطريق. بِمن أَستنجد يا رب غيرك؟ وشككت وترددت أهو شرك مع الله؟ لكنني بَعد أن استغرقْت في العبادة والذكر والمجاهدة والتلاوة زمانا تبيّنتُ أن طلب ما عند الله هو غير طلب وجه الله. الأعمال الصالحة إن كان فيها الإخلاص وقبلها الحنان المنان تنيل الجنان. لكن أي شيء يرفعني إلى مقامات الإحسان وَفسحات العرفان. واشتد بي الأسى، وعِفْتُ نفسي، وتضرعت وبكيت عليه، هو الملك الوهاب. وأتحفتني ألطافُهُ بلقاء عارف بالله رباني صحبته أعواما رحمه الله. وفَهمت منذئذ ما معنى كون الطريق مسدودا، ولم هذه السدود، وكيف اختراقها، وأين، ومتى، وأيَّانَ! لله الحمد والمنة، ولأهل الله الناصحين خلق الله، لا يخافون في النصيحة غير الله، ولا يرجون إلا الله، الشكر الخالص. لا إله إلا الله محمد رسول الله.

غالب المُربين يخبرون أن الإرادة ترك العادة، وأن الهمة نهوض القلب في طلب الحق. وقالوا: الإرادة لَوْعة تُهَوِّن كل روعة! لوعة على ماذا؟ وروعة من ماذا؟ إذا كان لا يزورك هَم بالعاجلة ومعناها، والآجلة ومبناها، ولا يخامرك خاطر طلب الحق كما طلب الرجال، فلمثلك يقال:

دع المكــارم لا ترحل لبغيتها واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي

اقعد في سفاسف الأمور. واعلم أن الله عز وجل يحب معالي الأمور وأشرافها، ويكره سفسافها كما جاء في الحديث. وأي شيء أعظم وأشرف وأعلى من همة سمعت السماع القلبي أن الله يتخذ من عباده أولياء أصفيَاء فتلوعت واكتوت. وتروعت وفقدت الراحة وأظلم نهارها كمدا وابيض ليلها أرَقاً! وما استقر لها قرار حتى وضعت قدمها على أول الطريق، وهو العُثور على الرفيق.

قال الدقاق رحمه الله: “الإرادة لوعة في الفؤاد، لَذعة في القلب، غرام في الضمير، انزعاج في الباطن، نيران تتأجج في القلوب”.

هنالك مريد ومُراد في اصطلاح القوم، والكل إرادته عز وجل وإفضاله. طائفة سلك بهم طريق المجاهدة والصبر والمكابدة فهم المسمون مريدين. وطائفة سلك بهم طريق المِنن، ومهد لهم في السر والعَلَن، وأسلس لهم الرَّسَن، وحملهم على أجنحة التوفيق والوفاق إلى التلاق. أولئك هم المرادون. سادتهم الأنبياء ثم الصحابة المجاهدون فالإخوان المكرمون. جعلنا الله منهم بمنه وعفوه وكرمه. آمين.

لا خَبَرَ عند الطاعمين الكاسين بأن يقظة القلب، ولوعة الفؤاد، وهبوب الهمة، ولذعة الليل والنهار إيذانٌ بخرُوج القلب من ظلمات الغفلة، وبميلاد الروح من رَحِم النفس ومَشيمَتِها. قال كبير من أهل الذوق والتوق والشوق شيخ الإسلام ابن القيم رحمه الله: “القلوب في هذه الولادة ثلاثة. قلب لا يولد ولم يأْنِ له أن يُولدَ، بل هو جَنين في بطن الشهوات والغي والجهل والضلال. وقلب قد وُلد وخرج إلى فضاء التوحيد والمعرفة، وتخلص من مشيمة (أحشاء الرحم) الطباع وظلمات النفس والهوى، فقرّت عينه بالله، وقرت عيون به وقلوب، وأنِسَتْ بقربه الأرواح، وذكَّرت رؤيتُه بالله. فاطمأن بالله، وسكن إليه، وعكف بهمته عليه، وسافرَت هِممُه وعزائمه إلى الرفيق الأعلى. لا يَقِرّ بشيء غير الله، ولا يسكن إلى شيء سواه، ولا يطمئن بغيره. يجد من كل شيء سوى الله عِوَضا. ومحبته قوته. لا يجد من الله عوضا أبدا. فذكره حياة قلبه، ورضاه غاية مطلبه(…). وقلب ثالث في البرزخ ينتظر الوِلادة صباحا مساء. قد أصبح على فضاء التجريد. وأنِس من خلال الديار أشعة التوحيد. تأبى غَلَبَات الحب والشوق إلا تَقرُّباً إلى مَن السعادة كلها بقربه، والحظ كل الحظ في طاعته وحبه”.

لا تحسبي يا نَفْس أن بالقوم رضي الله عنهم وَلُوعاً بالأدب وحباً في النثر الفني ينمقون العبارات للمعارض الكلامية. قصدهم إثارتك لتسألي مَنْ قلبك بين القلوب، وأين أنت من معانى الإرادة والهمة والميلاد القلبي. ولعل أنامل الكلمة الرقيقة من نثر وشعر تتخلل كيانك الكثيف لتبلغك لطائف المعاني.

انظري أية سدود تعوقك عن الاقتحام، أم أن مستنقع الرذيلة مجال يستهويك، أو عندك “فضيلة” رخيصة أنت تستحْلينها، مفضلة “عافية الجبناء” المريحة من اللوعات والروعات؟!

إنه الملك الوهاب سبحانه، عليكِ به إن آنسْت تخفُّفا من جذَبات الإبطال والإحباط، أو عطّرتكِ نسمة من مسافرين إلى الله مجاهدين في سبيل الله فهجس فيكِ هاجس الطلب.

إن فاتكِ أن تكوني من الذين “قرت عيونهم بالله، وقرت بهم عيون وقلوب، وأنست بقربهم الأرواح، وذكرت رؤيتهم بالله”، وكانوا على باب الملك تراجمة عن الوحي أمناء للرسل، فلا أقل من أن تقفي بالباب راجية راغبة.

“ما اسمكَ؟! اسمكَ مذنب، اسمكَ غدا محاسَب ومناقَش. أنت في القبر مذموم، لا تدري أمن أهل النار أنت أم من أهل الجنة. عَاقبتك مبهمة فلا تغترَّ بصفاء حالك. ما تدري ما اسمك غدا. يا بُنَيَّ إذا أصبحت فلا تحدث نفسك بالمساء، وإذا أمسيت فلا تحدث نفسك بالصباح.(…) علامة غفلتك مصاحبتك الغافلين. يا أحمق؟ من لا يظهر عليه أمارات الحق لماذا تصحبه؟(…) يا أحمق! تأتي باب هذا وباب هذا تسأله حتى يكثر جمعك (الحديث موجه لمن يطلب بعلمه الرئاسة على الخلق). كيف يرجى لك الفلاح! هلا كنت على باب الملك؟!”.

أوصى الأكابر بالوقوف بالباب وبتعلم آداب الوقوف ممن “عندهم رأس الأمر كله، وهم قناطر الخلق”. قال الشيخ أحمد الرفاعي رحمه الله: “أوصيكم كل الوصية بعد علم واجبات الدين بصحبتهم، فإنها تَرياق مجرب. عندهم رأس الأمر كله. عندهم الصدق والصفاء، والذوق والوفاء، والتجرد من الدنيا، والتجرد من الأخرى، والتجرد إلى المولى. وهذه الخصال لا تحصل بالقراءة والدرس والمجالس. لا تحصل إلا بصحبة الشيخ العارف الذي يجمع بين الحال والمقال. يدل بمقاله، وينهض بحاله. أولئك هدى الله فبهداهم اقتده”.

إن كنت لم تفهم معنى “التجرد من الأخرى، والتجرد إلى المولى” فاصبر معي إلى آخر الكتاب، عساك تفهم، وتغنم، والله أعلم.