“منذ 30 سنة جعلنا من المنهاج النبوي أرضية للعمل مبنية على اللاعنف وعلى التربية الروحية، فالواقع هو هذا، وطبيعي أن يكون في جماعتنا تعبير عن الغضب، لأن جميع عوامل الانفجار وليس الغضب فقط موجودة، وما نقوم به نحن هو تأطير هؤلاء الشباب حتى يصبح ذلك الغضب، غضبا إيجابيا، غضبا للبناء وللمشاركة البناءة وليس غضبا للتكفير والحقد والكراهية.”

كيف تنظرين إلى هذه النتائج التي تم الإعلان عنها في استطلاع الرأي الذي نشرته جريدة “لوجورنال”، حيث وجدنا أن هناك تمثلا لدى المغاربة لأسامة بن لادن، وعداء تجاه يهود إسرائيل وأمريكا؟

إن أول ما يمكن قوله هو أننا كجماعة، وفي إطار التحديث، يجب أن نربي الناس على المسائل الإيجابية وعلى طلب الإحسان، وليس على العداء لهذا أو ذاك، ولو أننا يجب أن نعرف من هم أعداؤنا. قد تكون هذه الأرقام تعكس نوعا ما ما هو سائد في الواقع، ولكن يجب أن نعرف أننا نعيش في ظل مجتمعات تعاني من الأمية، ليس الأمية الأبجدية والثقافية فقط، وإنما الأمية التي تعني الجهل بديننا وبمبادئه السمحة، بحيث إنه منذ 14 قرنا تكونت هوية المسلمين بفعل جهلهم بالدين على العداء، بحيث إذا كان الإسلام قد حسم منذ مدة في موضوع اليهود، إذ أن الله سبحانه وتعالى ذكرهم في القرآن بغاية تربيتنا وتنبيهنا إلى عدم السقوط في الأفعال التي ذمها على هذا الشعب (اليهودي) الذي يصف نفسه بأنه شعب الله المختار، وليس لكي نحقد عليهم نحن أو نكرههم ولنبني هويتنا الإسلامية كلها على العداء لهم. ولذلك، فإن الكثير من هذه التمثلات تأتي في نظري من الجهل بالدين، وأنا في كتابي كنت قد تكلمت عن كون النبي صلى الله عليه وسلم أبرم معهم معاهدات، ولهذا، فإذا كان لنا نحن من نموذج في حياتنا فهو سنة النبي صلى الله عليه وسلم. فالنبي أبرم معهم معاهدات سياسية واعترف بهم كمواطنين، بحيث يمكن القول إن صحيفة المدينة كانت هي أول من أقر بمواطنة اليهود، ولم يعلن الحرب ضدهم إلا عندما خانوا فيما بعد الاتفاق السياسي الذي كانوا قد وافقوا عليه، ومثل هذا التعامل للنبي مع اليهود الكثير منا يجهله، وفي تقديري أن هذا الجهل بالدين جعل الأمور تختلط علينا، ليصبح اليهودي هو بالضرورة الصهيوني. ولهذا السبب قد يمكن أن نلتمس العذر للمغربي البسيط إذا كانت له مثل هذه النظرة، خاصة في ظل العداء الإسرائيلي المتزايد ضد أمتنا، بحيث مادامت ليست لنا أدوات التحليل الكافية، ومادام أن هناك نوعا من التسطيح لديننا على جميع المستويات، بداية بعلاقتنا بالحكم وانتهاء بعلاقتنا باليهود، فبطبيعة الحال، سيكون هناك نوع من التطرف في هذا المجال، مع أن الله سبحانه لا ينهانا عن التعامل مع من يبدون ولاءهم للمسلمين أو على الأقل يتعاطون معهم بنوع من الموضوعية، وهناك كثيرون من بين اليهود يميلون إلى الموضوعية ويحثون على العدل، كطاقم جريدة “لوموند ديبلوماتيك” على سبيل المثال وغيرهم من المثقفين اليهود الذين ليسوا صهاينة بالتأكيد، وهذا ما لا يدركه بعضنا. إن هويتنا مع كامل الأسف لم تبن فقط على الحقد على اليهود وإنما الحقد المطلق، بالرغم من أن الإسلام لا يعني الحقد بل هو جنوح للسلم إذا جنح العدو للسلم، وإن كان بناء إسرائيل لهويتها على الدين اليهودي يساعد كثيرا على تنامي مثل هذه الكراهية.

ولكن أليست هناك عوامل أخرى تساهم هي كذلك في وجود مثل هذه التمثلات؟

بالطبع، فإننا إلى جانب جهلنا بأمور الدين، نعيش ما يمكن تسميته أزمة هوية وأزمة نموذج، وهذا ما يجعل شخصا مثل أسامة بن لادن يحظى بمثل ما يحظى به حسب ماجاء في ذلك الاستطلاع، لا لشيء سوى لأنه رفع ناصية العصيان باسم الإسلام في وجه قوة عظمى واضح أنها تمارس الكثير من المظالم في سياستها اتجاه الشعوب المستضعفة. وهذا يجرنا للحديث عن عامل آخر يتمثل في السياق السياسي العام الذي يتم فيه الحديث عن مثل هذه التمثلات، فما جرى في العراق، وقبله في أفغانستان، ثم ما ترتكبه إسرائيل يوميا في فلسطين كلها عوامل تغذي بشكل كبير وجود هذه النزوعات لدى فئات عريضة من شعوبنا، وبالأخص شبابها وفي رأيي أن هذه الظاهرة الآن هي عالمية لا تخص فقط العالم الإسلامي، وإنما تخص كل دول العالم الثالث، بل إنه حتى في بعض الدول التي لا تدخل في هذا التصنيف، أقصد دول الشمال هناك انتقاد لمثل هذه النزعة الهيمنية السائدة عند الولايات المتحدة الأمريكية على الأخص، بل إنه حتى داخل أمريكا نفسها وجد هناك أشخاص مثل نعوم شومسكي والمرحوم إدوارد سعيد، اعتبروا أن السياسة المنتهجة من لدنها لا يمكن إلا أن تجلب لها الكراهية من لدن باقي الشعوب.

عادة ما كان المغرب يقدم على أنه بلد التسامح، ولكن نحن الآن أمام المعطيات التي توفرها هذه الأرقام، من جهة ومن جهة أخرى فنحن لا نكاد نجد عملية تفجير تقع إلا ويتهم مغاربة بالمشاركة فيها، كيف يمكن تفسير هذه المفارقة؟

يبدو جليا أن هناك ما يمكن تسميته بـ”إسلاموفوبيا” واضحة، مثلما كانت المعاداة للسامية جاري بها العمل في وقت ما في أوربا، لماذا أقول هذا الكلام، لكي أؤكد أن أوربا بعد مرحلة معاداة السامية بعد هيمنة أمريكا التي ساندت إسرائيل، أصبحت ترى أن عليها تجاوز هذا الأمر، وأضحت ترى أن العدو الجديد هو المسلم والعربي، ولذلك هناك “إسلاموفوبيا” عامة تكلم عنها بعض المنصفين من مفكري الغرب كفانسون غيسيير، صاحب كتاب “الإسلامو فوبيا الجديدة”، أما أن يكون هناك مغاربة متهمين أو يشار إليهم بالبنان كما يقال، في هذه العمليات أو تلك، ربما لأن المغرب يلعب دورا حساسا في الخريطة الجيوسياسية، إن جاز هذا التعبير، بحكم الموقع الجغرافي الذي يوجد فيه، إذ هناك تخوف من أن يكون المغرب القريب من الغرب جغرافيا هو البوابة التي من خلالها قد يمر هذا الذي يعتبرونه تهديدا لهم.

في هذا الموضوع تطرح أيضا قضية التأطير، الذي من المفترض أن تضطلع به الدولة والأحزاب.

هل صحيح أن الأحزاب لها هم التأطير؟

إن همها الأساسي في نظري هو التسابق على الكراسي في البرلمان في لعبة سياسية أعتبر أنها أصبحت قذرة وخطيرة، حتى أصبح هناك عزوف للشعب عن الأحزاب وليس عن السياسة كما يقال، ومؤخرا كنا قد نظمنا ندوة حول المدونة وكانت الأستاذة منى الخليفي قد أكدت أننا نعيش أزمة على عدة مستويات، أزمة الوسائط ثم أزمة على مستوى التعليم ثم أزمة مرتبطة بالعامل الاقتصادي والاجتماعي، فلم تعد لنا وسائط سياسية قادرة على التأطير، والأكثر من هذا أن العلماء الذين كانوا يلعبون في مراحل معينة مثل هذا الدور لم يعودوا كذلك إما لأنهم دخلوا، بطريقة أو بأخرى، في اللعبة السياسية وتأقلموا مع المخزن الذي ليس له هدف التأطير وإنما الضبط بمعناه الأمني، أو دخلوا في ما يمكن تسميته بخطاب الجمعة أو لنقل “الإسلام الميت” إن جاز التعبير، ثم إن نظامنا التعليمي أصبح منبتا للعنف، وأنا متفقة تماما مع الأستاذ ضريف، وأحييه عندما قال في مشاركته الأخيرة في إحدى البرامج بالقناة الثانية، بأن المغرب إذا كان له من حظ فهو وجود جماعة العدل والإحسان، بحيث لولاها ربما لكان مستوى العنف كبيرا جدا، لأن مجموعة من الشباب تؤطرهم جماعتنا.

هذا في الوقت الذي يقال أن الجماعة تلعب دورا تحريضيا، كما يحدث في بعض المسيرات من خلال رفع بعض الشعارات إلخ&

هذا بالنسبة لمن لا يريدون فهم ما تقوم به العدل والإحسان، إذ منذ 30 سنة جعلنا من المنهاج النبوي أرضية للعمل مبنية على اللاعنف وعلى التربية الروحية، فالواقع هو هذا، وطبيعي أن يكون في جماعتنا تعبير عن الغضب، لأن جميع عوامل الانفجار وليس الغضب فقط موجودة، وما نقوم به نحن هو تأطير هؤلاء الشباب حتى يصبح ذلك الغضب، غضبا إيجابيا، غضبا للبناء وللمشاركة البناءة وليس غضبا للتكفير والحقد والكراهية.