لا مراء أنّ الحدث جلل، وأنّ المصاب عظيم. ولا يملك المرء بعد أن يسترجع إلا أن يقف أمام الحدث مستلهما الحكم والخلاصات التي ينطق بها.

الخلاصة الأولى التي تبرز أمام الناظر في الحدث تتعلق بمفهوم الشهادة. فيا لعظمة الشهادة، تلك المنزلة التي ينعم الله بها على المصطفين من عباده. وبقدر ما يحزن المرء على خسارة إنسان له في القلوب منزلة عظيمة؛ بقدر ما يمتلئ المرء إجلالاً وتوقيراً لفكرة الاستشهاد ومعنى الشهيد الذي يرتقي في موكب رباني إلى دار البقاء، والذي يعوِّض الله فقدانه بشيوع رمزه وانتشار نموذجه.

وبقدر ما يشعر المرء بمعاناة أرض فلسطين لكثرة ما رأته من معاناة شعبها؛ بقدر ما يفخر المرء بكون هذه الأرض “المباركة” هي المحل الرئيسي لتجلي مفهوم الشهادة في عالمنا المعاصر. وها هي البركة تمتد لأرض الرافدين ولأراض أخرى في عالمنا.

الخلاصة الثانية تتعلق بالعلاقة بين استشهاد الشيخ وقوافل الشهداء الذين سبقته. فالمرء يشعر أنّ استشهاد الشيخ هو تتويج لاستشهاد العشرات الذين ارتقوا خلال هذا الشهر، والذين ناهز عددهم الثمانين شهيداً، بل وللمئات الذين ارتفعوا خلال انتفاضة الأقصى، وللآلاف من أبناء فلسطين بل وأبناء الأمة الذين سموا خلال المواجهة الممتدة مع المغتصب ومؤيديه. وكأنّ القدر يصرّ ألا ترتقي القافلة بدون قائدها، ويصرّ أن يتلاحم دم القيادة مع دم أبناء شعبها تتويجاً للتلاحم الذي جمع بينهما خلال مسيرتهما الممتدة.

الخلاصة الثالثة تتعلق بسجايا الشيخ كإنسان. فقد تحلى طيلة حياته بالزهد والوقار والدماثة والوجه الطلق المشرق والأدب الجم. وكان من يلقاه يذكر مجلسه بالخير. كما كان إنساناً مثقفاً واعياً بقضية شعبه وتاريخها وأسسها ويغلب على حديثه التكلم بالفصحى.

الخلاصة الرابعة تتعلق بمكانة الشيخ ككقائد لفئة أساسية من فئات شعب فلسطين عبر مرحلة مفصلية من مراحل القضية. فبالنسبة لعلاقة هذه القيادة بالفئة التي تتزعمها؛ فقد شهدت مسيرتها أنها استطاعت أن تجمع حولها مؤيديها وأن تسيٍّر أمور التنظيم الذي أسسته بشكل سلس وأن تتجنب الانشقاقات الداخلية وأن تتعامل بحكمة مع الأجيال الوسيطة والشابة داخل التنظيم، بما انعكس بالإيجاب على مسيرة التنظيم نفسه.

وبالنسبة لعلاقتها بالفئات المناظرة؛ فقد حافظت تلك القيادة على قدر جيد من التنسيق مع قيادات الفئات الأخرى، كما سمحت لتنظيمها أن يباشر قدراً من التنسيق العسكري مع التنظيمات الأخرى، حتى تلك المخالفة لها في التوجه الفكري كالجبهة الشعبية أو في التوجه السياسي ككتائب شهداء الأقصى. وقد رسخ هذا الأمر مفهوم اللحمة والمصير المشترك الذي يربط أبناء الشعب في مواجهتهم لعدوهم. كما أدى إلى إرهاق المحتل الذي اضطر إلى المراوحة بين مهاجمة كل فئة على حدة، دون أن يستطيع أن يزيح أياً منها عن الساحة.

أما بالنسبة لعلاقتها بالسلطة؛ فقد استطاعت تلك القيادة أن تتعاطى بحكمة مع السلطة ومع الفئات المختلفة داخلها، ولم تُجرّ إلى مواجهات داخلية، بل استوعبت استفزازات بعض فئات السلطة، كما حافظت على شعرة معاوية مع مخالفيها، الأمر الذي أسهم في الحفاظ على قدر غير مجحود من الاستقرار الاجتماعي والسياسي داخل الساحة الفلسطينية، ومنع المحتل من تحقيق هدفه الاستراتيجي بإثارة الفتنة بين بني الوطن الواحد.

أما بالنسبة لعلاقتها بأبناء شعبها؛ فقد تجاوزت تلك القيادة أسوار مفهوم التنظيم، وارتبطت بأبناء شعبها بأبوية محببة غاضة الطرف عن انتماءاتهم، وتبنت خطاباً يتجاوز الاختلافات، كما قدمت المؤسسات التي أسستها خدماتها لعموم الشعب دون تفرقة، بما استحق معه الشيخ عن جدارة لقب “شيخ فلسطين”.

أما بالنسبة لعلاقتها بالإدارات الأساسية في الأمة؛ فقد نجحت تلك القيادة في تأسيس علاقات احترام مع تلك الإدارات، بما وفّر قدراً لا بأس به من التأييد الرسمي الضمني أحياناً والصريح أحياناً أخرى. أما على مستوى علاقتها بالمحتل وعمقه الأممي؛ فالملاحظ أنّ هذه القيادة لم تقع في براثن منح المحتل الشرعية القانونية أو السياسية، كما نأت بنفسها عن أن تصبح عرضة للتلاعب في عمليات تسوية استهدفت أساساً تقنين الاحتلال.

الخلاصة الخامسة تتعلق بسياسة اغتيال القيادات التي تنتهجها الإدارات الإسرائيلية المتعاقبة، والتي هي في حقيقتها فرق موت صهيونية. فأهم ما تعبِّر عنه هذه السياسة الدموية هو معاناة تلك الإدارات من “فقدان الحيلة السياسية” في مواجهة الانتفاض والمقاومة. بل وتعبر عن نجاح نهج الانتفاض والمقاومة الذي تتبناه القيادات التي تتم تصفيتها. وقد حدثتنا تجارب الشعوب المتحررة كيف أنّ قوى الاستلاب والطغيان تلجأ لهذا الخيار عندما تشعر بمأزق سياسي لا تجد معه سبيلاً سوى محاولة إنهاء وجود الطرف المناوئ بالكلية.

الخلاصة السادسة تتعلق بحقيقة أنّ هذا المسلك الذي يتجاوز كل الخطوط الحمراء في السياسة؛ لا يتم إلا بضوء أخضر من العمق الأممي للاحتلال الإسرائيلي. لكنّ التساؤل يثور عن سبب تأييد العمق الأممي للاحتلال لهذا المسلك وفي هذا التوقيت خصوصاً.

البادي، أولاً، أنّ ذلك العمق الأممي بعد أن ألفى نفسه في عزلة عالمية لا يجد لنفسه صاحباً سوى الاحتلال الإسرائيلي وبعض الإدارات الرسمية الكبرى، وبعد أن بات يعاني من هذه العزلة التي تجلى فيها التناقض الحاسم بين مسار الطغيان والاستلاب والقارونية الأممية الذي يتزعمه؛ ومسار التحرر والمقاومة الذي يُعتبر الشيخ أحد رموزه عالمياً؛ شعر بالحاجة إلى التخلص من الرموز التي يؤدي بقاؤها إلى استمرار وضوح هذا التناقض، وإلى استمرار مواجهة الطغيان والاستلاب العالمي.

ثانياً، فإنّ توقيت الاغتيال وتزامنه مع تعاظم أزمة الإدارة الأمريكية فيما يتصل بورطتها في العراق؛ يعزز المقولة القائلة بحاجة الإدارة الأمريكية إلى حدث سياسي جسيم يشغل المراقبين ومعهم الساحة الأمريكية الداخلية عن عدّ الأنفس التي يتم حصدها يومياً بالعراق، وعن محاسبة تلك الإدارة لتضليلها شعبها بالنسبة لغايات الهجوم على العراق.

الخلاصة السابعة تتعلق بكون توقيت هذا الحادث الجلل قد جاء قبيل انعقاد القمة العربية. فحدث كهذا يدعو الإدارات العربية إلى اتخاذ مواقف استراتيجية في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي. ولعلنا نستحضر أنّ فكرة انتظام القمة العربية في حد ذاتها أتت استجابة للواقع الشعبي الذي تأجج عشية اندلاع انتفاضة الأقصى. من ثم فإنّ حدثاً كهذا والتأجج الشعبي الذي بدأ بالفعل يتعاظم في أعقابه؛ يشكلان دعوة جديدة للإدارات العربية للمضي قدماً خطوة أخرى، ولاتخاذ مواقف أكثر تعبيراً عن حقيقة منحنيات المواجهة مع الاحتلال. والواقع أنّ هذه الدعوة ليست موجهة لإدارات الدول العربية فحسب؛ بل إلى إدارات الأمة بأسرها.

الخلاصة الثامنة تتعلق بالرد على هذا الفعل الدموي. فالملاحظ أنّ مما زاد من جرأة الإدارات الإسرائيلية على الإقدام على سياسة اغتيال القادة، وهو الأمر الذي يشكل خطاً أحمر في العلاقات السياسية؛ هو أنّ الردود التي أتت عقب تلك الاغتيالات لم تكن متناسبة مع حجم الاغتيال. ويلاحظ أنّه رغم أنّ النمط المتكرر للعمليات الذي ساد خلال عقد من السنين كان مؤثراً على صعيد توفير الردع المناسب بالنسبة لأعضاء وفئات التجمع الإسرائيلي، بما أثمر خروجاً جماعياً لأعداد كبيرة منه؛ إلا أنّ هذا النمط لم يوفر الردع المناسب على مستوى “إدارة الاحتلال” نفسها. ذلك أنّ تلك الإدارة لا تعبأ، إلا بشكل محدود؛ بأن يتم استهداف مجموعات من أعضاء التجمع الإسرائيلي. بل إنّ المعروف عن تلك الإدارة تاريخياً أنها هي أحياناً ترتكب جرائم ضد أعضاء التجمع الإسرائيلي كعمليات تفجير أو ما شابه للحصول على مكاسب سياسية. لذا؛ فالحكمة تقتضي استهداف مواطن الوجع الحقيقي لدى جسد الاحتلال.

الخلاصة التاسعة تتعلق بمستقبل شعب فلسطين عقب خسارته أحد قادته الرموز. فالواقع أنّ كل شعب يفقد رمزاً بهذا الثقل يصاب بصدمة كبرى. لكن الملاحظ في ضوء استقصاء سنن الشعوب التي خاضت غمار التحرر بل في ضوء مسيرة شعب فلسطين نفسه؛ أنّ الشعب والفئات الفاعلة فيه سرعان ما يفيق من هول الصدمة بل ويعظم من سرعة سيره على نهج الرمز الذي فقده.

ولعلنا نستحضر كيف أنه عقب استشهاد الشيخ عز الدين القسام منذ حوالي سبعة عقود على يد الاحتلال البريطاني؛ شعر شعب فلسطين بصدمة خاصة، وأنّ الشيخ كان أول من حمل راية الجهاد المسلح المنظم في مواجهة الاحتلال المزدوج البريطاني والصهيوني.

وبرزت أحاديث عن نجاح الاحتلال البريطاني في وأد فكرة الجهاد المسلح في مهدها. غير أنه لم تمرّ سنوات قليلة إلا وانطلق في فلسطين أكبر جهاد عرفه تاريخ فلسطين الحديث، وسمي “الجهاد الكبير”، والذي اتصل بين عامي 1936 و1939م. وسرعان ما برزت قيادات جديدة استلهمت نهج القسام واستطاعت أن تجمع قوى شعب فلسطين خلفها.

الخلاصة العاشرة تتعلق بمستقبل التسوية في ضوء هذا الحدث الجلل. فثم رأيان في تفسير إقدام إدارة الموت الإسرائيلية على هذا الاغتيال بالتزامن مع إعلانها إخلاء غزة. الأول يقول إنها تستهدف أن يسبق الإخلاء تدمير البنية البشرية والتحتية التي تمكن غزة من الوقوف على قدميها. الثاني يقول بأنها تريد أن يظهر للعالم أنها تركت غزة عن قوة لا عن ضعف.

والواقع أننا لا نرى صواباً في أي من الرأيين. فإدارة الاحتلال ما كانت تنوي الانسحاب من غزة ابتداء. بل ذهبت نيتها تلقاء إجراء عملية إعادة انتشار تماثل تلك التي أجرتها عقب أوسلو. فكما استهدفت من إعادة الانتشار الأوسلوية فسح المجال لفتنة أن تبرز بين فئات شعب فلسطين؛ فقد استهدفت من إعادة الانتشار الجديدة إثارة الفتنة بين الجانب المصري والجانب الفلسطيني، وذلك لما رأته من تصاعد منحنى العلاقات بين مصر ومختلف فئات شعب فلسطين المقاومة خلال المرحلة الماضية، ولما رآه الفكر الاستراتيجي الإسرائيلي من أنّ مصر بكليتها قد شكلت عمقاً استراتيجياً لمناخ الانتفاض الفلسطيني. لذا؛ حاولت الإدارة الإسرائيلية اليائسة إعادة الكرة على مستوى العلاقات المصرية الفلسطينية، غير عالمة أنّ مصير هذه الكرة سيكون مطابقا لمصير الكرة السابقة.

الخلاصة أنّ مسيرة إدارة الاحتلال في التسوية ستظل على حالها. غير أنّ الواضح أنّ استشهاد الشيخ سيسهم في زيادة نفي منطق التسوية التلاعبية، وسيسهم في ترسيخ شرعية المقاومة باعتبارها المسار الرئيس الذي يجب التعويل عليه ودعمه.

هذه خلاصات فجّرها هذا الحادث الأليم، لكن يبقى التأكيد على أنّ العزاء في الشيخ الجليل هو عزاء لأسرته ولأبناء تنظيمه الذين تربوا على يديه، ولشعب فلسطين الذي أحبه، وللوطن العربي الذي أجله، وللأمة قاطبة التي أكبرته، وللإنسانية الحرة التي ساهم معها في رفع قواعد بنيان الحرية والكرامة.

************************