بسم الله الرحمن الرحيم، اللهم صل على سيدنا محمد النبي وأزواجه أمهات المؤمنين وذريته وأهل بيته كما صليت على آل سيدنا إبراهيم إنك حميد مجيد.

إخواني الطلبة، أخواتي الطالبات السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، جليسكم لابد أن تغمره معاني الفتوة، ولابد أيضا أن يلاحظ في أعينكم بريق الحاجة والأمل. فاستغلوا استغلالا شريفا حدة عقولكم وقوة شبابكم ولا تـركنوا إلى ما فيه مضيعة لأخلاقكم ومجلبة للندم وما يسقطكم في فخاخ اليأس ومواطن الغبن، وانصرفوا إلى التعلم والاستزادة المستمرة من العلم. عن سعيد بن أبي سعيد عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “من تعلم العلم وهو شاب كان كوشم في حجر، ومن تعلم العلم بعدما يدخل في السن كان كالكاتب على ظهر الماء”.

ومن جميل ما قيل في باب الشباب والتعلم حملت لكم أبياتا لشعراء كانت الحكمة ضالتهم والنصح ديدنهم. قال خلف الأحمر:

خير ما ورث الرجــال بينـــه أدب صـالح وحـسنُ ثنـــاء

هو خـير من الدنــانير والأوراق في يــوم شـدة أو رخـــاء

تلك تفـنى والدين والأدب الصــــــالح لايفنـيـان حتى اللقــــاء

إن تـأدبت يـا بُنيّ صغـــيرا كنت يوما تُعـد في الكـــبراء

وإذا مـا أضـعت نفـــسك أُلفيت كبـيرا في زمرة الغوغــاء

ليس عَطْفُ القضيب إن كــان رطبا وإذا كان يابســـا بسواء

وقال أبو عمر:

عليك بأهل العـلم فارغب إليهم يفيدوك علـما كي تكون علـيما

ويحسب كل النــاس أنك منهم إذا كنت في أهـل الرشاد مقـيما

فكل قرين بالمقارن يقـــتدى وقد قـال هذا القائلون قديـمـا

وقال أبو القسم أحمد بن عصفور رحمه الله:

مع العلم فاسلك حيث ما سلك العلم وعنه فكاشف كل من عنده فهـم

ففيه جلاء للقلوب من العـــمى وعَوْنٌ على الدين الذي أمره حتـم

فإني رأيت الجهل يُزري بأهـــله وذو العلم في الأقوام يرفعه العــلم

يُعَدُّ كبير القوم وهو صغيرهـــم وينـفذ منـه فيهم القول والحكم

إلى أن قال:

فخالط رواة العلم واصحب خيارهم فصحبتهم زَيْنٌ وخلطتهم غُنــم

ولا تَعْدُوَنَّ عيناك عنهم فإنهـــم نجوم إذا ما غاب نجم بدا نجــم

فوالله لولا العلم ما اتضح الهــدى ولا لاح من غيب الأمور لنا رسم

وكان أبو بكر قاسم بن مروان الوراق ينشد:

والعلم زين وتشريف لصــاحبه أتت إلينا بذا الأنبـاء والكــتب

والعلم يرفع أقواما بــلا حسب فكيف من كان ذا علم له حـسب

فاطلب بعلمك وجه الله محتـسبا فما سوى العلم فهو اللهو واللـعب

بعد هذه الأبيات الناصعة الناصحة أذكركم أحبتي أنه من أوجب وآكد حقوقكم الحصول على المعارف واكتساب العلوم وإدراك الحقائق لتكونوا رجال الغد الفاعلين، فيكم الفائدة الكبرى، وفيكم الأمل العظيم، وفيكم البشارة المرجوة. ولعل عملي المتواضع يفتل في هذا الحبل ويقصد هذا السبيل وينحو هذا المنحى النبيل.

أظن أننا جميعا متفقون على أن هناك فوضى في العالم. ولا نحتاج إلى أدلة لنثبت أن هناك ضجيجا. فالظواهر الأكثر انتشارا في عالم اليوم هي الخوف واليأس والبؤس والعناء والشقاء والتيه والاستبداد. وهذه أمور لا تحجبها ولا تسترها علامات الزخرفة والبهرجة وكثرة المال والمتاع.

إذ إنسانية الإنسان وفطرته التي جُبل عليها لا تسمح له أن يبيع أنفس ما فيه وأقدس ما يجب أن يملكه وأطيب ما يعتز به: سكينته وطمأنينته وأمنه.

وقد أعطى الباري سبحانه درجة جليلة لقيمة الأمن في قوله سبحانه: “فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ”. الجوع والخوف مقابل الطعام والأمن. الطعام لجسم الإنسان وظاهره وجوارحه، والأمن لقلبه وباطنه ووجدانه.

خلق الإنسان “في أحسن تقويم” . فلا حِوَلَ ولا اعوجاج ولا ميل ولا تشوه. وإذا ما حصل شئ من ذلك فعلى الإنسان أن يَقُوم من تَوِّهِ. فالأمر فيه مسارعة وخفة واستعجال. لأن ما أبدعه الله الحكيم العليم الخبير قد أصابه جهلُ وزيغُ الإنسان بالمفسدة والضلال. وبعد كل عثرة وزلة لابد من إصلاح وتوبة. هذا خلق ذوي المروءات ومحبي الاستقرار ودعاة الجمال الحقيقي لا المزيف.

حينما نقول أن الفرد المسلم – أو الجماعة إن أمكن وجودها  عليهما أن يقوما لتعظيم حق الحق سبحانه وإنزاله مكان القداسة والدوران معه حيث دار فهذا يتطلب وعيا وعلما وإدراكا وإحاطة وفهما وإرادة. وقد جمع ابن المبارك بعضا من هذه المطالب العلمية الأدبية في تعبير نفيس حكيم فقال رحمه الله: أول العلم النية ثم الاستماع ثم الفهم ثم الحفظ ثم العمل ثم النشر. بمعنى آخر لابد من تربية. تربية رجال وطليعة وجماعة قادرة على الاقتحام بأناة وصبر ولكن على بينة وبصيرة.

أجد نفسي مضطرا قبل أن ألج الموضوع أن أدعو ذاكرتكم لملاحظةٍ مهمةٍ تعرفونها جميعا: إن المصطلح الأكثر حضورا في المجال السياسي المغربي هو مصطلح “المخزن “. وهذا المصطلح هو الخاطرةُ الأكثر تغلغلا في ذاكرة الأجيال المعاصرة حتى درج المغاربة المستضعفون منهم على تداول المثل المشهور: “ثلاث لا لعب معهم، البحر والنار والمخزن”. فالمخزن في عرف الناس، ومخيلة الناس يعادل في مكره وكيده وبطشه اللهيب المحرق والنار الحامية التي لا تفرق بين الأخضر واليابس. ويعادل في استعلائه وطغيانه البحر الهائج. وكلما استحضر الإنسان هذه الصورة استحضر الموت والفناء والنهاية. والمخزن له هذه الصورة، إن لم يقتلك ماديا كما يفعل البحر وتفعل النار فهو قاتلك معنويا. وله خبرة عجيبة ومتألقة في صناعة الوهم. فهو دائما يوهمك بالبناء، ويوهمك بالديمقراطية، ويوهمك بالتطور، ويوهمك بالإصلاح والعهد الجديد. بكلمة واحدة يوهمك بأنه يصنع دولة. ماذا أعني بهذا ؟ أعني أنك تكون مخطئا وأنا معك حينما نعتقد أن هناك عملا سياسيا يفضي إلى صناعة مجتمع، وصناعة دولة، وصناعة مستقبل، وصياغة مشروع يخدم الإنسان ويشتغل وفق مصالحه ومطالبه ويفتح له آفاقا رحبة لإسعاده.

أقول هذا لأني حينما أتكلم في هذا الموضوع المحدد للمحاضرة فإنني أضع بيني وبين الحديث في شؤون التدبير السياسي بهذا البلد العزيز مساحة لا محدودة. ولهذا أرمي بالتعاون معكم  في انتظار مداخلاتكم  البحث ولو على مستوى التصور على أشكال صحيحة وسليمة ومقبولة شرعا وعقلا للعمل السياسي.

السياسة في المغرب فقدت الأرضية الصلبة، عفوا عن هذه الهفوة الخطيرة والزلة السخيفة !!! الأرضية لم توجد أصلا. لا أرضية إلا ببروز ووجود ورعاية الحرية، والمخزن في لبه ودعوته ظهر عندنا ليحرر الناس من الحرية. ولا أرضية إلا بالتشجيع وغرس وغرز روح المبادرة، والمخزن جاء ليعلمنا كيف نشمئز من التعبئة والإرادة الجماعية ونتشبع ونتشرب روح القعود والسلبية. والأرضية لا تقوم إلا بتمكين وتقدير ذوي الكفاءات، والمخزن لا يسعد ولا يأنس ولا يثق إلا بأصحاب الولاء الساقط والهمة الدنية التي لا تتنفس إلا نتن الأهواء والشهوات والأنانية.

لنطرح، أحبتي، السؤال الأولي والمهم: ماذا نعني بالعمل السياسي؟

العمل السياسي هو ذلك الشِقُّ من النشاط الفكري الذهني والجارحي الذي يعتني بالشأن العام، أي كيفية إدارة حقوق الناس وقضاياهم وشؤونهم، كيفية تسيير وتدبير أمور معاشهم وحياتهم اليومية فيما يتعلق باللحظة واليوم برنامجا وتنفيذا، ثم التخطيط والتفكير بعمق في مسائل الغد وقضايا المستقبل.كل هذا في إطار من الأساليب والوسائل والأهداف والمرجعية مع القدرة على توظيف كل الإمكانات والإمكانيات المادية والمعنوية المتوفرة اقتصاديا واجتماعيا وعلميا وفكريا وبشريا، مع مراعاة شروط المحيط الخارجي والاستعداد الدائم لتجاوز العراقيل واقتحام العقبة.

ويأتي السؤال الأهم اللصيق بموضوعنا: هل هناك رابط وارتباط بين التربية والسياسة؟ هل التربية وسيلة تابعة مُكملة تُعِدُّ رجال السياسة؟ أم هي الصبغة المهيمنة التي تسع كل فضاءاته وحقله؟

إن العادات والمألوفات التي غلبت على أبصارنا وأسماعنا وعقولنا جعلت المعلم صلى الله عليه وسلم الخبير المنير هذا الأمر غير واضح بل غامض في رؤيتنا وفهمنا. وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم: عن نافع عن معقل بن يسار قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “لا يلبث الجَوْرُ بعدي إلا قليلا حتى يطلع، فكلما طلع من الجَوْرِ شئ ذهب من العدل مثله حتى يولد في الجور من لا يعرف غيره، ثم يأتي الله تبـارك وتعـــالى بالعدل فكـــلما جاء من العدل شئ ذهب من الجور مثـــله حتى يولد في العدل من لا يعـرف غيره. (مسند الإمام أحمد ).

إذا نظرنا إلى هذا الحديث في سياق موضوعنا يمكن القول بل الجزم أن الجور معدنه بعيد عن معاني التربية، دونهما مساحات التنافر والاختلاف. نحن ولدنا في الجور. حقيقة العدل، رجاله وأهله، جوهره وصبغته، حدوده وثمرته، قيمته وقدره لم نعرف من كل هذا شيئا حتى يتمثل كَلامُنا عليه شهادة على أنفسنا وعلى الآخرين. ولدنا زمن الصراعات السياسية الخالية من كل القيم وإن ادعت، الفارغة من كل معنى وإن زعمت، العارية من كل خلق وإن تَقَوَّلَتْ.

منتهى إرادة السياسيين الدنيا فقط: “يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ” .

حب الرئاسة والانصراف الكلي نحو طلب السلطة والاستغراق في همومها وشواغلها هو محيط السياسيين، بل هويتهم المثلى. نريد العدل الرباني النبوي القرآني “فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنَا”. إذا كان الأمر كذلك فأين يجب أن تتجلى التربية في السياسة الإسلامية؟.

هناك شقين في موضوع السياسية، شقين متلازمين: الإنسان والمشروع. والأولوية للإنسان لأن صحة المشروع السياسي موثوقة بصحته وفسادَه موصولٌ بفساده. فما هي إذن الخصائص التربوية التي يجب أن تتصف وتتخلق بل وتتميز بها الشخصية السياسية الإسلامية والتي إذا أحاط بها الغش وأصابها الخلل ضعفت أهلية العمل في المجال السياسي؟.

أولا حب العدل: الولع بالعدل والشغف به والرغبة في بسطه من خلق المؤمنين. هم حملة الشوق إليه بالفطرة والغريزة. لا يرون صلاح البلاد والعباد إلا به لأنه من خزائن الله العظمى لا يجود به ويهبه إلا لمن اصطفى من أئمة الخير والرشاد والهدى الذين يرون فيه فلاحهم ونجاتهم وظلهم يوم لا ظل إلا ظل الله ففي مسند الإمام أحمد رحمه الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “ما من أميرِِ عشرةٍ إلا يؤتى به يوم القيامة مغلولا لا يفكه إلا العدل أو يوبقه الجور”.

ومن الرجال من كانوا منارات ومصابيح مضيئة وأعلاما شامخة سامقة في إقامة العدل. أحكي لكم طرفا من قصة أحدهم، وهو من السادة والأساتذة، ذلكم هو سيدنا عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه. كتب إليه بعض عماله، كما حكى الإمام السيوطي رحمه الله في كتابه تاريخ الخلفاء: إن مدينتنا قد خربت فإن رأى أمير المؤمنين أن يقطع لنا مالا نَرُمُّها به فعل. فكتب إليه عمر رضي الله عنه: إذا قرأت كتابي هذا فحصِِِّنها بالعدل ونقِِِّ طرقها من الظلم، فإنه مَرَمَّتُها والسلام.

وكتب إليه الجراح بن عبد الله: إن أهل خرسان قوم ساءت رِِعْيَتُهُم، وإنه لا يصلحهم إلا السيف والسوط، فإن رأى أمير المؤمنين أن يأذن لي في ذلك. فكتب إليه عمر: أما بعد، فقد بلغني كتابك تذكر أن أهل خرسان قد ساءت رعيتهم، وأنه لايصلحهم إلا السيف والسوط. فقد كذبت، بل يصلحهم العدل والحق فابسط ذلك فيهم والسلام.

ثانيا الآخرة: في تاريخ المسلمين سير عديدة لملوك غلبهم الوهن حتى ذهبت الدنيا بألبابهم، واستولى عليهم الأمل حتى أفقدهم رشدهم وسلبهم كل الفضائل وتورطوا في الشبهات، بل منهم من جمع العثرات التي تَعَوَّذَ منها رسول الله صلى الله عليه وسلم فزل وضل وظلم وجهل. قال شاعر في الملك الأمين محمد أبو عبد الله، بن هارون الرشيد، بعد موته:

لِمَ نبكـيك؟ لمـاذا؟ للطـرب يا أبا موسى وترويج اللـعب

ولتَِرْكِ الخَمْسِِِ في أوقـاتهــا حرصا منك على ماء العـنب

والملك هارون الرشيد نفسه كان كلما اعترض شهواته قيد فقهي أو حكم شرعي نادى أبا يوسف الفقيه: “أعندك في هذا شئ؟” أي أعندك من هذا المانع والعائق مخرج؟ أو يقولها صريحة: “فهل عندك حيلة؟” ما غش إلا نفسه عفا الله عنه.

كان الرجل الصالح الإمام العادل سيدنا عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه يقول في دعائه: اللهم إن كنت تعلم أني أخاف شيئا دون يوم القيامة فلا تُـؤَمِِِّنْ خوفي. وكان يجمع في بيته الفقهاء يتذاكرون الموت ولقاء الله حتى يبكي وكأن بين يديه جنازة. هكذا كان تبتله بالليل: ذكر ومذاكرة. أما سبح النهار فكان لنشر العدل وصحبة الأمة للتربية.

الآخرة لجام للنفس ورادع للهوى ومَفَرٌّ وَوَزَرٌ من المهلكات والموبقات. كلما اقترب منها المرء ابتعد عن حظوظ الدنيا واستصغرها. وكلما نسي الآخرة غلبت الدنيا على حواسه حتى تُصَيِِّرَهُ مملوكا تهديه في يومه وليلته إلى استغلال الناس ونزع حقوقهم ونهب أموالهم وإهانتهم والاستعلاء عليهم. هذه الأمور تبدو واضحة ولكنها من حب الرئاسة أو ما يسميه ابن رجب البغدادي رحمه الله “حب الشرف” الذي يقول عنه: إنه أمر غامض لا يعرفه إلا العلماء بالله العارفون به المحبون له.

ثالثا مجالسة العلماء وصحبة المساكين: المسلم دائمُ الحاجة إلى مُذَكِّرٍٍ يذكره بمآله ومصيره وحق الله عليه وحقوق العباد التي في ذمته وحق نفسه على نفسه. دائم الحاجة إلى هادٍ يهديه إلى ربه فيخشى ويحفظه من مهاوي الغواية والانزلاق السحيق. دائم الحاجة إلى إمامٍٍٍ يحتضنه في أخلاقه وفهمه وإيمانه. دائم الحاجة إلى منادٍ يناديه نداء قلبيا حارا إلى عوالم ودرجات اليقين والطمأنينة والسكينة والتعزز بالله. دائم الحاجة إلى قدوةٍٍ يتخذها خلةً يُبعثُ يوم القيامة على دينها. وقد قال المحدث والفقيه علي بن سلطان القاري رحمه الله:” إن التابع أسير المتبوع في الصحة والفساد اعتقادا وإخلاصا وعلما وعملا”. ولعل هذا الركن التربوي هو الذي حمل الأوائل على القول بأن أشقى الملوك أبعدهم عن العلماء، وأشقى العلماء أقربهم للملوك. وهذا مبني على الغالب إذ النادر لا حكم له كما يقال.

أما صحبة المساكين فهي مجلبة لرقة القلب والحنان والعطف والرحمة والتواضع. وهذه معانٍٍٍ تجردت منها أفئدة السياسيين التي امتلأت هواءً. ومن رمى منهم تحصيلها فإنه لا يفعل ذلك إلا تكلفا. ولنسمع إعلان النبي صلى الله عليه وسلم ووصيته إلى أم المؤمنين الفقيهة المعلمة الصديقة رضي الله عنها، عن أنس أن النبي قال: اللهم أحيني مسكينا وأمتني مسكينا واحشرني في زمرة المساكين. فقالت عائشة لم يا رسول الله؟ قال إنهم يدخلون الجنة قبل أغنيائهم بأربعين خريفا. يا عائشة لا تردي المسكين ولو بشق ثمرة. يا عائشة أحبي المساكين وقربيهم فإن الله يقربك يوم القيامة. رواه الترمذي والبيهقي في شعب الإيمان ورواه ابن ماجة عن أبي سعيد إلى قوله في زمرة المساكين. وعلى سبيل الاستشهاد والاعتضاد نزيد مطلع حديث أبي ذر رضي الله عنه: أمرني خليلي بسبع، أمرني بحب المساكين والدنو منهم…

رابعا القوة والأمانة: الكفاءة معتبرة في ميزان السياسة، ولكن ماذا تفيد إذا كان صاحبها ضعيف الهمة والإرادة، منخور العزيمة، مريض السريرة، ساقط النية. عهود الناس وأماناتهم لا يحملها إلا الأقوياء الأمناء الذين تزكوا من رِِِقَّةِ الدين وضعف النفس. كان عمر الفاروق رضي الله عنه يضيق صدره بل يستهين ويهين من لا يُستأمنون على أمر هذه الأمة مهما كانت مهارتهم وكفاءتهم. فقد روى الإمام أحمد بإسناد صحيح عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال قلت إن لي كاتبا نصرانيا. قال: مالك؟ قاتلك الله. أما سمعت الله يقول لعمر رضي الله عنه: “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ” (المائدة:51) ألا اتخذت حنيفا؟ قال قلت يا أمير المؤمنين لي كتابته وله دينه. قال: لا أكرمهم إذا أهانهم الله، ولا أعزهم إذا أذلهم الله، ولا أُدْنِيهِِمْ إذا أقصاهم الله.

انظروا، أحبتي الطلبة والطالبات، إلى غالبية من حولكم من السياسيين، فلن تجدوا إذا وزنتموهم بميزان القوة والأمانة إلا ذوي النفوس البليدة العاجزة التي تخشى ركوب الصعاب وتنقاد إلى الإهانة والهزيمة والخنوع والخيانة وشهادة الزور، ومن استحلى الذُلَّ عَسُرَ فِطَامُه.

المشروع: لن تنجو الحركة الإسلامية من الاهتزاز والتخبط والالتقاطية والتبعية مهما أعدت من رجال إذا لم تملك مشروعا واضحا يقرأ الواقع بعمق ويطرح القضايا العامة ويحدد المطالب والأولويات ويفصح عن مجالات العمل الضرورية ويبين العلل والمزالق والعقبات والأمراض ويرسخ الثوابت والأصول ويتحدث عن الكيف في جلب الحكمة والانفتاح والتعاون. وللمشروع جوانبه التربوية المهمة أُجْملها إجمالا أرجو أن لا يكون مخلا ناقصا.

أولا التأصيل: مهما كان المشروع الإسلامي قادرا على قراءة الواقع قراءة تاريخية، ومهما كان استيعابه لجريان الأحداث فيجب أن يبنى على مستوى اجتهاداته ودراساته وبحوثه وآرائه على أصول وثوابت وقواعد تربوية ربانية مكينة واضحة. يجب أن لا يحيد عن التعاليم والبيان والبلاغ والوعظ والنصح الرباني النبوي. يجب أن يتثبت بالضوابط الشرعية مراعيا اليسر والرفق واللين والرحمة والتدرج والعفو ما أمكن، مستلهما نموذجيته من الحكمة النبوية.

ثانيا إقامة الدين: إقامة الدين هي حرفة الأنبياء والرسل عليهم السلام وقد أفنى الحبيب المصطفى عمره من أجل هذا الأمر الجلل. ولم يكن ما دَوَّنَه وارثوه من أصحابه واستنبطوه واستخرجوه وأثبتوه إلا سيرا على المنوال وتحقيقا للمقصد. وبقي كل من أتى بعدهم خصوصا المجتهدون المجددون يبذلون قصارى الجهد بحثا وتقصيا وضبطا وتأصيلا للحفاظ على هذا المنهاج النبوي، خصوصا بعدما افترق السلطان عن القرآن الكريم. يقول المولى سبحانه: “الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ” (الحج:41) فروح التمكين الإلهي الرباني لعباده المؤمنين هو إقامة هذه الأركان الأربعة التي عليها رابط العبودية ومدار الدين كله: الصلاة والزكاة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

ثالثا الدعوة: لله سبحانه رسله وأنبياءه، له أهله وخاصته، له جنده وحزبه، له أولياءه وعباده. اصطفاهم للدلالة عليه بما وقر في قلوبهم من حبه ومعرفته وتعظيمه. يحببونه لعباده بأطيب الكلام وألطف العبارة وأجمل الأخلاق وأنسب العطاء. تكاد أرواحهم تزهق وأنفسهم تذهب حسرات أن لا يجدوا مستجيبين. وهبوا أعمارهم للدعوة.

بناء الاقتصاد القوي وترسيخ الاستقرار الاجتماعي ونشر الفكر المستنير وتوعية الأمة وتربيتها لن يكون له معنى ووزنا إن لم يكن وسيلة لخدمة الدعوة وانتشارها ورفع لوائها وسلطانها، إذ بها تصلح الأرض ويعلو الحق ويقوم العدل ويعبد الرب سبحانه.

خاتمة:

أحبتي، هذه بعض ملامح التربية في العمل السياسي. أدعوكم من خلال هذا العرض إلى المزيد من الطلب والبحث والتنقيب، خصوصا ونحن نصبح ونمسي نمدح أقواما على غير علم وبينة فنقول في الواحد منهم كما جاء في الحديث الذي رواه صاحب أسرار النبوة سيدنا حذيفة رضي الله عنه: “ما أعقله وما أظرفه وما أجلده، وما في قلبه مثقال حبة من إيمان”. فكيف نميز الراحلة في الإبل المائة؟ وكيف نعرف الرجال الذين نزلت الأمانة في جذر وأصل قلوبهم؟ وكيف يبقى الإيمان ثم الإيمان ثم الإيمان معيارا للرجولة، وشرطا للاختيار، ومقياسا للإمامة والإمارة والولاية؟ نسأل الله السداد والرشاد والفهم والصواب في الأمر كله فهو نعم الولي ذو الفضل العظيم والمن الكبير، ذو الجلال والإكرام والصلاة والسلام والبركة على سيدنا محمد خير الأنام والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.