كثيرة هي الدروس والعبر التي يمكن أن يستشفها المرء من ذلك الحدث التاريخي؛ حدث استشهاد الشيخ أحمد ياسين، الرجل الصادق الذي لم تمنعه إعاقته من أن يقوم لله عز وجل.

كانت قومته  رحمه الله تعالى- كاملة شاملة، كان ميسرا لا معسرا، مبشرا لا منفرا، جامعا لجهد الصادقين لا مشتتا، قائما بالدعوة رغم كل العقبات والعراقيل، مقتديا في كل ذلك برسول الله صلى الله عليه وسلم، ومحققا لقول الله عز وجل: “وإنه لما قام عبد الله يدعوه كادوا يكونون عليه لبدا” .

كان قائما قومة الشاهد بالقسط مصدقا لقول الله عز وجل: “كونوا قوامين لله شهداء بالقسط” .

وكان قائما قومة الإحسان والإخلاص لله تبارك وتعالى مصداقا لقوله عز وجل: “فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله، ذلك الدين القيم” .

وقام للجهاد ولم يتقاعد، وهو المقعد جسدا، ليشمله قول رسول الله صلى الله عليه وسلم “لا تزال من أمتي أمة قائمة بأمر الله، لا يضرهم من خذلهم ولا خالفهم، حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك” . فثبت رحمه الله على خط الجهاد في سبيل الله، رغم خيانة الخائنين وخذلان المتخاذلين من حكام العرب، وغيرهم من ذراري المسلمين. لم يتقاعد وهو المقعد جسدا إلى أن حظي بفضل الشهادة في سبيل الله تعالى.

كان رحمه الله يدعو في كل المناسبات إلى إقامة الوحدة بين المسلمين، امتثالا لأمر الله عز وجل، الذي قال: “شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا، والذي أوحينا إليك، وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه” .

كانت قومته قومة كاملة. ويتيه كل من أراد الاقتداء بالشيخ في جهاده، إذا لم يعرف منطلق هذه القومة الشاملة وأساسها. لقد كانت القومة إلى الصلاة وإقامة الصلاة أساس قيام هذا الرجل الفذ، الذي أقام شعوب العالم بشهادته. فالشيخ ورفقاؤه استشهدوا بعد أداء صلاة الصبح في المسجد، وإن في هذا لدرس تربوي بليغ لأبناء الصحوة الإسلامية، وللمؤمنين وعموم المسلمين. إذ رغم وجود عدة موانع أبى الشيخ، زكى الله تعالى روحه الطيبة، إلا أن يقيم الصلاة مع الجماعة، وإن كان الوقت وقت فجر، وذلك امتثالا لأمر الله تعالى، وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم، وطلبا للمعالي في الآخرة دار البقاء.

تحدى رحمه الله أربعة موانع لتحقيق القومة إلى الصلاة، بل لتحقيق قومته الكاملة.

أول مانع، تلك الإعاقة الكلية التي ألمت به منذ أن كان طفلا. والمانع الثاني كبر سنه، إذ يتجاوز رحمه الله تعالى السبعة والستين سنة. والمانع الثالث شدة المرض إذ كان يعاني رحمه الله تعالى من عدة أمراض، زادت حدتها في الآونة الأخيرة.

أما المانع الرابع فيتجلى في المطاردة اليومية، والملاحقة الدائمة من قبل العدو الصهيوني الذي كان يتربص به في كل وقت وحين لقتله، والعالم يعلم أنه لم تمض بعد على محاولة اغتياله من قبل الصهاينة إلا بضعة شهور.

هذه الموانع، وغيرها لم تمنعه رحمه الله تعالى من الحرص على حضور صلاة الصبح مع الجماعة. وإذا كان ذلك أمرا بديهيا في حق رجل ارتفعت همته كل ذلك الارتفاع، وعلت كل ذلك العلو. فإن ذلك لا يمنع من التذكير عسى أن تنفعنا الذكرى نحن أبناء الصحوة الإسلامية، فترتفع همتنا بهمة ذلك الرجل، وتكون قومتنا قومة كاملة، انطلاقا من الحرص كل الحرص على إقامة الصلاة مع الجماعة في كل الأوقات. وقد صدق عمر بن الخطاب، ثاني الخلفاء الراشدين رضي الله تعالى عنه، إذ بعث يذكر الجنود قائلا: “إن أهم أمركم عندي الصلاة” كما صدق صلاح الدين الأيوبي رحمه الله تعالى، إذ كان يشير إلى الجنود النائمين عن قيام الليل ويقول : “من هنا تأتي الهزيمة”.